تمهيد:
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
أصبحت اليقظة الذهنية من الممارسات التي تحظى باهتمام متزايد، خاصة مع تزايد الضغوط اليومية وتسارع وتيرة الحياة. ويقدم كتاب “اليقظة الذهنية” للمؤلفة تيسا وات، مدخلًا مبسطًا لفهم هذا المفهوم وتطبيقه، إذ يجمع بين الجانب النظري والتدريبات العملية، ويعرض المعلومات بطريقة مباشرة تساعد القارئ على الانتقال من مجرد معرفة الفكرة إلى ممارستها في حياته اليومية.
ما المقصود باليقظة الذهنية؟
تقوم اليقظة الذهنية بصورة أساسية على تدريب الإنسان على الانتباه للحظة الحالية، بدلًا من الانشغال المستمر بما حدث في الماضي أو القلق بشأن ما سيحدث مستقبلًا، وهي لا تعني إيقاف التفكير تمامًا، وإنما ملاحظة الأفكار والمشاعر والأحاسيس كما هي، والتعامل معها بقدر أكبر من الوعي والهدوء.
ومن أهم ما يميز الكتاب أنه لا يحصر هذه الممارسة في المتخصصين أو العاملين في المجال النفسي، بل يقدمها باعتبارها مهارة يمكن لأي شخص تعلمها والاستفادة منها، سواء لتحسين تركيزه أو التعامل بصورة أفضل مع الضغوط اليومية.
اليقظة الذهنية والصحة النفسية
يتناول الكتاب ارتباط اليقظة الذهنية ببعض الأساليب العلاجية، ومنها العلاج المعرفي السلوكي القائم على اليقظة الذهنية، وقد تناولت أبحاث وممارسات علاجية هذا النوع من التدخلات في سياقات مختلفة، خاصة فيما يتعلق بالتعامل مع بعض المشكلات النفسية والضغوط.
أما بالنسبة إلى غير المتخصصين، فيمكن استخدام بعض ممارسات اليقظة ضمن الحياة اليومية للمساعدة على التعامل مع التوتر والإرهاق بصورة أكثر وعيًا، بدلًا من الاستجابة التلقائية لكل ضغط أو موقف مزعج.
التأمل وتدريب الانتباه
من أبرز الممارسات التي يركز عليها الكتاب التأمل، باعتباره وسيلة لتدريب الانتباه والعودة بالذهن إلى اللحظة الحالية، ولا يعتمد الأمر على جلسات طويلة بالضرورة، وإنما على الانتظام والممارسة التدريجية.
كما يمكن تدريب العقل من خلال أنشطة مختلفة تتطلب التركيز والتفكير، مثل حل الألغاز، وتعلم لغة جديدة، والتعامل مع المسائل التي تحتاج إلى تحليل، والهدف من هذه الأنشطة هو الحفاظ على حالة من النشاط الذهني وعدم ترك العقل يعمل بصورة آلية طوال الوقت.
الاهتمام بالجسد جزء من اليقظة
لا تنفصل اليقظة الذهنية عن الاهتمام بالجسم، ولذلك يشير الكتاب إلى أهمية ممارسة النشاط البدني والحفاظ على نمط حياة متوازن، فالرياضة ترتبط بتحسين الدورة الدموية والنشاط العام، بينما يساعد النوم المنتظم والطعام المتوازن على دعم القدرة على التركيز والتعامل مع المهام اليومية.
كما يتناول الكتاب أهمية التنفس العميق، الذي يمكن استخدامه كوسيلة بسيطة لاستعادة الهدوء والانتباه، خاصة في لحظات التوتر، فالتركيز على عملية التنفس لفترة قصيرة يساعد على نقل الانتباه بعيدًا عن الأفكار المتلاحقة وإعادته إلى اللحظة الحالية.
العلاقات والبيئة المحيطة
لا يقتصر بناء اليقظة على الممارسات الفردية فقط، فالبيئة المحيطة يمكن أن تؤثر كذلك في الحالة الذهنية، لذلك يشجع الكتاب على اختيار الصحبة الإيجابية التي تساعد على التطور وتحفز الشخص على الالتزام بأهدافه.
كما أن التعامل الواعي مع الآخرين يتطلب الاستماع والانتباه بدلًا من التفكير في الرد قبل انتهاء الحديث، وكلما أصبح الإنسان أكثر حضورًا في تواصله مع المحيطين به، أصبحت علاقاته أكثر وعيًا وأقل اعتمادًا على ردود الفعل التلقائية.
كيف نمارس اليقظة في حياتنا اليومية؟
يمكن إدخال اليقظة الذهنية في تفاصيل الحياة العادية، وليس فقط أثناء جلسات التأمل، فعند تناول الطعام يمكن التركيز على الطعم والرائحة والإحساس بدلًا من الانشغال بالهاتف، وأثناء المشي يمكن ملاحظة المحيط والحركة والتنفس، وخلال الحديث يمكن إعطاء الشخص الآخر كامل الانتباه.
والفكرة الأساسية هي تدريب العقل على الحضور في اللحظة الحالية بدلًا من الانتقال المستمر بين الماضي والمستقبل.
في النهاية، يقدم كتاب “اليقظة الذهنية” مجموعة من المفاهيم والتطبيقات التي يمكن البدء بها تدريجيًا. ولا تأتي النتائج من ممارسة واحدة، وإنما من الاستمرار والصبر وتحويل الانتباه.
الواعي إلى عادة يومية. فالهدف ليس التخلص من الأفكار أو الضغوط بشكل كامل، وإنما تطوير طريقة أكثر هدوءًا ووعيًا في التعامل معها.
خلاصة الكتاب في نقاط
- الحضور في اللحظة: تدريب العقل على التركيز في الحاضر بدلًا من الاستغراق في الماضي أو المستقبل.
- ملاحظة الأفكار: التعامل مع الأفكار والمشاعر بوعي دون محاولة إيقاف التفكير تمامًا.
- تقليل التوتر: تساعد الممارسة على الاستجابة للضغوط بهدوء بدلًا من ردود الفعل التلقائية.
- التأمل: وسيلة أساسية لتدريب الانتباه وإعادة الذهن للحظة الحالية.
- تنشيط العقل: يمكن دعم التركيز بأنشطة مثل تعلم اللغات وحل الألغاز والمسائل التحليلية.
- الاهتمام بالجسد: النوم الجيد والغذاء المتوازن والنشاط البدني تدعم اليقظة والتركيز.
- التنفس الواعي: التركيز على التنفس يساعد على استعادة الهدوء والانتباه عند التوتر.
- العلاقات الواعية: الاستماع للآخرين بتركيز يجعل التواصل أكثر حضورًا ووعيًا.
- الممارسة اليومية: يمكن تطبيق اليقظة أثناء الأكل والمشي والحديث والأنشطة المعتادة.
- الاستمرارية: تتحول اليقظة إلى مهارة أكثر فاعلية مع التدريب المنتظم والصبر.
يناسب الكتاب كل من يرغب في فهم اليقظة الذهنية وتطبيقها بطريقة بسيطة وعملية، خاصة الأشخاص الذين يعانون من التشتت أو الضغوط اليومية ويريدون تطوير قدرتهم على التركيز والهدوء والتعامل الواعي مع أفكارهم ومشاعرهم.
نقاط القوة
يجمع بين الشرح النظري والتطبيق العملي.
يقدم الممارسات بطريقة بسيطة يمكن إدخالها في الحياة اليومية.
يربط بين العقل والجسم والعلاقات في بناء الوعي.
يشجع على الاستمرارية بدلًا من البحث عن نتائج سريعة.
الكلمة الأخيرة
عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.
وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه.
وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب:
العنوان: اليقظة الذهنية
المؤلف: تيسا وات
دار النشر: دار الفكر الأردني
بلد النشر: الأردن
الطبعة: الأولى
سنة النشر: 2021
عدد الصفحات: 224 صفحة
ISBN : 9789957922375







