أريد أن أموت ولكنني أشتهي التوكبوكي.. مفارقة مؤثرة بين الرغبة في الموت واشتهاء الحياة

تمهيد:

في السنوات الأخيرة لم تعد كتب الصحة النفسية مجرد مؤلفات متخصصة يقرأها الأطباء والمعالجون بل أصبحت مساحة إنسانية يلجأ إليها ملايين الأشخاص بحثًا عن تفسير لما يشعرون به أو عزاء يخفف عنهم وطأة الوحدة ويأتي كتاب “أريد أن أموت ولكنني أشتهي التوكبوكي” للكاتبة الكورية بك سهي ضمن هذا النوع من الكتب التي لا تكتفي بسرد تجربة شخصية بل تحاول أن تفتح بابًا واسعًا للنقاش حول الاكتئاب والقلق والعلاج النفسي والهشاشة الإنسانية غير أن القيمة الحقيقية لهذا العمل لا تكمن فقط في جرأته وإنما في الطريقة التي يعيد بها تعريف الألم النفسي بعيدًا عن الصور النمطية التي اعتاد المجتمع رسمها.

ما يتناوله الكتاب:

منذ العنوان يضعنا الكتاب أمام مفارقة صادمة ومؤثرة في الوقت نفسه فالجملة التي تجمع بين “الرغبة في الموت” و”اشتهاء طبق التوكبوكي” تبدو متناقضة للوهلة الأولى لكنها في الحقيقة تلخص طبيعة الاضطرابات النفسية بصورة بالغة الدقة فالإنسان الذي يعاني الاكتئاب ليس بالضرورة شخصًا فقد كل صلة بالحياة بل قد يظل متعلقًا بتفاصيل صغيرة تمنحه سببًا مؤقتًا للاستمرار وهنا تكمن براعة الكاتبة إذ تحوّل وجبة شعبية بسيطة إلى رمز فلسفي للحياة وكأنها تقول إن النجاة لا تحتاج دائمًا إلى معجزات بل قد تبدأ من رغبة عابرة في تذوق طعام نحبه أو مشاهدة غروب الشمس أو سماع أغنية قديمة.

 

هذه الفكرة تُعد من أهم نقاط قوة الكتاب لأنها تهدم الصورة التقليدية التي تصوّر الاكتئاب باعتباره حزنًا دائمًا وواضحًا يمكن للجميع ملاحظته، على العكس تقدم “بك سهي” نموذجًا لما يسمى بالاكتئاب عالي الأداء أو الاكتئاب الباسم حيث يستطيع الإنسان أن يواصل عمله، ويبتسم ويتحدث مع الآخرين بصورة طبيعية بينما يعيش داخله معركة لا يراها أحد وهذه الرؤية تحمل بعدًا نقديًا مهمًا للمجتمع الذي لا يزال يقيس الصحة النفسية بالمظاهر الخارجية فيمنح التعاطف لمن يبدو حزينًا ويتجاهل من يبتسم وهو ينهار بصمت.

 

كما ينجح الكتاب في تقديم نقد غير مباشر لثقافة الإنجاز المفرط التي أصبحت تهيمن على المجتمعات الحديثة خاصة في البيئات التنافسية مثل المجتمع الكوري فالكاتبة تبدو ناجحة من الخارج تمتلك وظيفة وعلاقات اجتماعية وحياة مستقرة لكنها في الداخل أسيرة لمشاعر النقص والخوف من الفشل والرغبة المستمرة في إرضاء الآخرين، وهنا يطرح الكتاب سؤالًا بالغ الأهمية: هل النجاح الخارجي دليل حقيقي على السلام النفسي؟ والإجابة التي يقدمها العمل هي “لا”، فالنجاح قد يتحول إلى قناع يخفي خلفه هشاشة عميقة بل قد يصبح عبئًا إضافيًا عندما يشعر الإنسان أنه مطالب بالحفاظ على صورته المثالية مهما كان الثمن.

 

ومن الزاوية النقدية يمكن اعتبار الكتاب احتجاجًا على مفهوم الكمال الذي يفرضه المجتمع على الأفراد خصوصًا النساء فالكاتبة تكشف كيف تتحول محاولة الظهور بصورة المرأة القوية والمتماسكة إلى سجن نفسي يجعل الاعتراف بالضعف أمرًا مخجلًا وهنا تتجاوز تجربتها حدودها الشخصية لتلامس واقعًا تعيشه نساء كثيرات حول العالم حيث يُطلب منهن النجاح المهني والاستقرار العاطفي والهدوء الدائم وتحمل الضغوط دون شكوى ومن ثم يصبح الكتاب نقدًا ثقافيًا لمنظومة اجتماعية ترى في الاعتراف بالألم نوعًا من الفشل بينما هو في الحقيقة أول خطوات التعافي.

 

ومن أكثر الجوانب التي تستحق التقدير في هذا العمل أنه يعيد الاعتبار للعلاج النفسي بوصفه رحلة لفهم الذات وليس مجرد وسيلة للحصول على وصفة دوائية أو التخلص السريع من الأعراض فالحوارات التي دارت بين الكاتبة وطبيبها على مدار اثني عشر أسبوعًا تكشف أن العلاج الحقيقي يبدأ عندما يتوقف الإنسان عن محاكمة نفسه ويبدأ في الإصغاء إليها فالطبيب هنا لا يقدم حلولًا جاهزة ولا يمارس دور المنقذ بل يساعد المريضة على اكتشاف الأفكار المشوهة التي تحكم حياتها مثل الاعتقاد بأن الخطأ يعني الفشل الكامل أو أن قيمة الإنسان مرتبطة برضا الآخرين عنه.

 

وتحمل هذه النقطة رسالة شديدة الأهمية في عالمنا العربي حيث لا يزال كثيرون ينظرون إلى العلاج النفسي باعتباره رفاهية أو علامة ضعف فالكتاب يساهم في كسر هذه الوصمة من خلال تصوير الجلسات العلاجية باعتبارها مساحة للحوار الصادق لا مكانًا للوصم أو الإدانة ومن هنا تبرز قيمته التوعوية إلى جانب قيمته الأدبية.

 

ومع ذلك فإن القراءة النقدية تفرض علينا أيضًا الإشارة إلى بعض الملاحظات فالكتاب يعتمد بدرجة كبيرة على التجربة الذاتية وهو ما يمنحه صدقًا عاطفيًا لكنه قد يدفع بعض القراء إلى تعميم هذه التجربة على جميع المصابين بالاكتئاب والحقيقة أن الأمراض النفسية تختلف من شخص إلى آخر وما يصلح لتجربة معينة قد لا يكون مناسبًا لغيرها لذلك ينبغي التعامل مع الكتاب باعتباره شهادة إنسانية ملهمة لا دليلًا علاجيًا شاملًا.

 

كذلك قد يلاحظ القارئ أن بساطة الأسلوب أحيانًا تأتي على حساب العمق التحليلي، فالكتاب لا يغوص كثيرًا في الخلفيات النفسية أو الاجتماعية للاكتئاب بل يركز على المشاعر اليومية والتجربة الشخصية وربما كان هذا خيارًا مقصودًا من الكاتبة لتجعل العمل قريبًا من القارئ العادي إلا أن بعض القراء الباحثين عن تفسير علمي أكثر تفصيلًا قد يشعرون بأن بعض القضايا طُرحت بصورة مختصرة.

 

ومن الجوانب اللافتة أيضًا أن الكتاب يرفض فكرة “النهاية السعيدة” التقليدية فلا تعلن الكاتبة أنها شُفيت تمامًا ولا تزعم أن العلاج النفسي أنهى معاناتها إلى الأبد بل تؤكد أن التعافي عملية مستمرة تتخللها انتكاسات ولحظات ضعف وأيام جيدة وأخرى سيئة وهذه الرؤية تمنح العمل قدرًا كبيرًا من المصداقية لأنها تتجنب تقديم أوهام شائعة عن الشفاء الكامل وتؤكد أن الإنسان قد يتعلم التعايش مع آلامه دون أن يسمح لها بالسيطرة على حياته.

 

ومن الناحية الأدبية يمتلك الكتاب قدرة مميزة على تحويل التفاصيل اليومية الصغيرة إلى رموز وجودية عميقة، فطبق “التوكبوكي” لا يعود مجرد وجبة كورية بل يصبح استعارة للحياة نفسها حياة قد تبدو مرهقة وثقيلة لكنها لا تزال تحمل أشياء تستحق الانتظار وهذه القدرة على استخراج المعنى من التفاصيل البسيطة تجعل الكتاب قريبًا من القارئ لأنه يذكره بأن أسباب الاستمرار لا تكون دائمًا عظيمة أو بطولية بل قد تكون مختبئة في أكثر اللحظات عادية.

 

في النهاية، يمكن القول إن “أريد أن أموت ولكنني أشتهي التوكبوكي” ليس كتابًا عن الاكتئاب فحسب بل عن الإنسان حين يحاول أن يتصالح مع هشاشته فهو يدعونا إلى إعادة النظر في الطريقة التي نحكم بها على أنفسنا وعلى الآخرين ويذكرنا بأن خلف الوجوه الهادئة قد تختبئ معارك لا يراها أحد، كما يوجه نقدًا واضحًا لثقافة الكمال والإنجاز المستمر ويعيد الاعتبار لفكرة أن الاعتراف بالألم ليس ضعفًا بل بداية للشجاعة.

 

وربما تكون الرسالة الأهم التي يتركها الكتاب في نفس قارئه هي أن الأمل لا يظهر دائمًا في صورة إنجازات كبرى أو تحولات درامية بل قد يسكن في رغبة بسيطة تؤجل الاستسلام ليوم آخر وهذا الإدراك وحده كفيل بأن يجعل الإنسان ينظر إلى الحياة بعين أكثر رحمة وإلى نفسه بقدر أكبر من التسامح لذلك فإن قيمة هذا الكتاب لا تكمن في أنه يقدم حلولًا نهائية وإنما في أنه يمنح القارئ شعورًا نادرًا بأنه ليس وحده في معركته وأن التمسك بالحياة قد يبدأ أحيانًا من أبسط الأشياء، من فنجان قهوة أو حديث صادق أو حتى من طبق “توكبوكي” دافئ يذكرنا بأن في داخل كل إنسان مهما اشتد ألمه جزءًا صغيرًا لا يزال يرغب في الحياة.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية:

 

كتاب “أريد أن أموت ولكنني أشتهي التوكبوكي” I Want to Die but I Want to Eat Tteokbokki

الكاتبة: بك سيهي

رقم الإيداع: 9781526648099

194 صفحة

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *