ممارسة العلاج بالوعي الكامل خطوة بخطوة.. كيف نستعيد حريتنا في التفكير؟

تمهيد

هناك لحظات لا تكون المشكلة فيها في الحدث الذي نعيشه بقدر ما تكون في الطريقة التي يستقبل بها العقل هذا الحدث. فكرة تتكرر، أو شعور بالقلق يتضخم، أو تجربة مؤلمة من الماضي تعود كلما واجهنا موقفًا مشابهًا، فنجد أنفسنا أسرى لدائرة من التفكير والانفعال وردود الفعل.

من هذه المنطقة تحديدًا ينطلق كتاب «ممارسة العلاج بالوعي الكامل خطوة بخطوة»، الذي يقدم منهج العلاج المعرفي القائم على الوعي الكامل MBCT بصورة تطبيقية وتدريجية، بحيث ينتقل القارئ من فهم الفكرة إلى ممارسة تمارينها واكتساب المهارات المرتبطة بها.

ولا يقدم الكتاب الوعي الكامل باعتباره مجرد وسيلة للاسترخاء أو الهروب من الضغوط، بل باعتباره تدريبًا تدريجيًا على ملاحظة الأفكار والمشاعر والجسد دون الانقياد التلقائي إليها؛ بحيث يتعلم الإنسان أن يفصل بين ما يحدث داخله وبين الطريقة التي يختار أن يستجيب بها لما يحدث.

 

ماذا يريد الكاتب؟

يريد الكتاب أن ينقل الإنسان من حالة الاستجابة التلقائية إلى حالة الوعي بالاستجابة، فالإنسان قد يعيش جزءًا كبيرًا من يومه وهو يتحرك وفق عادات ذهنية وانفعالية راسخة؛ فكرة تستدعي فكرة، وشعور يستدعي رد فعل، وذكرى تستدعي خوفًا أو حزنًا، ثم يتحول كل ذلك إلى سلوك يبدو وكأنه يحدث بصورة تلقائية.

 

هنا يأتي الوعي الكامل ليطرح سؤالًا أساسيًا: هل يمكن أن نلاحظ ما يحدث داخلنا قبل أن نتصرف بناءً عليه؟ ومن خلال هذا السؤال يبدأ التدريب على الملاحظة، وقبول الخبرة الحاضرة، والتخلي عن الرغبة المستمرة في مقاومة كل ما نشعر به أو التحكم فيه.

لماذا هذا الكتاب؟

تنبع أهمية الكتاب من أنه لا يكتفي بشرح مفهوم الوعي الكامل، بل يحوله إلى برنامج علاجي متدرج.

ويقدم الكتاب برنامج MBCT من خلال مجموعة من الجلسات والتدريبات التي تساعد على تطوير الانتباه والوعي بالأفكار والمشاعر والأحاسيس الجسدية، ثم الانتقال تدريجيًا إلى التعامل مع أنماط التفكير والانفعالات بصورة أكثر وعيًا.

كما يهتم الكتاب بالممارسة الذاتية، ويؤكد أن اكتساب الوعي لا يحدث بمجرد فهم المفهوم نظريًا، وإنما من خلال التكرار والتدريب والالتزام.

ويلفت الكتاب كذلك إلى أن الممارسة لا تخص المريض وحده، وإنما يحتاج المعالج نفسه إلى تطوير وعيه الذاتي وقدرته على الإصغاء والملاحظة والتعامل مع التجربة الإنسانية دون أحكام مسبقة.

 

يلخص هذا الكتاب عدة أمور

أولًا: الوعي يبدأ بالملاحظة

الخطوة الأولى ليست تغيير الأفكار، وإنما ملاحظتها، فبدل أن نتعامل مع الفكرة باعتبارها حقيقة مطلقة، نتعلم أن نراها بوصفها فكرة. وبدل أن نندمج بصورة كاملة مع الشعور، نتعلم أن نلاحظه ونفهم كيف يظهر وكيف يتغير، هذا التحول البسيط ينقل الإنسان من موقع الاستسلام للتجربة الداخلية إلى موقع المراقبة الواعية لها.

ثانيًا: لا يمكن التحكم في كل ما يحدث داخلنا

يحاول الإنسان غالبًا أن يطرد الأفكار التي تزعجه أو يقاوم المشاعر التي لا يريدها، لكن المقاومة المستمرة قد تزيد من حضورها، لذلك يدرب العلاج بالوعي الكامل الإنسان على الاقتراب من الخبرة بدل الهروب منها، وملاحظتها كما هي، دون إصدار حكم سريع عليها، والتخلي هنا لا يعني الاستسلام للمشكلة، وإنما التخلي عن المعركة المستمرة مع كل ما نشعر به.

 

ثالثًا: اللحظة الحالية هي نقطة الانطلاق

يستطيع العقل أن يعيش في الماضي، يستعيد أخطاءه وندمه، أو يقفز إلى المستقبل ويتوقع المخاطر والاحتمالات، وبين الماضي والمستقبل تضيع اللحظة التي نعيشها بالفعل، ومن هنا يصبح الوعي الكامل تدريبًا على إعادة الانتباه إلى اللحظة الراهنة، وإدراك ما يحدث الآن بدل الاستمرار في الدوران داخل الذكريات أو التوقعات.

 

رابعًا: الجسد جزء من الوعي

لا يتعامل الكتاب مع الإنسان باعتباره عقلًا فقط، فالانفعالات تظهر في الجسد من خلال التوتر، وتغير التنفس، وتسارع ضربات القلب، والانقباض، والإحساس بالحرارة أو البرودة وغيرها من العلامات، ولهذا يصبح الانتباه إلى الأحاسيس الجسدية وسيلة لفهم الحالة النفسية قبل أن تتحول إلى رد فعل سلوكي.

 

خامسًا: الأفكار ليست حقائق مطلقة

من أهم التحولات التي يدرب عليها البرنامج أن نتوقف عن التعامل مع كل فكرة باعتبارها حقيقة، قد تظهر في الذهن أفكار مثل «لن أستطيع» أو «الأمر سينتهي بشكل سيئ»، لكن وجود الفكرة لا يعني بالضرورة صحة مضمونها.

سادسًا: الممارسة أهم من المعرفة

لا يكفي أن يفهم الإنسان مفهوم الوعي الكامل نظريًا، فالتحول لا يحدث بمجرد قراءة تعريفات عن الوعي، وإنما من خلال التدريب المستمر على الانتباه والملاحظة والعودة إلى اللحظة الراهنة. ولهذا يعطي الكتاب أهمية كبيرة للممارسة الذاتية والالتزام والانضباط والعزيمة.

سابعًا: التغيير عملية تدريجية

لا يقدم البرنامج وعدًا بتغيير الإنسان في جلسة واحدة، بل يقوم على التدرج في اكتساب المهارات، بدءًا من الملاحظة والانتباه، ثم الانتقال إلى التعامل مع الأفكار والمشاعر والحالة المزاجية، وصولًا إلى إدماج هذه المهارات في الحياة اليومية.

ريجيًا من تدريب الإنسان على ملاحظة ما يحدث داخله إلى مساعدته على تطوير طريقة أكثر وعيًا في التعامل معه.

 

قراءة صحفية

يمكن قراءة «ممارسة العلاج بالوعي الكامل خطوة بخطوة» باعتباره كتابًا عن استعادة المسافة بين الإنسان وبين أفكاره.

في الحياة الحديثة، أصبح الإنسان محاصرًا بسيل مستمر من المعلومات والمطالب والمخاوف والضغوط. وفي كثير من الأحيان لا تكون المشكلة في كثرة الأحداث فقط، وإنما في أننا لا نملك الوقت أو القدرة على التوقف أمامها.

نحن نفكر ونحن نعمل، ونستعيد الماضي ونحن نتناول الطعام، ونخطط للمستقبل ونحن نتحدث مع الآخرين، ونحمل معنا في اللحظة الحالية آثار عشرات اللحظات السابقة.

 

ومن هذه الزاوية، تبدو قيمة العلاج بالوعي الكامل في أنه لا يطلب من الإنسان أن يصبح شخصًا آخر، وإنما أن يتعامل مع نفسه بطريقة أكثر وعيًا.

وتكمن قوة الكتاب الأساسية في الجمع بين العلاج المعرفي السلوكي والوعي الكامل وأدوات علم النفس المعرفي والانفعالي، ثم تحويل هذه العناصر إلى برنامج عملي منظم.

لكن طبيعة الكتاب التقنية تجعله مختلفًا عن كتب التنمية الذاتية العامة؛ فهو في الأساس عمل متخصص، ومفيد بصورة أكبر للمعالجين والممارسين والمهتمين بعلم النفس والعلاج النفسي.

كما ينبغي التعامل مع الكتاب باعتباره مادة معرفية وتدريبية، وليس بديلًا عن التقييم الطبي أو العلاج النفسي المتخصص عند وجود اضطراب يحتاج إلى تدخل مهني.

 

لمن يناسب هذا الكتاب؟

يناسب الكتاب المعالجين النفسيين والممارسين في مجال الصحة النفسية، والمتخصصين في العلاج المعرفي السلوكي، والمهتمين بتطبيقات العلاج بالوعي الكامل، وطلاب علم النفس والطب النفسي، وكل من لديه اهتمام علمي أو معرفي بالعلاقة بين الوعي والأفكار والمشاعر والسلوك.

كما يمكن أن يستفيد منه القارئ الذي يريد فهم ممارسات الوعي الكامل بصورة أعمق، بشرط أن يدرك أن الكتاب ذو طبيعة تطبيقية ومتخصصة، وليس كتابًا مبسطًا عن التأمل والاسترخاء.

 

مميزات الكتاب

يتميز الكتاب بطابعه التطبيقي، فهو لا يكتفي بشرح النظرية وإنما يحولها إلى خطوات وتمارين وممارسات.

كما يجمع بين الوعي الكامل والعلاج المعرفي السلوكي، ويربط بين الأفكار والمشاعر والأحاسيس الجسدية والسلوك.

ومن أبرز مميزاته أيضًا التركيز على الممارسة المستمرة، وعدم التعامل مع الوعي باعتباره معلومة نظرية.

ويتميز كذلك باهتمامه بالمعالج نفسه، باعتباره طرفًا يحتاج إلى تطوير الوعي الذاتي، وليس مجرد شخص ينقل مجموعة من التعليمات إلى المريض.

ويحافظ الكتاب على ارتباط واضح بين الممارسة والحياة اليومية، بحيث لا تظل مهارات الوعي محصورة داخل جلسات العلاج.

اخيرا في جوهره، يقول الكتاب إن ليس كل ما يحدث في عقولنا يستحق أن نصدقه، وليس كل ما نشعر به يستوجب أن نتصرف بناءً عليه، بين الفكرة والاستجابة توجد مساحة صغيرة اسمها الوعي.

وكلما اتسعت هذه المساحة، أصبح الإنسان أكثر قدرة على رؤية أفكاره دون أن يصبح أسيرًا لها، وفهم مشاعره دون أن تغرقه، ومواجهة الظروف دون أن تتحول كل تجربة إلى أزمة داخلية.

ومن هنا تأتي أهمية عنوان الكتاب «خطوة بخطوة». فالتحرر من الاستجابات التلقائية ليس قرارًا لحظيًا، وإنما رحلة من التدريب والملاحظة والممارسة.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. جميع حقوق الكتاب محفوظة لأصحابها وناشريه.

 

بطاقة تعريفية عن الكتاب

 

العنوان العربي: ممارسة العلاج بالوعي الكامل خطوة بخطوة

العنوان الأصلي: Pratiquer la thérapie de pleine conscience (MBCT) pas à pas

المؤلفون: كريستين ميرابل-سارون، أوريلي دوكتور، لوريتا سالا، إريك سيوبود دوروكانت، كلود بينيه

المترجمان العربيان: إليز إبراهيم عسّاف، سامح صالح

الناشر الأصلي: Dunod – فرنسا

دار النشر العربية: دار الرافدين

تاريخ صدور النسخة الأصلية: 2018

تاريخ الطبعة العربية: أغسطس 2020

اللغة: العربية، مترجم عن الفرنسية

عدد صفحات النسخة العربية: 235 صفحة

ISBN: 978-9922-6340-9-8

ISBN الطبعة الفرنسية: 9782100810437

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *