حين يصبح الصمت قوة.. لماذا لا يحتاج العالم إلى مزيد من الأصوات؟

تمهيد:

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

 

هل أصبح الكلام شرطاً للنجاح؟

 

في عالم يكافئ الشخص الذي يتحدث أكثر ويظهر أكثر ويشارك في كل مناسبة ويعرف كيف يلفت الأنظار يبدو الهدوء أحياناً وكأنه ضعف يحتاج صاحبه إلى التخلص منه لكن سوزان كين تقلب هذه الفكرة رأساً على عقب في كتابها «الهدوء» لتطرح سؤالاً أكثر عمقاً حول الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى الشخصيات الهادئة والانطوائية فالكتاب لا يدافع عن الانطوائيين باعتبارهم أفضل من غيرهم ولا يحاول تحويل الانطواء إلى فضيلة مطلقة وإنما يكشف أن العالم الحديث بالغ في تقدير الصفات المرتبطة بالانبساط حتى أصبح كثير من الناس يشعرون بأن عليهم تغيير طبيعتهم كي يكونوا مقبولين وناجحين.

 

عندما أصبح الحضور أهم من الشخصية

 

تتتبع كين التحول الثقافي الذي جعل الشخصية الاجتماعية الجذابة والحاضرة بقوة نموذجاً مرغوباً في الحياة العامة والمهنية فمع تطور المجتمعات الحديثة وتوسع عالم الأعمال أصبحت القدرة على الإقناع والتحدث أمام الآخرين وبناء العلاقات بسرعة من الصفات التي تحظى بتقدير متزايد ومع الوقت لم تعد هذه الصفات مجرد أدوات يمكن استخدامها عند الحاجة وإنما تحولت في بعض البيئات إلى معيار للحكم على الأشخاص أنفسهم وهنا تظهر المشكلة التي يناقشها الكتاب لأن الإنسان قد يكون قليل الكلام لكنه عميق التفكير وقد يفضل الاستماع لكنه قادر على إنتاج أفكار مؤثرة وقد لا يبحث عن الأضواء لكنه يستطيع تحقيق نتائج كبيرة بعيداً عنها.

 

الانطواء ليس عيباً يحتاج إلى علاج

 

تؤكد كين أن الانطواء والانبساط ليسا مجرد سلوكيات سطحية وإنما يرتبطان بطريقة مختلفة في التعامل مع العالم والمثيرات الاجتماعية فالإنسان الانطوائي قد يحتاج إلى مساحة أكبر من الهدوء لاستعادة طاقته وقد يفضل التفكير قبل الحديث وقد يجد تركيزه أفضل عندما يعمل منفرداً وهذا لا يعني أنه يفتقر إلى المهارات الاجتماعية أو أنه عاجز عن التواصل وإنما يعني أن طريقته في التفاعل مع البيئة مختلفة عن الشخص الأكثر انبساطاً ومن هنا يصبح الخلط بين الهدوء والضعف واحداً من أكثر الأحكام الظالمة التي يحاول الكتاب تفكيكها.

 

لماذا نطلب من الهادئ أن يصبح شخصاً آخر؟

 

تظهر المشكلة بصورة واضحة داخل المؤسسات التعليمية وبيئات العمل عندما يتم تصميم الأنشطة والمساحات وطرق التقييم على أساس أن التفاعل الجماعي المستمر هو الشكل الأفضل دائماً للتعلم والإبداع والعمل فالمناقشات الجماعية والاجتماعات المتواصلة والمكاتب المفتوحة قد تكون مفيدة لبعض الأشخاص لكنها قد تكون مرهقة لآخرين وهنا لا تقترح كين إلغاء العمل الجماعي وإنما تدعو إلى الاعتراف بأن أفضل النتائج قد تأتي أحياناً من منح الإنسان مساحة للعمل والتفكير بمفرده قبل أن يعود للمشاركة مع الآخرين.

 

قوة التفكير قبل الكلام

 

واحدة من الأفكار المهمة التي يطرحها الكتاب تتعلق بقيمة التفكير الهادئ فالإنسان الذي يمنح نفسه وقتاً للتأمل يستطيع في أحيان كثيرة أن يرى تفاصيل لا تظهر وسط الضوضاء وسرعة الاستجابة ولذلك لا ينبغي أن يكون الشخص الأكثر سرعة في الحديث هو بالضرورة صاحب الفكرة الأفضل وقد يكون الصمت مرحلة ضرورية للوصول إلى إجابة أكثر نضجاً فالهدوء هنا لا يعني الغياب وإنما يعني وجود نشاط داخلي لا يراه الآخرون بسهولة.

 

بين التعاون والعزلة مساحة للتوازن

 

لا تقدم سوزان كين الانطواء باعتباره دعوة للابتعاد عن الناس فالتعاون والعلاقات الإنسانية عنصران أساسيان في حياة الجميع لكنها تشير إلى أهمية التوازن بين العمل الجماعي والمساحة الفردية فالإبداع قد يبدأ أحياناً عندما يجلس الإنسان وحده مع أفكاره ثم يأخذ هذه الأفكار إلى الآخرين للنقاش والتطوير وبذلك لا يصبح الاختيار بين العزلة والتعاون اختياراً حاداً وإنما يصبح السؤال متعلقاً بالمرحلة التي يحتاج فيها الإنسان إلى كل منهما.

 

لماذا يحتاج المجتمع إلى الشخصيات المختلفة؟

 

قيمة الكتاب تتجاوز الحديث عن الشخصية الانطوائية لأنها تطرح فكرة أوسع تتعلق بالتنوع البشري فالمجتمع الذي يقدّر نوعاً واحداً من الشخصيات يخسر جزءاً من قدراته دون أن يشعر فإذا أصبح الصوت المرتفع معياراً للثقة فقد يتم تجاهل الشخص الذي يفكر بعمق وإذا أصبح الحضور الاجتماعي شرطاً للقيادة فقد تمر قدرات أخرى دون اكتشاف وإذا أصبح التحدث السريع دليلاً على الذكاء فقد يتم تجاهل قيمة التأمل والتحليل وهكذا يصبح قبول الاختلاف في الشخصيات وسيلة لاكتشاف إمكانات المجتمع وليس مجرد مسألة تتعلق بالراحة الشخصية.

 

القيادة لا تحتاج دائماً إلى أعلى صوت

 

تقدم كين نماذج مختلفة لأشخاص استطاعوا التأثير والقيادة رغم ميلهم إلى الهدوء وتوضح أن القيادة ليست مرتبطة دائماً بالكاريزما الصاخبة أو القدرة على السيطرة على المكان فالقائد يستطيع أن يكون مستمعاً جيداً وأن يمنح الآخرين مساحة للتعبير وأن يتعامل مع الأفكار بعمق قبل اتخاذ القرار وهذه الصفات قد تكون ذات قيمة كبيرة في بيئات تحتاج إلى التفكير والتخطيط أكثر من حاجتها إلى الاستعراض.

 

لا تجعل العالم يقنعك بأنك ناقص

 

الرسالة الأهم في الكتاب تتعلق بالتصالح مع الذات فالإنسان لا يحتاج إلى تقليد شخصية أخرى حتى يثبت قيمته وإذا كان أكثر راحة في الأماكن الهادئة أو يحتاج إلى وقت منفرد للتفكير أو يفضل الاستماع قبل الحديث فهذه ليست بالضرورة نقاط ضعف تحتاج إلى الإخفاء وإنما خصائص يمكن فهمها وتوظيفها بطريقة صحيحة وفي الوقت نفسه لا تطلب كين من الانطوائي أن يبقى داخل منطقة راحته دائماً فالإنسان قد يحتاج إلى تطوير مهارات لا تأتي إليه بسهولة لكن تطوير المهارة شيء مختلف تماماً عن رفض الشخصية ومحاولة استبدالها.

 

العالم يحتاج إلى الهدوء بقدر حاجته إلى الكلام

 

يترك كتاب «الهدوء» أثراً يتجاوز الدفاع عن الانطوائيين لأنه يعيد تعريف معنى القوة نفسها فالقوة ليست دائماً في الحضور الصاخب ولا في كثرة الحديث ولا في القدرة على جذب الأنظار وقد تكون أحياناً في الإنصات وفي التفكير وفي الصبر وفي القدرة على العمل بعيداً عن التصفيق وربما تكون الرسالة الأكثر أهمية أن المجتمع لا يصبح أقوى عندما يجعل الجميع متشابهين وإنما عندما يمنح الشخصيات المختلفة فرصة حقيقية لإظهار ما تستطيع فعله فالهدوء ليس غياباً عن العالم وإنما قد يكون طريقة أخرى لفهمه والتأثير فيه.

 

حقوق النشر

 

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

 

بطاقة تعريفية

العنوان: الهدوء: قوة الانطوائيين في عالم لا يستطيع التوقف عن الكلام

العنوان الأصلي: Quiet: The Power of Introverts in a World That Can’t Stop Talking

المؤلف: Susan Cain

دار النشر: نهضة مصر

بلد النشر: مصر

الطبعة: النسخة العربية المشار إليها منشورة في يناير 2015

سنة النشر: 2015

عدد الصفحات: 315

ISBN: 6221133349635

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *