بقلم – آية عثمان
الغش في الامتحانات من أبرز التحديات التي تواجه منظومة التعليم في مصر لأنها لا تتعلق فقط بمحاولة بعض الطلاب الحصول على درجات أعلى بطرق غير مشروعة وإنما تمتد آثارها إلى مفهوم العدالة وتكافؤ الفرص وثقة المجتمع في نتائج العملية التعليمية؛ ومع تطور وسائل التكنولوجيا لم يعد الغش يقتصر على نقل الإجابات من زميل أو إخفاء أوراق داخل اللجنة بل ظهرت وسائل جديدة تعتمد على الهواتف والأجهزة الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، ما جعل مواجهة الظاهرة أكثر تعقيدًا.
وتكمن خطورة الغش في أنه يضع الطالب المجتهد أمام منافسة غير عادلة إذ قد يحصل طالب لم يبذل جهدًا كافيًا على نتيجة تفوق طالبًا آخر قضى شهورًا في الدراسة والاستعداد، ولا يتوقف الأمر عند حدود الامتحان فالحصول على درجات لا تعكس المستوى الحقيقي للطالب قد يؤدي لاحقًا إلى التحاقه بتخصص لا يتناسب مع قدراته وهو ما قد ينعكس على مستواه الدراسي والمهني في المستقبل.
كما أن انتشار الغش يطرح سؤالًا مهمًا حول الهدف الحقيقي من الامتحانات، فالامتحان في الأساس وسيلة لقياس مدى فهم الطالب وقدرته على التفكير وتطبيق ما تعلمه وليس مجرد سباق للحصول على أعلى مجموع ولذلك فإن مواجهة الغش تحتاج إلى التعامل مع جذور المشكلة وليس الاكتفاء بالعقوبات والإجراءات الأمنية داخل اللجان.
وتتحمل الأسرة والمدرسة مسؤولية مهمة في مواجهة هذه الظاهرة؛ فمن الضروري أن يتعلم الطالب منذ المراحل الأولى أن النجاح الحقيقي لا يقاس بدرجة حصل عليها بوسيلة غير مشروعة وإنما بما يمتلكه من معرفة ومهارات وقدرة على الاعتماد على نفسه، كما يجب على الأسرة تجنب الضغط المبالغ فيه على الأبناء لتحقيق درجات مرتفعة لأن الخوف من الفشل أو العقاب قد يدفع بعض الطلاب إلى البحث عن طرق غير قانونية للنجاح.
وفي المقابل، تحتاج المدارس إلى تعزيز الوعي بأهمية النزاهة الأكاديمية إلى جانب تطوير أساليب التقييم بحيث لا تعتمد بصورة كاملة على امتحان واحد أو الحفظ والاسترجاع؛ ويمكن أن تسهم الأسئلة التي تقيس الفهم والتحليل والتطبيق في الحد من فاعلية بعض أساليب الغش التقليدية.
وتظل التكنولوجيا سلاحًا ذا حدين؛ فهي قد تُستخدم في تسهيل الغش لكنها في الوقت نفسه يمكن أن تساعد المؤسسات التعليمية في اكتشاف المخالفات وتنظيم الامتحانات بصورة أكثر دقة، ومن هنا تبرز أهمية تحقيق التوازن بين استخدام التكنولوجيا وتطبيق ضوابط واضحة تحافظ على حقوق جميع الطلاب.
إن مواجهة الغش في التعليم المصري ليست مسؤولية وزارة التربية والتعليم وحدها بل هي مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والطالب والمجتمع؛ فبناء منظومة تعليمية عادلة لا يبدأ من لجان الامتحانات فقط وإنما من ترسيخ قيمة الأمانة والاجتهاد منذ السنوات الأولى، وعندما يدرك الطالب أن ما يتعلمه أهم من الدرجة التي يحصل عليها، يصبح التعليم وسيلة حقيقية لبناء الإنسان وليس مجرد طريق للحصول على شهادة أو مجموع مرتفع.







