لماذا تدمر السوشيال ميديا حياتك؟.. الوجه الآخر لوسائل التواصل الإجتماعي حين تصبح الشاشة مرآة مزيفة

تمهيد:

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد أدوات للتواصل وتبادل الأخبار بل أصبحت بيئة متكاملة تعيد تشكيل وعينا وتؤثر في قراراتنا وتحدد أحيانًا نظرتنا إلى أنفسنا وإلى الآخرين ومن هنا تنبع أهمية كتاب Why Social Media Is Ruining Your Life” للكاتبة كاثرين أورميرود، الذي يحاول تفكيك العلاقة المعقدة بين الإنسان والمنصات الرقمية ليس من خلال خطاب تقني وإنما عبر قراءة نفسية واجتماعية تفسر كيف أصبحت هذه المنصات قادرة على إعادة تشكيل مفهوم النجاح والجمال والسعادة.

ما يتناوله الكتاب

تكمن قوة الكتاب في أنه لا ينطلق من فرضية أن وسائل التواصل الاجتماعي شر مطلق بل يحاول تفسير الأسباب التي تجعل ملايين الأشخاص يشعرون بالقلق والإحباط والدونية بعد دقائق قليلة من تصفح هواتفهم فالكاتبة تدرك أن المشكلة ليست في الشاشة ذاتها وإنما في الطريقة التي صُممت بها هذه المنصات لتستحوذ على انتباه الإنسان وتدفعه إلى الدخول في دوامة لا تنتهي من المقارنات الاجتماعية والسعي وراء صورة مثالية لا وجود لها في الواقع.

 

ومن أهم الأفكار التي يطرحها الكتاب أن الإنسان لم يعد يقارن نفسه بجيرانه أو زملائه في العمل كما كان يحدث سابقًا بل أصبح يقارن حياته اليومية العادية بآلاف اللحظات المنتقاة بعناية التي ينشرها الآخرون هذه المقارنة غير العادلة هي أحد أخطر الآثار النفسية التي نجحت الكاتبة في تسليط الضوء عليها، لأنها تفسر سبب شعور كثيرين بأنهم أقل نجاحًا أو أقل جمالًا أو أقل سعادة، رغم أن حياتهم قد تكون مستقرة وطبيعية.

 

كما يُحسب للكاتبة أنها لم تعتمد على آرائها الشخصية فقط بل دعمت كتابها بمقابلات مع مؤثرين وخبراء نفسيين وأطباء تجميل ومتخصصين في الإعلام الرقمي، وهو ما منح الكتاب بعدًا توثيقيًا مهمًا وأبعده عن كونه مجرد تجربة ذاتية فاعتراف عدد من المؤثرين بأن حياتهم المنشورة لا تعكس واقعهم الحقيقي يمثل شهادة قوية من داخل المنظومة نفسها ويمنح القارئ فرصة لرؤية الجانب الخفي الذي لا يظهر خلف الصور اللامعة.

 

إحدى النقاط التي ينجح الكتاب في توضيحها أيضًا هي أن الخوارزميات ليست محايدة كما يظن البعض بل إنها مصممة لإبقاء المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق لأنها تستفيد اقتصاديًا من انتباهه وبياناته ومن هنا تأتي العبارة التي يكررها الكتاب: “إذا كانت الخدمة مجانية فأنت لست العميل، بل أنت المنتج” وهي عبارة تختصر نموذج الاقتصاد الرقمي الحديث الذي يقوم على جمع البيانات وتحليل السلوك البشري وتحويله إلى سلعة تُباع للمعلنين.

 

لكن، رغم هذه القوة في التشخيص لا يخلو الكتاب من عدد من الملاحظات النقدية المهمة التي تمنع اعتباره تفسيرًا كاملًا للأزمة.

 

أولى هذه الملاحظات تتعلق بتناقض الكاتبة نفسها مع الرسالة التي تدافع عنها فهي تعترف بأنها كانت تساهم في صناعة الصورة المثالية عبر حساباتها الشخصية وكانت تنتقي أجمل لحظاتها وتنشرها بما يخلق لدى المتابعين انطباعًا مضللًا عن حياتها إلا أن هذا الاعتراف رغم شجاعته لا يتبعه موقف عملي واضح فهي لا تعلن تغييرًا جذريًا في سلوكها ولا تقدم نموذجًا مختلفًا لما تدعو إليه وهو ما يضع القارئ أمام سؤال منطقي: كيف يمكن لمن يشارك في صناعة المشكلة أن يقدم نفسه باعتباره جزءًا من الحل؟

 

هذا التناقض يظهر بصورة أوضح في حديثها عن عالم الموضة والعمل كمؤثرة رقمية إذ تنتقد استغلال العاملين والمتدربين داخل هذه الصناعة لكنها لا تناقش مسؤولية المؤثرين أنفسهم في تكريس هذه الثقافة الاستهلاكية فالمؤثر الذي ينشر صور الرحلات الفاخرة والهدايا الباهظة دون توضيح طبيعتها التجارية يشارك بقصد أو بغير قصد في تعزيز الشعور بالنقص لدى المتابعين لذلك يبدو نقدها في بعض المواضع ناقصًا لأنها تركز على النتائج أكثر من مساءلة جميع الأطراف التي تساهم في إنتاجها.

 

أما الملاحظة الثانية فتتعلق بإلقاء الجزء الأكبر من المسؤولية على وسائل التواصل الاجتماعي مع التقليل من تأثير المؤسسات الاقتصادية والثقافية التي سبقت ظهورها بسنوات طويلة فالكتاب يوحي أحيانًا بأن أزمة صورة الجسد بدأت مع “انستجرام” بينما الحقيقة أن صناعة الأزياء والإعلانات والسينما والمجلات النسائية كرست لعقود طويلة معايير جمال غير واقعية قبل ظهور المنصات الرقمية بوقت طويل، بل إن وسائل التواصل لم تبتكر هذه المعايير بقدر ما سرعت انتشارها وضاعفت تأثيرها، ولهذا فإن تحميل التكنولوجيا وحدها مسؤولية الأزمة يبدو تبسيطًا لمشكلة أكثر تعقيدًا تتداخل فيها المصالح التجارية مع الثقافة الاستهلاكية والإعلام التقليدي وصناعة التجميل.

 

كما أن بعض استنتاجات الكتاب لم تصمد بالكامل أمام التغيرات التي شهدها العالم بعد صدوره عام 2018 فالكاتبة كانت متفائلة نسبيًا بإمكانية أن تقود وسائل التواصل إلى قبول أكبر لتنوع أشكال الأجساد لكن السنوات اللاحقة أظهرت أن صناعة الموضة سرعان ما تراجعت عن كثير من هذه المبادرات وعادت لتقديم نماذج جمالية أكثر تقليدية مدفوعة باعتبارات السوق والربح وهذا يؤكد أن المنصات الرقمية ليست سوى مرآة تعكس ما تنتجه الصناعات الكبرى وإن كانت تضخم تأثيره.

 

ومن الجوانب التي كان يمكن للكتاب أن يمنحها مساحة أوسع تأثير الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة في تعميق الأزمة فمع انتشار الصور المعدلة والفيديوهات المزيفة والفلاتر فائقة الواقعية أصبحت الحدود بين الحقيقة والخيال أكثر ضبابية من أي وقت مضى، صحيح أن هذا التطور جاء بعد صدور الكتاب لكنه يجعل الحاجة إلى تحديثه أكثر إلحاحًا لأن المشكلات التي وصفها تضاعفت بصورة غير مسبوقة.

 

ورغم هذه الملاحظات يظل الجانب العملي أحد أبرز نقاط قوة الكتاب فالكاتبة لا تكتفي بتشخيص المشكلة بل تقترح خطوات بسيطة يمكن للقارئ تطبيقها مثل تقليل وقت الاستخدام والتوقف عن متابعة الحسابات التي تثير مشاعر النقص وإعادة تقييم مصادر تقدير الذات بعيدًا عن عدد الإعجابات والمتابعين ورغم بساطة هذه النصائح فإن قيمتها تكمن في أنها تذكر القارئ بأن السيطرة على التكنولوجيا تبدأ باستعادة السيطرة على عاداته اليومية.

 

ومن الأفكار التي تستحق التقدير أيضًا أن الكاتبة لم تتعامل مع وسائل التواصل باعتبارها عدوًا مطلقًا بل اعترفت بأنها قد تكون مساحة للدعم النفسي وتبادل الخبرات خاصة للأشخاص الذين يعانون من أمراض نادرة أو أزمات نفسية أو عزلة اجتماعية وهذه النظرة المتوازنة تجعل الكتاب أكثر واقعية لأنه يفرق بين التكنولوجيا نفسها وطريقة استخدامها.

 

في النهاية يمكن القول إن كتاب “لماذا تدمر السوشيال ميديا حياتك؟” لا يقدم إجابات نهائية بقدر ما يطرح أسئلة ضرورية حول علاقتنا بالعالم الرقمي فهو ينجح في كشف الكثير من الآليات النفسية التي تجعل المستخدم أسيرًا للشاشة لكنه أحيانًا يبسط بعض القضايا المعقدة ويبالغ في تحميل المنصات الرقمية مسؤولية مشكلات تشترك في صناعتها مؤسسات اقتصادية وإعلامية وثقافية أكبر منها.

 

ورغم أن الكتاب أصبح بحاجة إلى تحديث يواكب التحولات الهائلة التي شهدتها وسائل التواصل في السنوات الأخيرة خصوصًا مع صعود الذكاء الاصطناعي وتغير طبيعة المنصات والخوارزميات فإن قيمته الفكرية لم تتراجع فما زالت رسالته الأساسية صالحة اليوم أكثر من أي وقت مضى وهي ألا تقارن حياتك بالنسخة المنتقاة من حياة الآخرين ولا تمنح هاتفك القدرة على تحديد قيمتك أو سعادتك أو صورتك عن نفسك، وربما تكون هذه الرسالة هي أكثر ما يحتاجه الإنسان في عصر أصبحت فيه الحياة الرقمية تنافس الحياة الحقيقية على اهتمامه ووعيه وهويته.

حقوق النشر:

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه، وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

بيانات الكتاب

لماذا تدمر السوشيال ميديا حياتك؟  Why Social Media Is Ruining Your Life?

الكاتب : كاثرين أورميرود

ISBN: 978-1-7884-0062-6

256 صفحة

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *