الوحش الذي يسكنك يمكن أن يكون لطيفًا.. هل تبدأ رحلة الشفاء من التصالح مع الذات؟

تمهيد

في السنوات الأخيرة شهدت كتب الصحة النفسية انتشارًا واسعًا وأصبحت المكتبات ومنصات التواصل الاجتماعي تعج بعناوين تعد القراء بالخلاص من القلق والوسواس والخوف في خطوات بسيطة وبين هذا الزخم يبرز كتاب “الوحش الذي يسكنك يمكن أن يكون لطيفًا” بوصفه محاولة مختلفة لا تقوم على إعلان الحرب ضد الاضطرابات النفسية بل على إعادة تعريف العلاقة معها فالكتاب لا يسأل: كيف نتخلص من الوحش؟ بل يطرح سؤالًا أكثر عمقًا وإنسانية: ماذا لو كان هذا الوحش جزءًا منا يحاول حمايتنا بطريقة خاطئة؟

ما يتناوله الكاتب:

هذه الفكرة تمثل نقطة الانطلاق الأساسية في الكتاب وهي أيضًا أكثر أفكاره إثارة للتأمل فالكاتب يقلب الصورة التقليدية التي طالما صورت القلق والوسواس بوصفهما أعداء يجب القضاء عليهم ليقدمهما باعتبارهما إشارات من عقل يحاول حماية صاحبه وإن كانت هذه الحماية قد تحولت مع الوقت إلى عبء يرهق الحياة اليومية، ومن هنا تأتي القيمة الفلسفية للكتاب فهو لا يدعو إلى كراهية الذات أو رفضها بل إلى فهمها والتعامل معها بقدر أكبر من الرحمة.

ويحسب للكتاب أنه ينجح في تبسيط مفاهيم نفسية معقدة عبر استعارة “الوحش” فالاستعارة ليست مجرد وسيلة أدبية بل أداة علاجية أيضًا لأنها تساعد القارئ على الفصل بين ذاته وبين اضطرابه عندما يصف الكاتب الوسواس أو القلق بأنه “وحش خائف” أو “حارس أعمى” فإنه يخفف من حدة الشعور بالذنب الذي يلازم كثيرًا من المصابين ويمنحهم فرصة للنظر إلى معاناتهم من زاوية أقل قسوة وأكثر تفهمًا.

 

لكن رغم جمال هذه الصورة المجازية فإنها تحتاج إلى قدر من الحذر فبعض القراء قد يظنون أن التعامل اللطيف مع “الوحش” يعني الاستسلام له أو التعايش السلبي معه بينما العلاج النفسي لا يقوم على الاستسلام بل على إدارة الأعراض وتغيير أنماط التفكير والسلوك تدريجيًا لذلك فإن القيمة الحقيقية للكتاب تكمن في فهم اللطف باعتباره وسيلة للعلاج وليس بديلًا عنه.

 

من أبرز الأفكار التي يطرحها الكتاب أن الإنسان يخسر معركته مع القلق عندما يقرر محاربته ، وهذه الفكرة تتفق إلى حد كبير مع ما توصلت إليه مدارس العلاج النفسي الحديثة خصوصًا العلاج القائم على القبول والالتزام الذي يرى أن مقاومة الأفكار المزعجة بصورة قهرية تزيد من حضورها بدلًا من إضعافها فالإنسان كلما حاول إجبار عقله على التوقف عن التفكير في أمر معين ازداد هذا الأمر حضورًا في وعيه وكأن العقل يتمسك به أكثر كلما شعر بأن صاحبه يخشاه.

 

غير أن هذه الفكرة قد تُساء قراءتها إذا جرى تعميمها خارج سياقها العلاجي، فالقبول لا يعني الرضا بالمعاناة أو الامتناع عن طلب العلاج وإنما يعني التوقف عن استنزاف النفس في صراع عقيم مع أفكار لا يمكن التحكم في ظهورها ، وهنا كان من الممكن أن يوضح الكتاب بصورة أكبر أن القبول لا يتعارض مع الاستفادة من العلاج النفسي أو الدوائي عندما تستدعي الحالة ذلك.

 

ويتميز الكتاب أيضًا بقدرته على استخدام الصور البلاغية لتقريب الأفكار النفسية فتشبيه الإنسان بالسماء وتشبيه الأفكار بالغيوم العابرة من أكثر الصور انتشارًا في أدبيات اليقظة الذهنية، لكنها ما تزال تحتفظ بقدرتها على التأثير ، فالكاتب يريد أن يرسخ لدى القارئ حقيقة نفسية مهمة وهي أن الإنسان ليس أفكاره وأن الأفكار مهما بلغت شدتها لا تعبر بالضرورة عن شخصيته أو قيمه أو نواياه.

 

وتكمن أهمية هذه الفكرة تحديدًا لدى المصابين بالوسواس القهري لأن كثيرًا منهم يعانون من أفكار صادمة أو مزعجة تولد لديهم شعورًا هائلًا بالخوف والذنب فيظنون أن مجرد التفكير في شيء يعني الرغبة في فعله بينما يوضح الكتاب أن العقل ينتج آلاف الأفكار يوميًا وأن وجود فكرة لا يمنحها صفة الحقيقة ولا يحولها إلى نية أو فعل.

 

ورغم نجاح الكاتب في تبسيط هذه المفاهيم فإن الطابع الأدبي يغلب أحيانًا على الطابع العلمي فاللغة الوجدانية تمنح النص دفئًا وإنسانية لكنها قد تجعل بعض المفاهيم تبدو أقرب إلى التأملات الفلسفية منها إلى التفسيرات النفسية الدقيقة وهذا ليس عيبًا في حد ذاته، لكنه يجعل الكتاب أقرب إلى كتب الدعم النفسي منه إلى المراجع العلمية المتخصصة.

 

أما الفصل الذي يتناول “التعرض الذكي والامتناع عن الاستجابة” فيعد من أكثر أجزاء الكتاب أهمية من الناحية العملية، فالكاتب يشرح بأسلوب بسيط أحد أكثر الأساليب العلاجية نجاحًا مع الوسواس القهري وهو أن يواجه الإنسان مخاوفه دون تنفيذ الطقوس التي اعتاد القيام بها لتخفيف قلقه ومع مرور الوقت يتعلم العقل أن الخطر الذي كان يتوقعه لم يحدث فتضعف دائرة الوسواس تدريجيًا.

 

إلا أن هذه النقطة تحديدًا تستحق قدرًا أكبر من التنبيه لأن تطبيق هذا الأسلوب يحتاج في الحالات الشديدة إلى إشراف متخصص إذ إن المواجهة غير المدروسة قد تؤدي إلى زيادة المعاناة بدلًا من تخفيفها ولذلك فإن أفضل قراءة لهذا الجزء هي اعتباره تعريفًا بالمبدأ العلاجي لا دليلًا كافيًا لتطبيقه بصورة فردية في جميع الحالات.

 

ومن أكثر الرسائل إنسانية في الكتاب دعوته إلى التخلي عن وهم الكمال، فالمجتمع الحديث يدفع الإنسان باستمرار إلى الاعتقاد بأنه يجب أن يكون سعيدًا طوال الوقت واثقًا من نفسه دائمًا، قادرًا على السيطرة على كل شيء بينما الواقع الإنساني مختلف تمامًا، فالشك جزء من الحياة والخوف شعور طبيعي وعدم اليقين ليس مرضًا بل سمة أساسية للوجود الإنساني.

 

هذه الرسالة تمنح الكتاب بعدًا فلسفيًا يتجاوز الحديث عن الوسواس والقلق إذ يضع الإنسان أمام حقيقة بسيطة لكنها عميقة وهي “ليس المطلوب أن نعيش بلا خوف وإنما أن نتعلم كيف نواصل حياتنا رغم وجوده”، وهذه الفكرة ربما تكون أكثر نضجًا من كثير من الرسائل التي تروج لها كتب التنمية البشرية والتي توحي بإمكانية الوصول إلى حياة خالية تمامًا من القلق أو الألم.

 

كما يلفت الانتباه حديث الكاتب عن الرفق بالذات وهي قيمة أصبحت تحظى باهتمام متزايد في علم النفس الحديث فالإنسان غالبًا ما يعامل نفسه بقسوة لا يقبل أن يعامل بها أقرب الناس إليه فيوبخ نفسه باستمرار ويحاسبها على أفكار أو مشاعر لم يخترها بإرادته ، ومن هنا تأتي أهمية دعوة الكتاب إلى استبدال جلد الذات بالتفهم لأن التعافي يبدأ غالبًا عندما يتوقف الإنسان عن اعتبار نفسه خصمه الأول.

 

ومع ذلك فإن الكتاب يقع أحيانًا في الميل إلى التفاؤل العاطفي الذي قد لا يناسب جميع القراء فهناك حالات من الوسواس أو اضطرابات القلق تكون معقدة ومزمنة إلى درجة تجعل التعافي رحلة طويلة تتطلب العلاج النفسي والدوائي والدعم الاجتماعي وليس مجرد تغيير طريقة التفكير، لذلك فإن من الضروري ألا يُفهم الكتاب على أنه يقدم وصفة سحرية بل باعتباره أداة مساندة يمكن أن تمنح القارئ فهمًا أفضل لنفسه لكنها لا تغني عن المساعدة المتخصصة عند الحاجة.

 

في المجمل، يقدم “الوحش الذي يسكنك يمكن أن يكون لطيفًا” رؤية مختلفة للعلاقة مع الألم النفسي فهو لا يعد القارئ بالقضاء على القلق ولا يبيع حلم السعادة المطلقة بل يدعوه إلى بناء علاقة أكثر هدوءًا مع ذاته تقوم على الفهم بدلًا من الصراع وعلى الرحمة بدلًا من الإدانة، وهذه الرسالة رغم بساطتها تحمل قدرًا كبيرًا من الحكمة في عالم أصبح يطالب الإنسان بالكمال أكثر مما يطالبه بالإنسانية.

 

وفي النهاية، فإن القيمة الحقيقية لهذا الكتاب لا تكمن في أنه يعلمنا كيف نروض “الوحش” فحسب بل في أنه يذكرنا بأن أكثر المعارك التي نخوضها قسوة ليست تلك التي تدور مع العالم الخارجي بل تلك التي نخوضها داخل عقولنا كل يوم ، وعندما نتعلم أن ننظر إلى هذا الصوت الداخلي بعين الفهم لا الخوف وبروح الرحمة لا العداء ندرك أن الشفاء ليس اختفاء الوحش بل تحوله من قوة تسيطر علينا إلى صوت نعرف كيف نصغي إليه دون أن نسمح له بقيادة حياتنا، إنها دعوة إلى التصالح مع إنسانيتنا بكل ما فيها من ضعف وتردد ونقص لأن قبول هذه الجوانب هو الخطوة الأولى نحو حياة أكثر اتزانًا وصدقًا مع الذات.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية:

كتاب “ الوحش الذي يسكنك يمكن أن يكون لطيفًا”

الكاتبة: إيناس سمير

رقم الإيداع: 9789779921952

264 صفحة

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *