بقلم – آية عثمان
لم تعد مشكلة التعليم في كثير من الأحيان مرتبطة فقط بما يتعلمه الطالب وإنما بكمية ما يُطلب منه تعلمه في فترة زمنية محدودة؛ فمع تراكم الدروس والوحدات والمعلومات يتحول المنهج الدراسي من وسيلة لبناء المعرفة والمهارات إلى عبء يومي يضغط على الطالب والمعلم ويدفع العملية التعليمية بأكملها نحو سباق محموم مع الوقت.
وتظهر أزمة حشو المناهج الدراسية بوضوح عندما يصبح الهدف الأساسي هو الانتهاء من صفحات الكتاب قبل موعد الامتحان بدلًا من التأكد من فهم الطالب لما يدرسه وقدرته على توظيفه في حياته؛ وفي هذه الحالة يميل بعض الطلاب إلى الحفظ السريع والاستعانة بالملخصات والدروس الخصوصية بينما يجد المعلم نفسه مضطرًا إلى الإسراع في الشرح حتى يتمكن من إنهاء المقرر في الموعد المحدد وهو ما يترك مساحة محدودة للنقاش والتطبيق والتفكير النقدي.
الأخطر أن كثافة المناهج لا تؤثر فقط في التحصيل الدراسي وإنما قد تخلق علاقة سلبية بين الطالب والتعليم نفسه، فالطالب الذي يقضي ساعات طويلة في محاولة إنهاء عشرات الدروس ثم يكتشف أن المطلوب منه في الامتحان هو استرجاع أكبر قدر ممكن من المعلومات قد يشعر بأن التعليم مجرد درجات وشهادة وليس وسيلة لاكتشاف قدراته وتطوير شخصيته.
كما أن المشكلة لا تكمن بالضرورة في عدد صفحات الكتاب فقط وإنما في طبيعة المحتوى وتكراره وترتيبه؛ فقد تحتوي بعض المناهج على معلومات متشابهة أو تفاصيل يمكن اختصارها في الوقت الذي تحتاج فيه العملية التعليمية إلى مساحة أكبر للتطبيق العملي والأنشطة والمشروعات وتنمية مهارات البحث وحل المشكلات.
ولكن عندما نبحث عن حل جذري ينهي تلك الأزمة، فإن التعامل مع حشو المناهج لا ينبغي أن يكون من خلال حذف أجزاء بصورة عشوائية كل عام لأن ذلك قد يخلق فجوات معرفية جديدة؛ والحل الجذري يبدأ بإعادة بناء المناهج وفق سؤال أساسي: ما الذي يحتاج الطالب فعلًا إلى معرفته في هذه المرحلة؟
وهنا تأتي أهمية مراجعة المناهج بشكل دوري من خلال لجان متخصصة تضم خبراء في التربية والمناهج وعلم النفس وسوق العمل إلى جانب الاستماع إلى المعلمين والطلاب وأولياء الأمور، فالمعلم هو الأكثر احتكاكًا بالمحتوى والطالب هو الطرف الذي يعيش تفاصيل المنهج يوميًا، وبالتالي فإن تجاهل تجاربهم عند تطوير المناهج يعني إغفال جزء مهم من المشكلة.
ومن الحلول المهمة أيضًا الانتقال من منهج قائم على كثرة المعلومات إلى منهج قائم على الكفايات والمهارات، فليس المطلوب أن يحفظ الطالب كل التفاصيل وإنما أن يفهم المفاهيم الأساسية ويعرف كيف يبحث عن المعلومة وكيف يحللها ويستخدمها في حل المشكلات.
كذلك يجب إعادة النظر في نظام التقييم نفسه لأن استمرار الامتحانات التي تكافئ الحفظ سيجعل أي تطوير للمناهج محدود التأثير، فإذا كان الطالب يعلم أن نجاحه يتوقف على تذكر أكبر قدر من المعلومات فسوف يعود تلقائيًا إلى الحفظ حتى لو تغير شكل الكتاب المدرسي.
الحل الحقيقي لا يعني بالضرورة أن ندرس أقل بل أن نتعلم بصورة أعمق وأكثر كفاءة، ويمكن تحقيق ذلك من خلال تقليل التكرار ودمج الموضوعات المتقاربة وتحديث المحتوى وتخصيص وقت للأنشطة والتطبيقات والاستفادة من التكنولوجيا في تقديم بعض المفاهيم بصورة تفاعلية؛ كما ينبغي منح المدارس والمعلمين قدرًا أكبر من المرونة في تنفيذ المناهج بحيث لا يكون إنهاء كل صفحة هو المعيار الحقيقي للنجاح وإنما مدى تحقيق أهداف التعلم.
وفي النهاية، فإن إصلاح أزمة حشو المناهج ليس قرارًا بحذف عدة دروس من كتاب وإنما مشروع متكامل يعيد تعريف معنى التعليم نفسه، فالمدرسة التي تكدس المعلومات في ذاكرة الطالب قد تنجح في إنهاء المنهج لكنها قد تفشل في بناء إنسان قادر على التفكير والإبداع والتعلم المستمر؛ فالتعليم الجيد ليس أن يعرف الطالب كل شيء، وإنما أن يتعلم ما يستحق أن يعرفه ويفهمه جيدًا ويعرف كيف يستخدمه وعندما يصبح هذا المبدأ هو نقطة البداية في تصميم المناهج وتقييم الطلاب يمكن أن يتحول المنهج من عبء يطارد الطالب إلى أداة حقيقية لبناء مستقبله.







