تمهيد
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
ما يتناوله الكتاب
في عالم تتعدد فيه الأدوار التي تؤديها المرأة وتتسارع فيه التوقعات الموضوعة على عاتقها لم يعد سؤال النجاح متعلقًا فقط بقدرتها على الوصول إلى أهدافها وإنما أصبح مرتبطًا أيضًا بقدرتها على معرفة ما تريده من الأساس فالمرأة المعاصرة تجد نفسها في مواجهة قائمة طويلة من المطالب؛ أن تكون ناجحة في عملها وحاضرة في أسرتها ومتوازنة نفسيًا وقادرة على إدارة علاقاتها ومهتمة بصحتها ومواكبة للتغيرات من حولها وكل ذلك دون أن تفقد صورتها المثالية التي رسمها المجتمع لها.
في هذا السياق يأتي كتاب “امرأة من طراز خاص” للكاتب والباحث في العلوم الإنسانية كريم الشاذلي، ليقدم خطابًا يقوم على فكرة تبدو بسيطة في ظاهرها لكنها شديدة الأهمية في جوهرها وهي أن التميز ليس صفة تولد مع الإنسان ولا امتيازًا تمنحه الظروف لفئة محدودة وإنما مجموعة من الاختيارات والعادات التي يمكن للمرأة أن تبنيها تدريجيًا؛ وهنا تكمن جاذبية الكتاب الأساسية فهو لا يتعامل مع التميز باعتباره حالة استثنائية تتطلب قدرات خارقة وإنما يرده إلى ممارسات يومية تبدأ من طريقة التفكير وتنتهي بطريقة إدارة الوقت والعلاقات والطاقة الشخصية، غير أن هذه الفكرة رغم قوتها التحفيزية، تحتاج إلى قراءة نقدية حتى لا يتحول خطاب التمكين إلى تحميل الفرد مسؤولية كل شيء وكأن الإرادة وحدها قادرة على تجاوز كل العوائق الاجتماعية والاقتصادية والنفسية.
تأتي “المبادرة” في مقدمة العادات التي يراها الكتاب أساسية في بناء شخصية المرأة المتميزة والفكرة هنا تتجاوز مجرد النشاط والحركة فهي انتقال من عقلية انتظار الظروف إلى عقلية التعامل مع الواقع باعتباره مساحة للفعل؛ هذه الفكرة مهمة خصوصًا في المجتمعات التي تربت فيها بعض النساء على انتظار الموافقة أو التشجيع أو الفرصة المناسبة فالمرأة التي تعتقد أن عليها انتظار اللحظة المثالية قبل أن تبدأ قد تجد نفسها بعد سنوات في المكان نفسه لأن الظروف المثالية نادرًا ما تأتي ، لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول الدعوة إلى المبادرة إلى شعار يختزل الواقع ليست كل امرأة قادرة على تغيير ظروفها بمجرد أن تقرر ذلك فهناك قيود مادية ومسؤوليات أسرية وبيئات مهنية غير عادلة وأحيانًا ظروف اجتماعية تجعل مساحة الاختيار محدودة؛ لذلك فإن قيمة المبادرة لا تكمن في إنكار العوائق وإنما في البحث عن المساحة التي يمكن للإنسان أن يتحرك داخلها رغم وجودها والقوة ليست في أن تقولي لنفسك إن كل شيء ممكن وإنما في أن تعرفي ما الذي تستطيعين تغييره وما الذي تحتاجين إلى التكيف معه وما الذي ينبغي أن تطلبي الدعم لتجاوزه.
يضع الكتاب الثقة بالنفس في قلب مشروع التميز وهي نقطة منطقية لأن الإنسان الذي لا يرى قيمة لما يمتلكه قد لا يستطيع تحويل إمكانياته إلى أفعال لكن من المهم التفريق بين الثقة بالنفس وبين الصورة المثالية عنها فالثقة ليست اعتقادًا دائمًا بأننا الأفضل وليست إنكارًا للضعف أو الفشل، أما الثقة الأكثر نضجًا هي أن يعرف الإنسان نقاط قوته دون أن يتجاهل نقاط ضعفه وأن يستطيع مواجهة النقد دون أن تتحطم صورته عن نفسه وهنا ينجح الكتاب في ربط الثقة بتقبل الذات والتطوير المستمر فالمرأة الواثقة ليست تلك التي تقول “أنا أستطيع كل شيء” وإنما التي تستطيع أن تقول “هذا ما أجيده وهذا ما أحتاج إلى تعلمه وهذا ما لا أعرفه بعد”؛ غير أن خطاب تطوير الذات قد يقع أحيانًا في فخ تحميل الفرد مسؤولية شعوره بعدم الثقة وكأن المشكلة دائمًا في نظرته إلى نفسه بينما قد يكون ضعف الثقة نتيجة بيئة مهنية أو أسرية شديدة الانتقاد أو تجارب متكررة من الفشل أو التهميش ومن ثم فإن استعادة الثقة تحتاج أحيانًا إلى تغيير البيئة وليس فقط تغيير الأفكار.
في السياق ذاته، يقدم الكتاب التخطيط وإدارة الوقت باعتبارهما من ركائز النجاح ولا شك أن القدرة على تحديد الأولويات وتنظيم المهام من المهارات الأساسية لأي شخص يريد إنجاز أهدافه لكن العبارة التي تجعل “العشوائية العدو الأول للإنجاز” تحتاج إلى شيء من النقد فليست كل حالات التعثر نتيجة سوء إدارة للوقت وأحيانًا تكون المشكلة في كثرة المسؤوليات أو غياب الموارد أو الإرهاق أو الضغوط النفسية أو عدم وضوح الأهداف من الأساس. كما أن تحويل إدارة الوقت إلى معيار للفارق بين “المرأة العادية” و”المرأة المتميزة” قد يحمل ضمنيًا حكمًا قاسيًا على النساء اللواتي يمررن بفترات من الفوضى أو الإنهاك فالإنسان ليس آلة إنتاج والراحة ليست وقتًا ضائعًا كما أن الحياة لا تسير دائمًا وفق جدول مضبوط ، لذلك تبدو الفكرة الأكثر نضجًا في هذا المحور هي أن إدارة الوقت ينبغي أن تعني إدارة الأولويات وليس محاولة ملء كل دقيقة بالعمل فالسؤال ليس: “كيف أستغل وقتي كله؟” وإنما: “في ماذا يستحق وقتي أن يُنفق؟”
ومن أكثر جوانب الكتاب أهمية حديثه عن الذكاء العاطفي والتواصل فالنجاح لا يحدث في عزلة والقدرة على فهم الآخرين والاستماع إليهم وإدارة الانفعالات تؤثر بصورة مباشرة في العلاقات الشخصية والمهنية؛ لكن النص يضيف تفصيلًا مهمًا عندما يدعو المرأة إلى أن تكون متعاطفة دون أن تذوب في رغبات الآخرين وهذه نقطة شديدة الأهمية لأن المرأة غالبًا ما تتعرض اجتماعيًا لضغط يجعلها مسؤولة عن راحة الآخرين ومشاعرهم، والتعاطف هنا لا يعني تحمل كل شيء واللطف لا يعني غياب الحدود والاستماع لا يعني الموافقة وربما تكون هذه الفكرة من أقوى الأفكار التي يمكن استخلاصها من الكتاب وهي أن الذكاء العاطفي الحقيقي لا يجعل المرأة أكثر قابلية للاستغلال وإنما أكثر قدرة على اختيار استجاباتها؛ فالمرأة التي تعرف كيف تقول “لا” دون عدوان وكيف تختلف دون إهانة وكيف تستمع دون أن تتنازل عن رأيها تمتلك نوعًا أكثر نضجًا من القوة الاجتماعية.
كما يتحدث الكتاب عن ضرورة التوازن بين الجسد والعقل والروح وهي فكرة أصبحت ضرورية في ظل ثقافة الإنجاز المستمر فالنجاح الذي يستهلك الصحة والعلاقات والطاقة النفسية قد يتحول في النهاية إلى شكل آخر من أشكال الخسارة، لكن خطاب التوازن نفسه قد يصبح عبئًا إذا قدم باعتباره مشروعًا آخر يجب على المرأة أن تنجح فيه فهي مطالبة بالعمل والإنجاز ثم بإدارة وقتها ثم بالحفاظ على صحتها ثم بالقراءة والتطور ثم بممارسة الرياضة ثم بالحفاظ على سلامها الداخلي؛ وهنا ينبغي أن نسأل: هل نحن أمام دعوة لتحرير المرأة من الضغوط أم أمام قائمة جديدة من المعايير التي تجعلها تشعر بأنها لا تفعل ما يكفي؟ فالتوازن الحقيقي ليس أن تؤدي المرأة كل الأدوار بكفاءة مثالية وإنما أن تعرف أن الأولويات تتغير من مرحلة إلى أخرى؛ فقد يكون العمل أولوية في فترة والأسرة في فترة أخرى والتعافي والراحة في فترة ثالثة فالحياة ليست مشروعًا واحدًا ثابتًا والنجاح لا يجب أن تكون له صيغة واحدة.
ومن الأفكار اللافتة التي يطرحها الكتاب الدعوة إلى التوقف عن مقارنة النفس بالآخرين وهي نصيحة تبدو بسيطة لكنها من أكثر النصائح صعوبة في التطبيق؛ ففي عصر وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت المرأة ترى باستمرار صورًا لحيوات تبدو مكتملة: نجاح مهني وجسد مثالي وأسرة سعيدة وسفر وأناقة وإنجازات ووشغف لا ينتهي لكن ما يظهر على الشاشة ليس الحياة كاملة وإنما نسخة منتقاة منها.
لذلك فإن مقارنة “البداية” الشخصية بـ”النهاية” الظاهرة لشخص آخر تؤدي غالبًا إلى الإحباط والمقارنة الأكثر عدلًا هي مع الذات: ماذا تعلمت؟ ماذا تغير في طريقة تفكيري؟ هل أصبحت أكثر قدرة على اتخاذ القرار؟ هل استطعت أن أتجاوز شيئًا كان يخيفني؟ لكن حتى مقارنة الإنسان بنفسه ينبغي ألا تتحول إلى ضغط دائم للتحسن فليس مطلوبًا أن يكون الإنسان أفضل كل يوم وهناك أيام للتقدم وأخرى للتراجع وأيام لا يكون فيها الإنجاز سوى القدرة على الاستمرار.
ربما تكون الدعوة إلى امتلاك القدرة على الرفض من أكثر الأفكار واقعية في الكتاب فكلمة “لا” ليست مجرد كلمة وإنما إعلان عن وجود حدود؛ فالمرأة التي لا تستطيع رفض ما يستنزفها قد تجد نفسها تعيش حياة اختارها الآخرون بالنيابة عنها وتقول نعم حتى لا تغضب أحدًا وتقبل أدوارًا لا تريدها وتتحمل مسؤوليات إضافية لأنها تخشى أن تبدو أنانية؛ لكن “لا” الصحية ليست قطيعة مع العالم بل طريقة لتحديد ما يمكن للآخرين أن يطلبوه وما لا يمكنهم طلبه ومن هنا تصبح الحدود جزءًا من احترام الذات لا وسيلة للعداء.
ومع ذلك، فإن القدرة على وضع الحدود تحتاج إلى بيئة تسمح بها ليس كل شخص يستطيع قول “لا” دون تبعات خصوصًا عندما يتعلق الأمر بعلاقات القوة في العمل أو الأسرة ولذلك فإن تمكين المرأة يجب ألا يكتفي بتعليمها الحدود بل ينبغي أيضًا أن يعترف بأن بعض البيئات تعاقب المرأة عندما تحاول وضعها.
وهنا تظهر المسألة النقدية الأهم في الكتاب فعبارة “امرأة من طراز خاص” جذابة لكنها تحمل ضمنيًا احتمالًا لصناعة نموذج جديد للمرأة المثالية: مبادرة وواثقة ومنظمة وذكية عاطفيًا ومتوازنة وصحية ومنتجة وقادرة على قول “لا” وتطور نفسها باستمرار؛ وهذا النموذج قد يكون ملهمًا لكنه قد يصبح مرهقًا إذا اعتقدت المرأة أنها مطالبة بأن تكون كل ذلك في الوقت نفسه، فالمرأة المتميزة ليست بالضرورة الأكثر إنتاجًا أو الأكثر انضباطًا أو الأكثر نجاحًا في نظر المجتمع فقد يكون تميزها في اختيار حياة تناسبها حتى لو لم تتطابق مع الصورة الشائعة للنجاح وقد تكون امرأة متميزة لأنها اختارت أن تتوقف أو تغير مسارها أو تعيد تعريف النجاح وفقًا لقيمها الخاصة.
وهذه النقطة مهمة جدًا لأن التمكين الحقيقي لا يعني استبدال سلطة المجتمع بسلطة جديدة تقول للمرأة كيف يجب أن تكون حتى تصبح “خاصة”.
أهم ما ينبغي إضافته إلى أفكار الكتاب هو أن النجاح نتاج تفاعل بين الإرادة والظروف فالإرادة مهمة والعادات مهمة والتخطيط مهم لكن الفرص ليست موزعة بالتساوي بين الجميع، لذلك فإن خطاب التمكين يصبح أكثر عدالة عندما يقول للمرأة: “استخدمي ما لديك من أدوات” بدلًا من أن يقول لها: “إذا لم تنجحي فأنت لم تبذلي ما يكفي”؛ هذه التفرقة ضرورية حتى لا يتحول كتاب تطوير الذات إلى خطاب يلوم المتعثرين فالفشل ليس دائمًا نتيجة الكسل والنجاح ليس دائمًا نتيجة الاجتهاد وحده فهناك عوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية تؤثر في المسارات الشخصية؛ ومع ذلك يبقى للكتاب فضل مهم في نقل المرأة من موقع المتلقية إلى موقع الفاعلة فهو لا يطلب منها انتظار الإنقاذ وإنما يشجعها على البحث عن مساحتها الخاصة في الاختيار والتغيير.
في النهاية يمكن النظر إلى “امرأة من طراز خاص” باعتباره كتابًا ينتمي إلى خطاب تمكين المرأة عبر إعادة بناء علاقتها بذاتها لا عبر تقديمها بوصفها بحاجة دائمة إلى إنقاذ الآخرين؛ وأهم أفكاره أن التميز لا يبدأ من الخارج وإنما من طريقة إدارة الإنسان لما يملكه من قدرات ووقت وعلاقات وطاقة فالمبادرة تخرجه من الانتظار والثقة تمنحه أساسًا داخليًا والتخطيط يمنحه اتجاهًا والذكاء العاطفي يحسن علاقاته والتوازن يحميه من الاحتراق؛ لكن القيمة الحقيقية لهذه الأفكار تظهر عندما نتعامل معها باعتبارها أدوات مرنة لا قوانين صارمة فالمرأة ليست مطالبة بأن تكون خارقة حتى تستحق التقدير ولا بأن تنجح في كل المجالات حتى تكون “من طراز خاص” وربما يكون أجمل ما يمكن استخلاصه من الكتاب هو أن التميز الحقيقي لا يعني أن تصبح المرأة نسخة مثالية من صورة رسمها الآخرون عنها وإنما أن تصبح أكثر وعيًا بمن تكون وماذا تريد وما الذي تستطيع فعله وما الذي لا تقبله؛ فالمرأة المتميزة ليست التي لا تسقط وإنما التي لا تسمح لسقوطها بأن يصبح تعريفًا نهائيًا لها وليست التي تعرف دائمًا الطريق وإنما التي تمتلك الشجاعة لإعادة رسمه عندما تكتشف أنه لم يعد يناسبها، والنجاح ليس أن تملكي حياة تبدو مثالية من الخارج وإنما أن تكون حياتك من الداخل أقرب إلى القيم التي تؤمنين بها، لهذا فإن المرآة التي يضعها الكتاب أمام القارئة لا ينبغي أن تكون مرآة لتقييم مدى اقترابها من نموذج المرأة المثالية وإنما مرآة لاكتشاف إمكانياتها وحدودها ورغباتها الحقيقية وحين تفهم المرأة أن قيمتها لا تحتاج إلى شهادة من الآخرين وأن قدرتها على قول “لا” لا تقل أهمية عن قدرتها على قول “نعم” وأن الراحة ليست فشلًا وأن تغيير الطريق ليس هزيمة يصبح التميز فعلًا أكثر إنسانية وأقل ضغطًا.
في النهاية ليست المرأة “من طراز خاص” لأنها تختلف عن جميع النساء وإنما لأنها تعرف أن خصوصيتها لا تحتاج إلى مقارنة وأن نجاحها لا يحتاج إلى نسخة مسبقة من الآخرين وأن أهم رحلة يمكن أن تخوضها ليست رحلة البحث عن امرأة مثالية تصبحها بل رحلة اكتشاف المرأة التي كانتها دائمًا ولم تمنح نفسها الوقت الكافي لتراها.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: امرأة من طراز خاص (العادات الخمس للمرأة الناجحة)
المؤلف: كريم الشاذلي
سنة النشر: 2009
عدد الصفحات: 210 صفحة
ISBN: 978-9777730211








