أحببت وغدًا.. تفكيك أسطورة العلاقات السامة بين الوعي والتشخيص

تمهيد:

يأتي كتاب “أحببت وغدًا” للدكتور عماد رشاد عثمان في توقيت أصبحت فيه مفاهيم مثل “النرجسية” و”العلاقات السامة” و”التلاعب النفسي” من أكثر المصطلحات تداولًا على منصات التواصل الاجتماعي إلا أن هذا الانتشار الواسع خلق في المقابل حالة من التبسيط المخل حتى بات كل شخص أناني أو صعب المراس يُوصم بالنرجسية وكل علاقة فاشلة تُصنف تلقائيًا ضمن العلاقات السامة وهنا تبرز أهمية هذا الكتاب فهو يحاول إعادة هذه المفاهيم إلى سياقها النفسي والإنساني بعيدًا عن الاستخدام الشعبوي للمصطلحات مع تقديم رؤية تساعد القارئ على فهم نفسه قبل أن ينشغل بتشخيص الآخرين.

ما يتناوله الكاتب:

من أبرز نقاط قوة الكتاب أنه لا يبدأ بالحديث عن “الوغد” أو الشخص النرجسي بل يبدأ من الضحية نفسها وهذه نقطة شديدة الذكاء لأن معظم الكتب التي تتناول العلاقات المؤذية تنجذب إلى رسم صورة الشرير بينما يغفل كثير منها السؤال الأهم لماذا وقع الضحية في هذا الفخ من البداية؟ وهنا يلفت المؤلف الانتباه إلى أن الإنسان لا يدخل غالبًا علاقة مدمرة من فراغ بل يحمل داخله احتياجات عاطفية قديمة وجروحًا لم تلتئم ورغبة دفينة في أن يأتي شخص يداوي كل ما انكسر داخله.

هذه الفكرة تمثل تحولًا مهمًا في طريقة فهم العلاقات فهي تنقل المسؤولية من البحث الدائم عن “الشخص السيئ” إلى مراجعة الاستعداد النفسي الذي يجعل البعض أكثر عرضة للاستغلال ومع ذلك يجب التعامل مع هذه الفكرة بحذر حتى لا تتحول إلى لوم للضحايا فوجود هشاشة نفسية أو احتياجات عاطفية غير مشبعة لا يمنح أي شخص الحق في استغلال الآخر أو إيذائه لذلك فإن القراءة المتوازنة للكتاب تقتضي الفصل بين تفسير أسباب الوقوع في العلاقة السامة وبين تحميل الضحية مسؤولية العنف النفسي الذي تعرضت له.

 

ويحسب للمؤلف أيضًا أنه يوظف أسطورة “نرجس” بوصفها مدخلًا رمزيًا لفهم الشخصية النرجسية فالأسطورة هنا ليست مجرد حكاية تراثية بل أداة تفسيرية تكشف كيف يمكن للإنسان أن يتحول إلى أسير صورته المثالية عن نفسه غير أن القيمة الحقيقية للطرح لا تكمن في العودة إلى الأسطورة وإنما في تفسير انعكاسها على العلاقات الإنسانية فالنرجسي لا يرى شريكه باعتباره إنسانًا كاملًا له احتياجاته ومشاعره بل يراه امتدادًا لذاته ووسيلة لتعزيز صورته أمام نفسه والآخرين وعندما تتوقف هذه “المرآة” عن أداء دورها تبدأ رحلة التقليل من قيمتها وتحطيمها.

 

لكن في الوقت نفسه ربما كان من الأفضل لو خصص الكتاب مساحة أوضح للتفريق بين النرجسية بوصفها سمة شخصية والنرجسية المرضية بوصفها اضطرابًا نفسيًا معقدًا فليس كل شخص محب لذاته أو متفاخر بإنجازاته يعاني اضطراب الشخصية النرجسية كما أن التشخيص النفسي لا يقوم على مجموعة من الصفات العامة فقط وإنما يحتاج إلى تقييم متخصص يعتمد على معايير علمية دقيقة، هذه النقطة مهمة للغاية لأن الثقافة الرقمية الحالية تدفع كثيرًا من الناس إلى إطلاق الأحكام النفسية بسهولة وهو ما قد يؤدي إلى ظلم الآخرين أو إساءة فهم طبيعة العلاقات.

 

أما حديث الكتاب عن “الأعلام الحمراء” أو العلامات التحذيرية فيمثل جانبًا عمليًا مهمًا للقارئ فهو يوضح كيف تظهر الأنانية المفرطة وغياب التعاطف والحساسية الشديدة تجاه النقد والشعور الدائم بالاستحقاق بوصفها مؤشرات تستحق الانتباه منذ بدايات العلاقة وتمثل هذه الإشارات قيمة حقيقية لأنها تشجع الإنسان على الإصغاء إلى حدسه وعدم تجاهل المؤشرات المبكرة بدافع الانبهار أو التعلق.

 

غير أن الإشكالية تكمن في أن بعض هذه السمات قد تظهر بدرجات متفاوتة لدى أشخاص عاديين في ظروف ضاغطة دون أن يعني ذلك أنهم نرجسيون أو مؤذون بطبيعتهم ولذلك فإن التعامل مع هذه العلامات ينبغي أن يكون باعتبارها مؤشرات تستدعي الملاحظة لا أحكامًا نهائية فالعلاقات الإنسانية أكثر تعقيدًا من أن تختزل في قائمة من الصفات أو الاختبارات السريعة.

 

ويتناول الكتاب أيضًا جذور النرجسية، ويربطها بأساليب التربية الخاطئة سواء عبر التدليل المفرط أو فرض المثالية المشروطة وهذه الرؤية تجد دعمًا في كثير من الأدبيات النفسية التي تشير إلى أن الطفل الذي ينشأ بين المبالغة في التمجيد أو الحرمان من الحب غير المشروط قد يطور آليات دفاعية تعوض شعوره الداخلي بالنقص أو الخوف إلا أن هذه الفكرة بدورها لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها تفسيرًا وحيدًا فالشخصية الإنسانية نتاج تفاعل معقد بين العوامل الوراثية والبيئية والاجتماعية والثقافية ولا يمكن اختزالها في أسلوب التربية وحده.

 

ومن أكثر الفصول تأثيرًا ذلك الذي يناقش ديناميكيات العلاقة السامة خاصة فكرة “الثواب والعقاب” فالكاتب يوضح كيف يتحول الحب إلى أداة للسيطرة إذ يمنح الطرف المؤذي جرعات من الاهتمام والحنان ثم يسحبها فجأة فيدخل الطرف الآخر في دائرة مستمرة من البحث عن الرضا واستعادة القبول، هذه الآلية تشبه إلى حد بعيد ما تشرحه مدارس علم النفس السلوكي حول التعزيز المتقطع وهو أحد أقوى العوامل التي تجعل الإنسان متعلقًا بسلوك مؤذٍ يصعب الانفصال عنه.

 

وهنا تكمن إحدى أهم رسائل الكتاب وهي أن المشكلة ليست في قوة الحب بل في طبيعة العلاقة نفسها فالضحية لا تستمر لأنها تحب أكثر وإنما لأنها أصبحت مرتبطة نفسيًا بدورة من الأمل والإحباط يصعب كسرها وهذه الفكرة تفسر لماذا يبدو الانفصال عن العلاقات السامة شديد الصعوبة رغم وضوح الأذى.

 

ويحسب للمؤلف أيضًا أنه لا يبيع للقارئ أوهامًا عن إمكانية إصلاح الجميع ففي زمن تنتشر فيه الرسائل التي تدعو إلى التضحية اللامحدودة والصبر مهما بلغ حجم الإساءة يأتي الكتاب ليؤكد أن بعض العلاقات لا تحتاج إلى مزيد من المحاولات، بل إلى شجاعة الانسحاب، وهذه رسالة صحية لأنها تعيد الاعتبار لفكرة الحدود النفسية وتؤكد أن الحفاظ على الكرامة والصحة النفسية ليس أنانية، بل ضرورة.

 

ومع ذلك قد يشعر بعض القراء أن لغة الكتاب تميل أحيانًا إلى الثنائية الحادة بين “الضحية” و”الوغد”، صحيح أن هذا الأسلوب يخدم الهدف التوعوي ويجعل الرسالة أكثر وضوحًا لكنه قد لا يعكس دائمًا التعقيد الحقيقي للعلاقات الإنسانية إذ توجد علاقات يشارك الطرفان فيها بأنماط غير صحية دون أن يكون أحدهما شريرًا بالكامل أو الآخر بريئًا بالكامل لذلك فإن أفضل استفادة من الكتاب تتحقق عندما يُقرأ باعتباره دليلًا لفهم الأنماط المؤذية لا كعدسة نحاكم بها كل علاقة أو كل إنسان.

 

في النهاية لا تكمن القيمة الكبرى لكتاب “أحببت وغدًا” في أنه يعلمنا كيف نكتشف الشخص النرجسي فحسب بل في أنه يدفعنا إلى إعادة اكتشاف أنفسنا، فهو يذكرنا بأن الحب لا ينبغي أن يكون مشروعًا لإنقاذ الآخرين ولا وسيلة للهروب من فراغنا الداخلي بل مساحة للنمو المتبادل والاحترام والأمان، كما يلفت الانتباه إلى أن التعافي لا يبدأ عندما يتغير الطرف المؤذي بل عندما يقرر الإنسان أن يعيد تعريف قيمته بعيدًا عن نظرة الآخرين إليه.

 

إن الكتاب ينجح في تقديم رسالة إنسانية عميقة مفادها أن أخطر ما تفعله العلاقات السامة ليس الألم الذي تسببه وإنما قدرتها على إقناع الإنسان بأنه لا يستحق أفضل مما يعيش، ومن هنا تصبح رحلة التعافي ليست مجرد نهاية لعلاقة فاشلة بل بداية لعلاقة أكثر نضجًا مع الذات قائمة على الوعي والحدود الصحية واحترام الكرامة الإنسانية ، وهذه الرسالة رغم بساطتها ربما تكون أهم ما يخرج به القارئ بعد إغلاق صفحات الكتاب لأنها لا تتعلق بالنرجسيين وحدهم بل بكل إنسان يسعى إلى بناء علاقات أكثر صحة واتزانًا في حياته.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية:

كتاب “أحببت وغدًا”

المؤلف: د. عماد رشاد عثمان

255 صفحة

رقم الإيداع: 9789778240467

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *