مدارس بلا معلمين.. من يمتلك طوق النجاة؟

بقلم – آية عثمان

تواجه منظومة التعليم واحدة من أكثر أزماتها تأثيرًا في جودة العملية التعليمية وهي أزمة العجز في أعداد المعلمين؛ فلا يمكن التعامل معها باعتبارها نقصًا مؤقتًا يمكن تغطيته بالحلول العاجلة لأن استمرارها يعني مزيدًا من الضغط على المعلم وزيادة كثافات الفصول وتراجع قدرة الطالب على الفهم والاستيعاب.

الحل الجذري لا يبدأ من سد العجز في مدرسة أو إدارة تعليمية وإنما من إعادة النظر في منظومة إعداد المعلم وتعيينه وتوزيعه والحفاظ عليه داخل المهنة، فالمعلم هو العمود الفقري للعملية التعليمية وأي إصلاح حقيقي للتعليم لن ينجح إذا لم يكن هناك عدد كاف من المعلمين المؤهلين القادرين على القيام بدورهم.

ومن أبرز أسباب الأزمة عدم وجود تخطيط مستمر للاحتياجات الفعلية من المعلمين وفقًا لأعداد الطلاب ومعدلات الزيادة السكانية إلى جانب التفاوت بين المحافظات والمناطق في أعداد المعلمين؛ فقد تمتلك منطقة ما فائضًا في تخصص معين بينما تعاني منطقة أخرى عجزًا حادًا في التخصص نفسه.

وهنا يصبح من الضروري إنشاء قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة بصورة مستمرة تحدد أعداد الطلاب وأعداد المعلمين والتخصصات المطلوبة وأماكن العجز ومعدلات خروج المعلمين من الخدمة، بحيث تتحول عملية التعيين من رد فعل أمام الأزمة إلى تخطيط استباقي يمنع الأزمة قبل حدوثها.

كما أن الحل لا ينبغي أن يعتمد فقط على التعيينات الجديدة وإنما يجب أن يتضمن إعادة توزيع أكثر عدالة للكوادر الموجودة بالفعل مع توفير حوافز حقيقية للمعلمين للعمل في المناطق التي تعاني عجزًا خاصة المناطق النائية والمناطق ذات الكثافات المرتفعة.

وفي الوقت نفسه، يجب أن تتحول كليات التربية إلى شريك أساسي في مواجهة الأزمة من خلال ربط أعداد المقبولين في تخصصاتها باحتياجات سوق التعليم الفعلية؛ فمن غير المنطقي أن يتم تخريج أعداد كبيرة في تخصصات لا تعاني عجزًا بينما تظل بعض المواد الدراسية تعاني نقصًا مستمرًا في أعداد المعلمين.

ومن الحلول المهمة أيضًا التوسع في برامج تأهيل الخريجين القادرين على الالتحاق بالمهنة وفق معايير واضحة تضمن امتلاكهم المعرفة التخصصية والمهارات التربوية مع وجود تدريب عملي حقيقي قبل دخول الفصل الدراسي وليس مجرد إجراءات شكلية.

ولكن سد الفجوة لن يكتمل من دون الحفاظ على المعلم الموجود بالفعل داخل المنظومة، فاستنزاف المعلم بالحصص والأعمال الإدارية وارتفاع أعداد الطلاب داخل الفصل يجعل بعض الكوادر تبحث عن بدائل وهو ما يعني أن علاج العجز يجب أن يبدأ أيضًا من تحسين بيئة العمل وتقليل الأعباء غير التعليمية ومنح المعلم مساحة أكبر للقيام بدوره الأساسي، كما أن التكنولوجيا يمكن أن تكون جزءًا من الحل لكنها لا يمكن أن تكون بديلًا كاملًا عن المعلم فالمنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعدا في شرح المحتوى وتقديم تدريبات ومتابعة مستوى الطلاب لكنهما لا يستطيعان وحدهما القيام بالدور الإنساني والتربوي الذي يؤديه المعلم داخل الفصل.

إن الحل الجذري لأزمة كوادر المعلمين يحتاج إلى مشروع وطني طويل المدى يقوم على ثلاثة مسارات متوازية وهي إعداد معلمين جدد وفق الاحتياجات الحقيقية، وإعادة توزيع الكوادر الحالية بصورة أكثر عدالة، والحفاظ على المعلمين الموجودين داخل المهنة من خلال تحسين ظروف العمل والتقدير المهني والمادي؛ فالأزمة ليست أزمة أرقام فقط وإنما أزمة تخطيط واستدامة وكل عام يمر دون معالجة جذور المشكلة يعني أن الفجوة قد تتسع والعبء سيزداد على المعلم والطالب والمدرسة.

وفي النهاية، لا يمكن أن نطالب بمنظومة تعليم قوية بفصول مزدحمة ومعلم يعمل فوق طاقته ، ولا يمكن أن نطالب الطالب بالفهم والإبداع بينما لا يجد أمامه العدد الكافي من المعلمين القادرين على دعمه ومتابعته؛ فالاستثمار في المعلم ليس بندًا إضافيًا في الموازنة بل استثمار مباشر في مستقبل الدولة ، وإذا كان التعليم هو الطريق إلى بناء الإنسان فإن المعلم هو من يمهد هذا الطريق وسد الفجوة في أعداد الكوادر التعليمية يجب أن يكون بداية الإصلاح الحقيقي لا مجرد حل مؤقت لأزمة تتكرر كل عام.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *