بقلم – آية عثمان
في عالم الاستثمار، لا تُقاس تكلفة الوقت بالساعات والأيام فقط بل بما يمكن أن تضيع معه من فرص، فالمستثمر الذي يقرر ضخ أمواله في مشروع لا يبحث عن فكرة جيدة فحسب وإنما يريد بيئة تساعده على تحويل الفكرة إلى نشاط قائم في الوقت المناسب؛ وكلما طال الطريق بين القرار والتنفيذ زادت احتمالات تغير الحسابات وتراجع الحماس وتأجيل التوسع وربما انتقال الفرصة إلى سوق أكثر سرعة ومرونة.
الإجراءات جزء طبيعي من أي عملية استثمارية، فلا يمكن بناء اقتصاد من دون قواعد واضحة أو مراجعات قانونية أو اشتراطات تحمي الدولة والمستثمر والمجتمع؛ لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الإجراءات من وسيلة لتنظيم النشاط إلى عقبة تستهلك الوقت وتزيد حالة عدم اليقين، فالمستثمر يستطيع التعامل مع المتطلبات عندما تكون معروفة ومحددة، لكنه يجد صعوبة أكبر عندما تتعدد الجهات أو تتغير التفسيرات أو تتأخر الموافقات دون وضوح بشأن موعد الانتهاء.
والخسارة هنا لا تقع على المستثمر وحده، فعندما يتأخر مشروع كان يمكن أن يبدأ الإنتاج تتأخر معه فرص العمل المرتبطة به، وسلاسل التوريد التي كان يمكن أن تستفيد منه، والخدمات التي قد تنشأ حوله، إضافة إلى الإيرادات التي يمكن أن يحققها النشاط بعد تشغيله؛ وبذلك تتحول المشكلة من تأخير إداري محدود إلى تكلفة اقتصادية تمتد آثارها إلى أطراف متعددة، كما أن المستثمر لا ينظر فقط إلى حجم السوق أو تكلفة إنشاء المشروع، وإنما يقارن بين سرعة الإجراءات ووضوح القواعد في أكثر من دولة، وفي سوق تنافسية، قد تكون الفرصة متاحة في أكثر من مكان، وقد يختار رأس المال البيئة التي يستطيع فيها الحصول على إجابات واضحة والبدء في التنفيذ خلال فترة يمكن التنبؤ بها.
الأكثر أهمية أن جذب الاستثمار لا ينتهي بمجرد الإعلان عن مشروع أو توقيع اتفاق، وإنما يبدأ الاختبار الحقيقي عند مرحلة التنفيذ؛ فالمستثمر الذي يجد أن ما قرأه في خطط الاستثمار يختلف عن تجربته الفعلية في الحصول على التراخيص والموافقات، قد يعيد النظر في خططه المستقبلية، ليس فقط بشأن المشروع الحالي وإنما بشأن التوسع في السوق بشكل عام.
ومن هنا، فإن تحسين بيئة الاستثمار لا يعني بالضرورة إلغاء الإجراءات وإنما إعادة تنظيمها بحيث تصبح أكثر وضوحًا وسرعة وترابطًا؛ إذ يحتاج المستثمر إلى معرفة المستندات المطلوبة، والجهة المسؤولة، والخطوات التي يجب اتباعها، والمدة المتوقعة لإنهاء كل مرحلة، وكلما قل الغموض، أصبح اتخاذ القرار أسهل، وتحولت العلاقة بين المستثمر والإدارة من رحلة بحث عن الموافقات إلى مسار واضح يمكن التخطيط له.
وتأتي الرقمنة هنا كأداة مهمة لتقليل الوقت والاحتكاك وتوحيد البيانات ومتابعة الطلبات، لكن التكنولوجيا وحدها لا تحل المشكلة إذا كانت الإجراءات نفسها معقدة أو متداخلة؛ فالتحول الرقمي الحقيقي يبدأ من تبسيط المسار أولًا، ثم تحويله إلى خدمة إلكترونية، وليس نقل التعقيد الورقي إلى شاشة رقمية.
وفي المقابل، يحتاج المستثمر نفسه إلى قدر أكبر من الجاهزية، فاختصار الوقت لا يعني تجاوز القواعد وإنما الالتزام بها من البداية؛ وأهمها إعداد دراسة جدوى واقعية، وتجهيز المستندات، وفهم المتطلبات القانونية، والاستعانة بالمتخصصين عند الحاجة، كلها عوامل يمكن أن تقلل من التأخير الناتج عن أخطاء يمكن تفاديها.
لذلك، فإن فاتورة تأخر الإجراءات لا يدفعها طرف واحد؛ لأن المستثمر قد يخسر وقتًا وتكلفة، والدولة قد تخسر مشروعًا وفرص عمل وإنتاجًا، والسوق قد يخسر فرصة لزيادة المنافسة وتحسين الخدمات، بينما يتأخر المواطن عن الاستفادة من آثار اقتصادية كان يمكن أن تبدأ في وقت أبكر؛ ويبقى السؤال الحقيقي “كيف نجعل الإجراءات أكثر ذكاءً؟” وليس “كيف نلغيها؟”، فالدولة القوية استثماريًا ليست التي تتخلى عن التنظيم، وإنما التي تستطيع أن تجمع بين حماية مصالحها وتسهيل حركة رأس المال.
وفي سباق الاستثمار، قد تكون سرعة الإنجاز ليست مجرد ميزة إضافية بل عنصرًا حاسمًا في تحويل الفرصة من فكرة على الورق إلى مشروع يعمل وينتج ويخلق قيمة حقيقية للاقتصاد.







