لماذا يهرب رأس المال من بعض الأسواق بينما يتدفق إلى أخرى؟

بقلم – آية عثمان

رأس المال لا يتحرك عشوائياً، ولا يختار وجهته بدافع الصدفة، فهو يبحث دائماً عن المكان الذي يشعر فيه بالأمان قبل أن يبحث عن الربح، وعن السوق الذي يمنحه القدرة على النمو دون أن يضعه كل صباح أمام مفاجأة جديدة؛ ولهذا قد تتشابه الفرص بين سوقين بينما يتجه المستثمر إلى أحدهما ويغلق الباب أمام الآخر.

في عالم الاستثمار، لا يكفي أن تمتلك الدولة مشروعاً جيداً أو قطاعاً واعداً حتى تصبح وجهة جاذبة لرؤوس الأموال، فالمستثمر لا ينظر إلى الفكرة وحدها، وإنما ينظر إلى البيئة التي ستحتضنها، ويسأل قبل أن يضع أمواله “هل القواعد واضحة؟ هل الإجراءات قابلة للتوقع؟ هل أستطيع تأسيس مشروعي وتشغيله والتوسع فيه دون الدخول في متاهة إدارية؟ وهل أعرف منذ البداية حقوقي والتزاماتي؟”؛ وهنا تظهر واحدة من أهم قواعد الاستثمار، وهي أن رأس المال يحب الوضوح ويخشى الغموض ويهرب من المفاجآت، فكلما زادت صعوبة فهم الإجراءات أو تغيرت القواعد بصورة متكررة، ارتفعت درجة المخاطرة في نظر المستثمر حتى لو كانت الفرصة الاقتصادية نفسها مغرية.

المشكلة لا تكمن دائماً في ارتفاع الضرائب أو تكلفة التشغيل وإنما في عدم القدرة على التنبؤ؛ فقد يقبل المستثمر تكلفة مرتفعة إذا كان يعرفها مسبقاً ويستطيع إدارتها، لكنه قد يتردد أمام تكلفة أقل إذا كان لا يعرف كيف ستتغير غداً، ولذلك تصبح استقرار السياسات الاقتصادية والإدارية عاملاً لا يقل أهمية عن حجم السوق نفسه؛ كما أن البيروقراطية تستطيع أن تحول الفرصة إلى عبء، فالمستثمر الذي يحتاج إلى المرور عبر إجراءات طويلة ومتعددة قبل أن يبدأ نشاطه، قد يرى في الوقت الضائع تكلفة إضافية لا تظهر في الحسابات التقليدية، وكل يوم تأخير يعني بالنسبة له رأس مالاً معطلاً، وقراراً مؤجلاً، وفرصة قد يجدها منافس آخر في سوق أكثر سرعة.

ومن هنا لا يبحث المستثمر عن الدولة التي تقول له فقط “استثمر لدينا” وإنما عن الدولة التي تجيبه بوضوح عن سؤال أهم ألا وهو “ماذا سيحدث بعد أن تستثمر؟”؛ فالمرحلة التي تلي جذب رأس المال هي الاختبار الحقيقي، لأن تقديم الحوافز قد ينجح في جذب المستثمر إلى الباب، لكن سهولة التشغيل واستقرار القواعد وجودة الخدمات هي التي تحدد ما إذا كان سيبقى داخل السوق أم سيبحث عن باب آخر.

وتلعب الثقة دوراً حاسماً في هذه المعادلة، والثقة في الاستثمار ليست شعوراً عاطفياً وإنما نتيجة تراكمية لقوانين واضحة، ومؤسسات فعالة، وإجراءات مفهومة، وسرعة في حل النزاعات، وقدرة على حماية الحقوق؛ وكلما ارتفعت الثقة انخفضت المخاطر التي يضعها المستثمر في حساباته، وكلما انخفضت المخاطر أصبح السوق أكثر قدرة على جذب الأموال.

ولا يمكن تجاهل أهمية البنية التحتية والموارد البشرية والتكنولوجيا، فالمستثمر الحديث لا يبحث فقط عن الأرض والطاقة والسوق، وإنما يبحث عن منظومة كاملة تساعد مشروعه على النمو من العمالة المؤهلة إلى الخدمات الرقمية وسلاسل الإمداد والقدرة على الوصول إلى الأسواق المحلية والخارجية؛ كما تغيرت خريطة الاستثمار نفسها، فلم يعد المستثمر يبحث عن أقل تكلفة فقط، بل عن أفضل قيمة، وقد يختار سوقاً أكثر تكلفة إذا كان يمنحه إمكانية الوصول إلى أسواق أكبر ، أو يمتلك قوة عاملة أكثر كفاءة، أو يوفر منظومة قانونية وإدارية أكثر استقراراً، لأن المعادلة الجديدة لم تعد “كم سأدفع؟” فقط، وإنما “ماذا سأحصل مقابل ما أدفعه؟”

وفي المقابل، فإن خروج رأس المال من سوق ما لا يعني دائماً أن السوق يفتقر إلى الفرص، فقد تكون لديه موارد ضخمة وموقع جغرافي مميز وقطاعات قادرة على النمو، لكن هذه المزايا قد تفقد جزءاً من تأثيرها إذا اصطدمت بإجراءات معقدة أو غياب المعلومات أو صعوبة الوصول إلى صانع القرار أو بطء حل المشكلات.

وهنا يجب أن تتغير نظرة الدول إلى المستثمر، فالمستثمر ليس مجرد مصدر للأموال، وإنما شريك اقتصادي يمكن أن يضيف معرفة وتكنولوجيا وفرص عمل وأسواقاً جديدة، ولذلك فإن التعامل معه ينبغي أن ينتقل من منطق “جذب الأموال” إلى منطق “بناء علاقة طويلة الأجل”؛ والسوق الأكثر جذباً لرأس المال ليس بالضرورة السوق الذي يقدم أكبر وعود، وإنما السوق الذي يجعل المستثمر قادراً على رؤية الطريق أمامه، ومعرفة قواعد اللعبة، وتقدير المخاطر، والتخطيط للسنوات المقبلة دون أن يشعر بأن الأرض قد تتغير تحت قدميه.

لذلك عليك أن تعلم جيدًا أن رأس المال لا يهرب من المخاطر بالكامل، فهذا جزء طبيعي من الاستثمار، لكنه يهرب من المخاطر التي لا يستطيع فهمها أو قياسها أو إدارتها، ويتجه إلى الأسواق التي تمنحه وضوحاً أكبر ومساحة أوسع للنمو؛ ولهذا فإن المنافسة الحقيقية بين الأسواق لم تعد فقط على حجم الحوافز، وإنما على جودة البيئة الاستثمارية، فالدولة التي تختصر الوقت وتوضح القواعد وتحمي الحقوق وتسرّع الإجراءات وتبني الثقة، لا تحتاج إلى مطاردة رأس المال طويلاً ؛ لأن رأس المال بطبيعته يعرف جيداً أين يجد الأمان، وأين يرى المستقبل، وأين يستطيع أن ينمو دون أن تضيع أرباحه في متاهة الانتظار.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *