بقلم – آية عثمان
لم يعد الاستثمار الأخضر مجرد شعار مرتبط بحماية البيئة أو مواجهة تغيرات المناخ، بل تحول إلى أحد أهم اتجاهات الاقتصاد العالمي ومعه أصبحت الدول تتنافس على جذب رؤوس الأموال التي تبحث عن مشروعات تحقق عائدًا اقتصاديًا، وفي الوقت نفسه تواكب التحول نحو اقتصاد أكثر استدامة.
وفي هذا السياق، تمتلك مصر مجموعة من المقومات التي يمكن أن تجعلها لاعبًا مهمًا في سوق الاستثمار الأخضر بداية من موقعها الجغرافي ومرورًا بمواردها الطبيعية ووصولًا إلى اتساع احتياجات السوق المحلية في قطاعات الطاقة والمياه والنقل والزراعة وإدارة المخلفات.
عند الحديث عن الاستثمار الأخضر غالبًا ما يتجه التفكير مباشرة إلى الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وهما بالفعل من أبرز المجالات الواعدة في مصر، لكن الفرصة تتجاوز إنتاج الكهرباء من مصادر نظيفة، فالتحول الأخضر يفتح الباب أمام مشروعات جديدة في تحلية المياه وإعادة استخدامها، والنقل المستدام، والهيدروجين الأخضر ومشتقاته، وإعادة تدوير المخلفات، والمباني الموفرة للطاقة، والزراعة الذكية، والصناعات منخفضة الانبعاثات؛ وهنا تكمن أهمية الاستثمار الأخضر بالنسبة للاقتصاد المصري لأنه لا يمثل قطاعًا منفصلًا، وإنما يمكن أن يصبح مظلة لعدد كبير من الأنشطة الاقتصادية التي تحتاج إلى رؤوس أموال وتكنولوجيا وخبرات جديدة.
تتمتع مصر بموقع يجعلها مؤهلة للاستفادة من التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، خاصة مع امتلاكها إمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية والرياح إلى جانب وجود بنية تحتية وموانئ وممرات لوجستية يمكن أن تدعم مشروعات التصدير المرتبطة بالطاقة النظيفة، كما أن السوق المصرية الكبيرة تمنح المستثمر فرصة أخرى، إذ إن الطلب على الطاقة والمياه والنقل والخدمات الصناعية لا يزال يتوسع ما يعني أن المشروعات الخضراء يمكنها الجمع بين تلبية احتياجات محلية وفتح أسواق خارجية.
وتزداد أهمية الموقع المصري مع تنامي الاهتمام العالمي بسلاسل الإمداد منخفضة الكربون، حيث تبحث الشركات عن مواقع إنتاج قريبة من الأسواق وتتمتع بإمكانات للطاقة النظيفة وقادرة على توفير بنية تحتية مناسبة.
يأتي الهيدروجين الأخضر في مقدمة المجالات التي يمكن أن تمنح مصر ميزة تنافسية خلال السنوات المقبلة، فإنتاج الهيدروجين باستخدام الكهرباء المولدة من مصادر متجددة يفتح المجال أمام استخداماته في الصناعة والنقل البحري وتخزين الطاقة فضلًا عن إمكانية تصديره إلى الأسواق التي تتجه إلى خفض انبعاثاتها؛ لكن نجاح هذا القطاع لا يتوقف على جذب الاستثمارات فقط وإنما يحتاج إلى بناء منظومة متكاملة تشمل الإنتاج والتخزين والنقل والتصدير إلى جانب وجود طلب حقيقي وعقود طويلة الأجل تساعد المستثمرين على ضمان الجدوى الاقتصادية للمشروعات.
أحد أهم التحولات التي تصاحب الاقتصاد الأخضر هو تغير طبيعة التمويل نفسه، فالمؤسسات المالية العالمية والمستثمرون أصبحوا أكثر اهتمامًا بالمشروعات التي تمتلك أهدافًا بيئية واضحة وتستطيع قياس أثرها في خفض الانبعاثات أو تحسين كفاءة استخدام الموارد؛ وهذا يمنح مصر فرصة لتوسيع أدوات التمويل سواء من خلال السندات الخضراء، أو التمويل المستدام، أو الشراكات مع مؤسسات التمويل الدولية، أو جذب صناديق استثمار تبحث عن مشروعات متوافقة مع المعايير البيئية.
لكن في المقابل، يحتاج المستثمر إلى قواعد واضحة ومستقرة وبيانات دقيقة وآليات شفافة لقياس الأثر البيئي حتى لا يتحول شعار “الاستثمار الأخضر” إلى مجرد عنصر تسويقي.
المشكلة الأساسية ليست في وجود الفرص، وإنما في تحويلها إلى مشروعات يستطيع المستثمر تقييمها وتمويلها وتنفيذها؛ فالمستثمر لا يبحث فقط عن مورد طبيعي أو فكرة جذابة بل يريد وضوحًا في التشريعات وسرعة في الإجراءات وتوافر الأراضي والبنية التحتية وآليات واضحة لتسعير الطاقة وضمانات لحماية الاستثمار وسوقًا قادرًا على استيعاب المنتج
ومن هنا، فإن المنافسة على الاستثمار الأخضر لن تكون بين الدول التي تمتلك الشمس والرياح فقط، وإنما بين الدول الأكثر قدرة على تحويل هذه الموارد إلى بيئة استثمارية متكاملة؛ فالاستثمار الأخضر بالنسبة لمصر يمكن أن يمثل فرصة لإعادة تشكيل جزء من الاقتصاد وليس مجرد وسيلة لخفض الانبعاثات، إذ تعني المشروعات الجديدة فرص عمل، ونقل تكنولوجيا، وزيادة الصادرات، وتطوير الصناعات المحلية، وفتح أسواق أمام الشركات المصرية.
والأهم أن الاقتصاد الأخضر يمكن أن يدفع باتجاه جذب نوعية مختلفة من رؤوس الأموال تبحث عن الاستثمار طويل الأجل والمشروعات ذات القيمة المضافة وليس فقط العائد السريع؛ لذا فالمستقبل لن يكون لمن يمتلك الموارد فقط، وإنما لمن يستطيع تحويلها إلى قيمة اقتصادية، ومصر تمتلك عناصر مهمة في معادلة الاستثمار الأخضر لكن الاستفادة الحقيقية منها تتطلب الانتقال من مرحلة الإعلان عن الفرص إلى بناء مشروعات واضحة، قابلة للتمويل، ومتصلة باحتياجات السوق المحلية والأسواق العالمية.
وهنا قد لا يكون السؤال “هل تستطيع مصر جذب استثمارات خضراء؟”، بل “كيف تستطيع أن تجعل الاستثمار الأخضر أحد محركات النمو الاقتصادي خلال السنوات المقبلة؟”؛ فإذا نجحت مصر في الجمع بين الطاقة النظيفة والبنية التحتية والتشريعات الجاذبة والتمويل المستدام والسوق الكبيرة، فقد يتحول “الاقتصاد الأخضر” من اتجاه عالمي تلاحقه الدول إلى ميزة تنافسية مصرية تجذب رؤوس الأموال وتخلق فرصًا جديدة للنمو.
وفي هذا الصدد، يتشرف موقع “بكرة” وبرنامج مصر بكرة بدعوة سيادتكم للمشاركة في مؤتمر “الاستثمار في مصر وصناعة المستقبل: التحديات والفرص.. من الفكرة إلى الاستثمار.. ومن الاستثمار إلى الإنتاج”. المقرر انطلاقه يوم السبت الموافق 3 أكتوبر 2026
ومن المقرر مناقشة أهم أفضل الحلول المقترحة لتنمية استثمار المشروعات في مصر: “من أين تبدأ؟.. أين تستثمر ؟.. وكيف تحوّل فكرتك ومدخراتك إلى مشروع وقيمة وإنتاج ؟”
ويأتي هذا المؤتمر بمشاركة وتشريف كوكبة مميزة من كبار المسئولين ورجال الاقتصاد ورجال الأعمال والمجتمع المدنى والإعلاميين والمواطنين.







