بقلم – رامي البنا
في الوقت الذي تتجه فيه الدولة إلى التوسع في إنشاء المدارس وتطوير البنية الأساسية لمنظومة التعليم، لا تزال بعض المناطق تواجه تحديا مؤثرا في حصول الطلاب على الخدمة التعليمية، يتمثل في بُعد المدارس عن التجمعات السكنية، واضطرار بعض الطلاب إلى قطع مسافات طويلة يوميا للوصول إلى مدارسهم.
ولا ترتبط المشكلة بعدد المدارس فقط، وإنما بتوزيعها الجغرافي ومدى مواكبتها للنمو السكاني والعمراني، إذ قد توجد مدارس داخل نطاق جغرافي واسع، لكنها لا تكون قريبة بالقدر الكافي من جميع التجمعات السكنية، ما يجعل رحلة الذهاب والإياب جزءا مرهقا من يوم الطالب.
حيث ان الطالب الذي يسكن في منطقة تفتقر إلى مدرسة قريبة، يضطر إلى الاستيقاظ مبكرا حتى يتمكن من الوصول إلى مدرسته في الموعد المحدد، وقد يقضي وقتا طويلا في وسائل المواصلات قبل أن يبدأ يومه الدراسي.
ومع تكرار هذه الرحلة يوميا، تتحول المسافة إلى عبء مستمر، خاصة بالنسبة لطلاب المراحل الأولى، الذين يحتاجون إلى قدر أكبر من الرعاية والأمان، وكذلك للأسر التي تضطر إلى تدبير وسائل انتقال مناسبة لأبنائها.
ولا تتوقف آثار طول المسافة عند الوقت الضائع، إذ يمكن أن ينعكس الإرهاق الناتج عن الانتقال المستمر على تركيز الطالب ونشاطه وقدرته على الاستفادة من اليوم الدراسي، فضلا عن احتمالات التأخر والغياب في بعض الحالات.
وتتحمل الأسرة جانبا كبيرا من تبعات المشكلة، سواء من خلال تكلفة المواصلات اليومية أو الحاجة إلى توفير وسيلة انتقال خاصة للأطفال الأصغر سنا.
وبالتالي، فإن بُعد المدرسة قد يضيف أعباء مالية جديدة على الأسرة، في وقت تسعى فيه الدولة إلى تخفيف تكلفة الحصول على التعليم وضمان إتاحته أمام جميع الطلاب.
وتصبح المشكلة أكثر وضوحا في المناطق التي تشهد زيادة سكانية سريعة أو امتدادات عمرانية جديدة، بينما لا تواكب الخدمات التعليمية هذا النمو بالسرعة المطلوبة.
ولا ينبغي النظر إلى بُعد المدرسة باعتباره مشكلة مواصلات فقط، وإنما باعتباره أحد عناصر إتاحة وجودة الخدمة التعليمية.
فوجود مدرسة قريبة من التجمعات السكنية يساعد على تقليل أعباء الانتقال، ويمنح الأسرة قدرة أكبر على متابعة أبنائها، كما يساهم في الحد من التأخر والغياب، ويجعل الحصول على التعليم أكثر سهولة وعدالة.
ومن هنا تبرز أهمية التخطيط الجغرافي للمدارس، بحيث لا يقتصر التوسع على إنشاء مبان جديدة، وإنما يعتمد أيضا على دراسة توزيع السكان، ومعدلات النمو العمراني، وأعداد الطلاب في كل منطقة، وتوقع الاحتياجات المستقبلية قبل ظهور المشكلة.
ونرى ان النمو العمراني السريع يفرض تحديا إضافيا أمام منظومة التعليم، فبعض المناطق السكنية الجديدة قد تستقبل أعدادا متزايدة من الأسر خلال فترة قصيرة، بينما تظل المدارس المتاحة مصممة لخدمة أعداد سكانية أقل.
وهنا تصبح الحاجة ضرورية إلى خريطة تعليمية متجددة ترتبط بخطط التنمية العمرانية، بحيث يتم التفكير في المدرسة باعتبارها جزءا أساسيا من التخطيط لأي تجمع سكاني جديد، وليس خدمة يتم توفيرها بعد اكتمال البناء وزيادة الكثافة السكانية.
كما أن المدرسة التي تستوعب أعداد الطلاب حاليا قد تواجه بعد سنوات مشكلة في الكثافة، إذا لم تتم دراسة معدلات الزيادة السكانية مسبقا.
فان مواجهة الظاهرة تحتاج إلى حصر المناطق التي يعاني طلابها من طول مسافات الانتقال، وتحديد أعداد الطلاب، ودراسة الكثافات السكانية ومسارات الحركة اليومية، ثم وضع أولويات واضحة لإنشاء المدارس الجديدة.
كما يمكن الاستفادة من قواعد البيانات التعليمية والجغرافية في تحديد المناطق الأكثر احتياجا، وربط خطط إنشاء المدارس بالتوسع العمراني المتوقع، بدلا من الاكتفاء بمعالجة الاحتياجات بعد ظهورها.
وفي المناطق التي يصعب فيها إنشاء مدارس جديدة على المدى القريب، يمكن دراسة حلول انتقالية تساعد على تخفيف العبء عن الطلاب والأسر، مع ضمان أن تكون وسائل الانتقال آمنة ومنظمة ومناسبة لأعمار الطلاب.
نظراً ان جودة التعليم لا تبدأ داخل الفصل فقط، وإنما تبدأ منذ اللحظة التي يغادر فيها الطالب منزله متجها إلى مدرسته.
فالطالب الذي يقطع مسافة طويلة يوميا، ويستغرق وقتا كبيرا في الانتقال، يواجه تحديا إضافيا قبل أن يجلس على مقعده الدراسي، وهو تحد لا يتعلق بقدراته أو مستواه العلمي، وإنما بموقع المدرسة ومدى قربها من محل إقامته.
ومن ثم، فإن تحقيق العدالة التعليمية لا يعني فقط توفير مقعد دراسي لكل طالب، وإنما ضمان أن يكون هذا المقعد متاحا في مدرسة يمكن الوصول إليها بسهولة وأمان وفي وقت مناسب.
ويبقى السؤال أمام منظومة التعليم: هل نحتاج إلى مزيد من المدارس فقط، أم نحتاج أولا إلى خريطة أكثر دقة تحدد أين يجب أن تُبنى هذه المدارس؟







