حراس الكينونة.. هل تملك الحيوانات مفتاح النجاة وتعرف عن الحياة ما لا نعرفه نحن؟

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

 

ما يتناوله الكتاب

 

لطالما ارتبطت الحكمة في المخيال الإنساني بالكتب والفلاسفة وأصحاب التجارب الطويلة وكأن الوصول إلى حقيقة الحياة يحتاج بالضرورة إلى عقل شديد التعقيد أو رحلة شاقة من البحث والتأمل غير أن إيكهارت تول يقترح في كتابه رؤية أكثر بساطة وإثارة للتأمل فربما لا يحتاج الإنسان إلى البحث بعيدًا عن الحكمة لأن بعض أعظم دروسها يمكن أن يجدها في كائنات تعيش إلى جواره دون أن تنطق بكلمة واحدة؛ فالكلب الذي يلهو والقطة التي تستلقي في هدوء والطائر الذي يحلق دون أن يحمل هم الغد كلها تتحول في فلسفة تول إلى نماذج حية لما يسميه “الوجود” أو “الكينونة” غير أن القيمة الحقيقية لهذه الفكرة لا تكمن في تمجيد الحيوانات أو تقديمها بوصفها كائنات مثالية وإنما في استخدامها كمرآة تكشف للإنسان حجم المسافة التي صنعها بينه وبين لحظته الراهنة فالإنسان المعاصر يعيش في حالة نادرة من الانشغال الدائم جسده موجود في الحاضر لكن عقله غالبًا ما يكون عالقًا في الماضي أو مسافرًا إلى المستقبل يتذكر ما حدث ويعيد تحليل ما قاله الآخرون ويندم على قرارات سابقة ثم ينتقل إلى توقع ما سيحدث وما يجب أن يفعله وما قد يخسره وهكذا تصبح اللحظة التي يعيشها بالفعل مجرد محطة عبور بين ماضٍ لا يستطيع تغييره ومستقبل لم يصل بعد.

 

من هنا تأتي استعارة “حراس الكينونة” بوصفها واحدة من أكثر الأفكار جاذبية في النص فالحيوان وفق هذه الرؤية لا يعيش مأزق الهوية الإنسانية نفسه لا يبدو منشغلًا بتكوين صورة اجتماعية عن ذاته ولا يقضي يومه في مقارنة نفسه بالآخرين ولا يسأل باستمرار إن كان ناجحًا بما يكفي أو محبوبًا بما يكفي أو متفوقًا على غيره. إنه ببساطة يعيش وهذه البساطة تحديدًا هي التي يضعها تول في مواجهة التعقيد الإنساني؛ لكن هذه الفكرة تحتاج إلى قراءة نقدية لأن القول إن الحيوانات تعيش دائمًا في حالة حضور كامل قد يكون أقرب إلى التصور الفلسفي أو التأملي منه إلى الحقيقة العلمية المطلقة فالحيوانات تشعر بالخوف وتستجيب للتهديد وتتعلم من التجارب السابقة وتظهر لديها أنماط من الترقب والتوتر والسلوك الاجتماعي المعقد لذلك فإن المقارنة بين الإنسان والحيوان لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها حكمًا بأن الحيوان أكثر وعيًا أو حكمة من الإنسان بالمعنى المطلق وإنما باعتبارها استعارة تساعدنا على رؤية بعض جوانب تجربتنا النفسية؛ وهنا تكمن قوة الكتاب في الأساس فهو لا يطلب منا أن نصبح حيوانات وإنما أن نستعيد بعضًا مما فقدناه ونحن نتحول إلى بشر شديدي الانشغال بأنفسنا فالوعي الإنساني الذي يمثل إحدى أعظم قدراتنا قد يتحول إلى مصدر لمعاناتنا عندما يتحول التفكير من أداة إلى سلطة فالتفكير ضروري للتخطيط والتعلم واتخاذ القرارات لكن المشكلة تبدأ حين يفقد الإنسان القدرة على إيقافه فيصبح العقل غرفة لا يغادرها صاحبها، وهذه النقطة تجعل مفهوم “الحضور” أكثر من مجرد نصيحة رائجة حول الاسترخاء فالحضور عند “تول” هو محاولة لاستعادة العلاقة المباشرة مع الحياة فعندما يأكل الإنسان وهو منشغلًا  بهاتفه أو يجلس مع شخص يحبه بينما يفكر في العمل أو يمشي في مكان جميل وهو غارق في مشكلات لم تقع بعد فإنه يكون جسديًا في المكان لكنه غائب عنه نفسيًا لذلك يصبح الحضور فعلًا من أفعال المقاومة في عالم يزداد فيه التشتيت.

 

واللافت أن النص لا يقدم الطبيعة باعتبارها خلفية جميلة لحياة الإنسان وإنما باعتبارها مصدرًا للمعرفة، فالأشجار والطيور والحيوانات والزهور وحتى الصمت كلها تتحول إلى “لغة” مختلفة لا تستخدم الكلمات وهذه الفكرة تحمل بعدًا فلسفيًا مهمًا إذ إنها تنقل مفهوم المعرفة من المجال العقلي وحده إلى مجال التجربة فليس كل ما نتعلمه يأتي من الشرح وبعض الحقائق لا تُفهم إلا عندما نعيشها.

 

قد يقرأ الإنسان عشرات الكتب عن الهدوء دون أن يصبح أكثر هدوءًا بينما يمكن لمشهد بسيط لحيوان مستلقٍ في الشمس أن يوقظ داخله إحساسًا لا تستطيع عشرات الصفحات أن تصنعه وهنا تتجلى المفارقة التي يقوم عليها الكتاب: نحن نبحث عن إجابات معقدة لمشكلات ربما يكون جزء منها ناتجًا عن تعقيدنا المفرط للحياة.

 

ومن أكثر الجوانب الإنسانية في هذه الرؤية حديث تول عن العلاقة بين الإنسان والحيوان فالحيوان في التجربة اليومية لكثير من البشر لا يمثل مجرد كائن تتم رعايته بل يمكن أن يصبح مساحة عاطفية خالية من الأحكام لا يسأل الحيوان الإنسان عن رصيده أو مظهره أو مكانته الاجتماعية ولا يقارنه بغيره ولا يطالبه بأن يثبت استحقاقه للحب ولهذا تبدو العلاقة معه شديدة البساطة والصدق؛ لكن من المهم أيضًا ألا نبالغ في مثالية هذه العلاقة فالحيوان ليس بديلًا عن العلاقات الإنسانية المعقدة ولا يمكن اختزال الحب أو التواصل في علاقة الإنسان به إلا أن وجود الحيوان يمكن أن يذكر الإنسان بقيمة القبول غير المشروط وبأن المحبة لا تحتاج دائمًا إلى مبررات أو مفاوضات أو حسابات وربما يكون هذا أحد أسباب القوة النفسية التي تمنحها الحيوانات لأصحابها فهي تعيد الإنسان إلى علاقة أكثر مباشرة وأقل تصنعًا، كما أن فكرة الحب بلا شروط تفتح سؤالًا أوسع حول المجتمع الإنساني وهو لماذا أصبح الإنسان في كثير من الأحيان يشعر بأنه مطالب باستمرار بإثبات قيمته حتى يستحق القبول؟ لماذا تتحول العلاقات إلى مساحات للمقارنة والتقييم؟ ولماذا أصبح النجاح مرتبطًا إلى هذا الحد بنظرة الآخرين؟ الحيوان في هذا السياق لا يقدم درسًا في الحب فقط بل يكشف لنا حجم الشروط التي أضفناها نحن إلى حياتنا.

 

ومن هنا يمكن فهم نقد “تول” غير المباشر للإنسان الحديث فالمشكلة ليست في امتلاك التكنولوجيا أو الطموح أو السعي إلى المستقبل وإنما في أن يتحول المستقبل إلى مكان دائم للعيش الإنسان الذي يقول لنفسه: “سأكون سعيدًا عندما أنجح” ثم “سأرتاح عندما أحقق هذا الهدف” ثم “سأعيش عندما تنتهي هذه المشكلة” قد يقضي حياته كلها يؤجل الحياة وهكذا يصبح السعي إلى السعادة سببًا في فقدانها؛ وهذه إحدى أهم نقاط الكتاب وأكثرها قابلية للنقاش في الوقت نفسه فالدعوة إلى العيش في الحاضر قد تكون شديدة الإلهام لكنها لا تعني تجاهل المستقبل أو إلغاء التخطيط فالإنسان يحتاج إلى أن يتعلم من الماضي وأن يستعد للمستقبل، لذلك فإن التوازن الأكثر نضجًا ليس في رفض التفكير وإنما في ألا يسمح الإنسان للتفكير بأن يسرق منه الحاضر بالكامل.

 

كذلك تبرز في النص ثنائية مهمة بين “الوجود” و”الامتلاك” فالسعادة وفق الرؤية المطروحة لا تأتي بالضرورة من إضافة المزيد إلى الحياة وإنما من القدرة على رؤية الموجود أصلًا وهذه الفكرة تتحدى منطق الاستهلاك الذي يدفع الإنسان إلى الاعتقاد بأن نقصًا ما يعيشه يمكن تعويضه بشراء شيء جديد أو تحقيق إنجاز جديد أو الوصول إلى مكانة أعلى لكن هذه الفكرة أيضًا تحتاج إلى قدر من الحذر النقدي لأن المشكلات الإنسانية ليست كلها نتيجة غياب الوعي فهناك فقر ومرض وفقدان وعنف وظروف اجتماعية واقتصادية قاسية لا يمكن علاجها بمجرد “العيش في اللحظة” ومن الخطأ تحويل فلسفة الوعي إلى وصفة شاملة لكل أشكال المعاناة فالإنسان قد يحتاج أحيانًا إلى تغيير واقعه لا إلى تغيير طريقة تفكيره عنه فقط؛ وهذا ربما يكون أحد أهم الجوانب التي ينبغي للقارئ أن ينتبه إليها عند التعامل مع هذا النوع من الكتب: التأمل الروحي يصبح أكثر قيمة عندما يساعد الإنسان على التعامل مع الواقع لا عندما يدفعه إلى الهروب منه، فالسلام الداخلي لا ينبغي أن يكون ذريعة للاستسلام والحضور لا يعني التخلي عن الطموح والقبول لا يعني الرضا بالظلم أو الألم.

 

أما الرسوم التي ترافق كلمات “تول” فتؤدي وظيفة تتجاوز التزيين البصري فبساطة رسوم باتريك ماكدونل تنسجم مع الفكرة الأساسية للعمل: أحيانًا تحتاج الحكمة إلى أقل قدر ممكن من التعقيد والصورة التي تجمع إنسانًا بحيوان أو قطة تستريح أو كائنًا يحدق في العالم ببراءة يمكن أن تصبح لحظة صمت داخل كتاب فلسفي وهذا التفاعل بين الكلمة والصورة يجعل الفكرة أكثر قربًا من القارئ خصوصًا أن موضوع الكتاب نفسه يقوم على استعادة البساطة.

 

في النهاية لا يقدم “حراس الكينونة” درسًا عن الحيوانات بقدر ما يقدم درسًا عن الإنسان؛ فالحيوانات هنا ليست أبطالًا خارقين يمتلكون سرًا غامضًا للحياة وإنما مرايا تكشف لنا شيئًا عن طبيعتنا التي ابتعدنا عنها فهي تذكرنا بأننا لسنا مضطرين إلى تحويل كل لحظة إلى مشروع وكل علاقة إلى اختبار وكل يوم إلى سباق؛ والقيمة الأعمق في رؤية “تول” أنها تدفعنا إلى إعادة النظر في علاقتنا بالزمن فالماضي مكان للتعلم لا للإقامة والمستقبل مساحة للتخطيط لا للسكن أما الحاضر فهو المكان الوحيد الذي تحدث فيه الحياة بالفعل ، وبينما يطارد الإنسان إجابات كبرى عن معنى وجوده قد يجد جزءًا من الإجابة في فعل بالغ البساطة: أن يكون حاضرًا حيث هو.

 

ومن هذه الزاوية تصبح الحيوانات فعلًا “حراسًا للكينونة” لا لأنها تمتلك فلسفة واعية للحياة وإنما لأنها تذكر الإنسان بشيء نسيه وسط ضجيج الطموحات والمخاوف والمقارنات: أن الحياة لا تحدث في الأفكار التي نملكها عنها وإنما في اللحظة التي نعيشها وربما لا تكون الحكمة في أن نعرف المزيد بل في أن نتمكن أحيانًا من الصمت بما يكفي لنرى ما كان موجودًا أمامنا طوال الوقت.

 

إن الرسالة النهائية للعمل تبدو بسيطة لكنها ليست سهلة التطبيق وهي ألا تبحث عن السلام دائمًا في مكان بعيد ولا تربط سعادتك بشرط مستقبلي ولا تجعل عقلك يحرمك من اللحظة الوحيدة التي تملكها فعلًا، فقط انظر إلى الطبيعة وراقب الحيوان وأصغِ إلى الصمت ثم اسأل نفسك: كم من حياتي أعيشه فعلًا، وكم منه أقضيه في التفكير في الحياة؟ وربما تكون الإجابة عن هذا السؤال هي أول خطوة حقيقية نحو الكينونة.

 

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

 

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: حراس الكينونة (Guardians of Being)

المؤلف: المعلم الروحي الألماني إيكهارت تول

سنة النشر: 2009

عدد الصفحات: 126 صفحة

ISBN: 978-1401924317

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *