من «التخرج» إلى «التوظيف».. لماذا تطلب الشركات الخبرة من حديثي التخرج؟

كتب – محمد عادل:

يقف كثير من حديثي التخرج أمام مفارقة صعبة مع بداية البحث عن أول وظيفة، فالشركات تبحث عن موظف يمتلك خبرة عملية، بينما لا يستطيع الخريج اكتساب هذه الخبرة إلا بعد الحصول على فرصة عمل، وبين متطلبات أصحاب الأعمال وما تقدمه المؤسسات التعليمية، تتسع فجوة التدريب العملي، لتصبح واحدة من أبرز التحديات التي تواجه انتقال الشباب من مقاعد الدراسة إلى سوق العمل.

وتبدأ المشكلة في كثير من الأحيان من طبيعة الدراسة نفسها، إذ يحصل الطالب على قدر كبير من المعرفة النظرية، لكنه لا يجد بالقدر نفسه فرصًا لتطبيق ما تعلمه داخل بيئة عمل حقيقية، وقد يمر الطالب بسنوات الدراسة والتدريب الإجباري دون أن يكتسب المهارات التي يبحث عنها أصحاب الأعمال عند اختيار الموظفين الجدد.

وتختلف احتياجات سوق العمل بصورة مستمرة، خصوصًا مع التطور التكنولوجي وظهور وظائف ومهارات جديدة، وهو ما يجعل تحديث المناهج وربطها باحتياجات الشركات ضرورة، وليس مجرد تطوير أكاديمي. فالشركات لا تبحث فقط عن شهادة جامعية، وإنما عن القدرة على استخدام الأدوات المهنية، والعمل ضمن فريق، وحل المشكلات، والتواصل، وإدارة الوقت، والتعامل مع التكنولوجيا.

ويرى أصحاب الأعمال أن توظيف حديث التخرج يمثل أحيانًا تكلفة إضافية للشركة، بسبب الحاجة إلى تدريبه وتأهيله قبل أن يصبح قادرًا على أداء مهامه بكفاءة، لذلك تميل بعض المؤسسات إلى تفضيل المتقدم الذي سبق له العمل أو التدريب في المجال نفسه، حتى لو كانت خبرته محدودة.

وفي المقابل، لا يمكن تحميل الخريج وحده مسؤولية فجوة الخبرة، خصوصًا إذا لم تتوافر له خلال سنوات الدراسة فرص حقيقية للتدريب، وهنا تظهر مسؤولية مشتركة بين الجامعات والشركات في إعادة تعريف التدريب العملي، بحيث لا يقتصر على شهادة يحصل عليها الطالب في نهاية فترة قصيرة، وإنما يتحول إلى تجربة مهنية حقيقية.

وتستطيع الجامعات تعزيز هذا الدور من خلال عقد شراكات مستمرة مع الشركات، وإتاحة تدريبات ميدانية مرتبطة بتخصصات الطلاب، وإشراك العاملين في القطاعات المختلفة في تطوير المناهج وتحديد المهارات المطلوبة، كما يمكن إنشاء مشروعات تطبيقية تحاكي بيئة العمل، بحيث يتخرج الطالب وهو يمتلك نماذج فعلية من أعماله يمكن أن يقدمها لأصحاب الأعمال.

أما الشركات، فيمكنها توسيع برامج التدريب الصيفي والتدريب المدفوع وبرامج الخريجين الجدد، مع وضع مسارات واضحة لتحويل المتدربين المتميزين إلى موظفين، فالاستثمار في الخريج الجديد لا يمثل عبئًا فقط، بل يمكن أن يكون وسيلة لبناء كوادر تتوافق مهاراتها مع احتياجات المؤسسة.

وتظل الشراكة بين الجامعة والشركة والطالب هي الحلقة الأهم لسد هذه الفجوة، فالجامعة تقدم المعرفة والتأهيل، والشركة توفر البيئة العملية والخبرة، بينما يتحمل الطالب مسؤولية تطوير مهاراته والاستفادة من فرص التدريب والمشروعات التطبيقية.

وبذلك، يصبح الانتقال من «التخرج» إلى «التوظيف» مسارًا تدريجيًا يبدأ قبل الحصول على الشهادة، وليس مرحلة تبدأ بعد التخرج، فكلما اقترب التعليم من الواقع العملي، وأصبحت الشركات شريكًا حقيقيًا في إعداد الطلاب، تقلصت الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، وأصبح الخريج أكثر استعدادًا للحصول على فرصته الأولى دون أن تظل «الخبرة» شرطًا مغلقًا أمامه.

وللتسجيل في مؤتمر النماء لتطوير التعليم اضغط على اللينك وللتواصل عبر هذا الرقم 01040407474

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *