تمهيد:
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
في عالم تتسارع فيه التغيرات وتزداد فيه الضغوط الشخصية والمهنية أصبحت كتب تطوير الذات وحل المشكلات تحظى بإقبال واسع، لأنها تقدم للإنسان ما يبحث عنه دائمًا: تفسيرًا للأزمات وأملًا في تجاوزها وأدوات عملية للتعامل معها ويأتي كتاب “ليس مستعصيًا” للدكتور سعيد العمودي ضمن هذا السياق لكنه يحاول أن يتجاوز الخطاب التحفيزي التقليدي فيقدم رؤية تقوم على إعادة تشكيل طريقة التفكير قبل البحث عن الحلول، فالكتاب لا يبدأ من المشكلة بل يبدأ من العقل الذي يواجهها وكأن رسالته الأساسية تقول إن كثيرًا من الأزمات لا تكمن في الواقع بقدر ما تكمن في الطريقة التي ندرك بها هذا الواقع.
هذه الفكرة تمثل العمود الفقري للكتاب وهي أيضًا أكثر أفكاره أهمية فالدكتور سعيد العمودي يرفض فكرة “المشكلة المستحيلة” ويرى أن الاستعصاء ليس صفة ملازمة للأزمة بل نتيجة لتراكم الخوف والتردد والجمود الذهني ومن الناحية النفسية تحمل هذه الرؤية قدرًا كبيرًا من الصحة إذ تؤكد أبحاث علم النفس المعرفي أن طريقة تفسير الإنسان للمواقف تؤثر بصورة مباشرة في استجابته لها فالشخص الذي يرى الأزمة نهاية للطريق يتصرف بطريقة مختلفة تمامًا عن الشخص الذي يراها تحديًا يحتاج إلى تفكير جديد.
غير أن القراءة النقدية تستدعي التوقف عند هذه الفكرة بحذر، صحيح أن تغيير طريقة التفكير يسهم في توسيع دائرة الحلول لكنه لا يعني أن جميع المشكلات قابلة للحل بالمنهج العقلي وحده فهناك أزمات اقتصادية وصحية واجتماعية وسياسية تتجاوز قدرة الفرد مهما امتلك من مرونة ذهنية أو تفكير إيجابي ولذلك فإن قوة الكتاب تكمن في تشجيع الإنسان على عدم الاستسلام لكن من الضروري ألا تتحول هذه الرسالة إلى إنكار لتعقيد بعض الأزمات الواقعية.
ومن أبرز نقاط القوة في الكتاب أنه لا يكتفي بالشعارات بل يحاول تقديم أدوات عملية لتفكيك المشكلات ولعل فكرة “تجزئة الأزمة” من أكثر الأفكار نضجًا وفاعلية فهي تنطلق من مبدأ بسيط مفاده أن العقل يرهق عندما يواجه مشكلة ضخمة دفعة واحدة بينما يستطيع التعامل مع أجزاء صغيرة يمكن السيطرة عليها وهذه الفكرة ليست جديدة في حد ذاتها لكنها أثبتت نجاحها في مجالات متعددة من العلاج النفسي إلى إدارة المشروعات لأنها تقلل الشعور بالعجز وتحول المشكلة من كتلة غامضة إلى سلسلة من المهام الواضحة.
ويحسب للمؤلف أيضًا تركيزه على المرونة الذهنية وهي من أكثر المهارات التي يحتاجها الإنسان في العصر الحديث فالكتاب يرفض التفكير الجامد الذي يكرر الأساليب نفسها ويتوقع نتائج مختلفة ويدعو إلى تغيير زاوية النظر والبحث عن احتمالات جديدة وإعادة تعريف التحديات باعتبارها فرصًا للتعلم لا مجرد عقبات.
هذه الرؤية تنسجم مع ما يعرف اليوم بعقلية النمو التي تقوم على الإيمان بأن القدرات ليست ثابتة وأن الإنسان يستطيع تطوير مهاراته بالتجربة والتعلم إلا أن الكتاب يميل أحيانًا إلى تبسيط هذه الفكرة وكأن تغيير زاوية النظر وحده يكفي لتغيير الواقع بينما الحقيقة أن المرونة الذهنية تحتاج أيضًا إلى موارد وخبرات وبيئة تسمح بالتجريب وهي أمور لا تتوافر دائمًا للجميع.
ومن الأفكار اللافتة في الكتاب حديثه عن قيمة الخطأ ففي ثقافات كثيرة يُنظر إلى الفشل باعتباره وصمة ينبغي تجنبها بينما يرى المؤلف أن الخطأ ليس نهاية الطريق بل خطوة ضرورية في رحلة التعلم وهذه الرسالة تحمل بعدًا تربويًا مهمًا لأنها تشجع على المبادرة وتخفف من الخوف الذي يمنع كثيرًا من الناس من خوض التجارب الجديدة.
غير أن هذه الفكرة بدورها تحتاج إلى شيء من التوازن فليس كل خطأ فرصة للتعلم إذا كان ناتجًا عن إهمال أو تجاهل للمعرفة المتاحة كما أن بعض الأخطاء تكون كلفتها مرتفعة جدًا في مجالات مثل الطب أو الهندسة أو الطيران لذلك فإن الدعوة إلى تقبل الخطأ ينبغي أن تقترن أيضًا بالدعوة إلى التخطيط الجيد وتحمل المسؤولية.
ويتوقف الكتاب طويلًا عند العوائق النفسية التي يصنعها الإنسان بنفسه مثل عقلية الضحية والبحث عن الكمال والتصلب الفكري، وهذه من أكثر الفصول إقناعًا لأنها تكشف كيف تتحول بعض أنماط التفكير إلى سجون غير مرئية تمنع الإنسان من رؤية الحلول.
فالبحث عن الكمال على سبيل المثال يعد من أكثر أسباب التسويف انتشارًا فالإنسان ينتظر الظروف المثالية أو الخطة الكاملة أو القرار الذي يخلو من أي مخاطرة فيجد نفسه في النهاية عاجزًا عن اتخاذ أي خطوة وهنا يقدم الكتاب رسالة واقعية مفادها أن الحل الجيد الذي يُنفذ أفضل من الحل المثالي الذي يبقى حبيس التفكير.
أما حديثه عن عقلية الضحية فيحمل قدرًا من الصحة عندما يقصد الأشخاص الذين يتهربون من مسؤولياتهم ويلقون اللوم على الظروف في كل إخفاق، لكن القراءة النقدية تقتضي التنبيه إلى أن هذا المفهوم قد يُساء استخدامه أحيانًا فيُطلب من الإنسان أن يتحمل مسؤولية ظروف لا يملك تغييرها أو يُلام على معاناة سببها عوامل خارجة عن إرادته ومن هنا فإن الفرق بين تحمل المسؤولية وتحميل النفس كل شيء فرق جوهري يجب الحفاظ عليه.
ومن الجوانب التي تميز الكتاب أيضًا اهتمامه بالأسئلة التي يطرحها الإنسان على نفسه فهو يدعو إلى استبدال الأسئلة التي تغذي العجز مثل “لماذا يحدث هذا لي؟” بأسئلة عملية من قبيل: “ما أول خطوة يمكنني القيام بها؟” وهذه الفكرة مستوحاة من مبادئ العلاج المعرفي الذي يؤكد أن نوعية الأسئلة التي يكررها الإنسان تؤثر في طريقة تفكيره وسلوكه.
وتبرز هنا إحدى أهم رسائل الكتاب وهي أن الإنسان لا يستطيع دائمًا التحكم فيما يحدث له لكنه يستطيع إلى حد كبير التحكم في طريقة استجابته لما يحدث وهذه الرسالة تمنح القارئ شعورًا بالقدرة دون أن تنكر وجود التحديات.
كما يؤكد المؤلف على ضرورة الفصل بين المشاعر والحقائق وهي مهارة نفسية بالغة الأهمية فالخوف والغضب والإحباط مشاعر طبيعية لكنها قد تدفع الإنسان إلى اتخاذ قرارات متسرعة إذا أصبحت هي المصدر الوحيد للحكم على الواقع ، لذلك يدعو الكتاب إلى تهدئة الانفعال قبل اتخاذ القرار وهو مبدأ يتفق مع كثير من الدراسات التي تشير إلى أن التفكير المنطقي يصبح أكثر كفاءة عندما تنخفض حدة التوتر.
ومن الأفكار التي تستحق الإشادة أيضًا دعوته إلى طلب المشورة والاستفادة من خبرات الآخرين ففي زمن تمجد فيه بعض كتب التنمية البشرية فكرة الاعتماد الكامل على الذات، يذكرنا المؤلف بأن الحكمة لا تعني أن يعرف الإنسان كل شيء، وإنما أن يعرف متى يحتاج إلى من يساعده. وهذه رسالة واقعية تعزز قيمة التعلم والتعاون بدلًا من تمجيد الفردية المطلقة.
لكن رغم كل هذه الإيجابيات يظل الكتاب متأثرًا بالطابع التفاؤلي الذي يميز كثيرًا من كتب تطوير الذات فهو يفترض أن الإرادة والمرونة كفيلتان بتجاوز معظم العقبات بينما الواقع أكثر تعقيدًا فالنجاح لا يعتمد على التفكير وحده بل يتأثر أيضًا بعوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية قد تحد من قدرة الإنسان على تنفيذ ما يؤمن به.
وربما كان من المفيد لو منح الكتاب مساحة أكبر للحديث عن هذه العوامل حتى تبدو رسالته أكثر اتزانًا فالتفكير الإيجابي أداة مهمة لكنه ليس بديلًا عن التخطيط ولا عن العدالة الاجتماعية ولا عن توفر الفرص ومن هنا فإن القراءة الواعية للكتاب تقتضي الاستفادة من أدواته دون الوقوع في وهم أن كل مشكلة يمكن حلها بمجرد تغيير طريقة التفكير.
في النهاية، يقدم “ليس مستعصيًا” رسالة تستحق التأمل لأنه يعيد توجيه الإنسان نحو منطقة غالبًا ما يهملها وهي طريقة تعامله مع الأزمات قبل البحث عن حلولها فالكتاب لا يعد القارئ بحياة خالية من العقبات ولا يبيع أوهام النجاح السريع بل يدعوه إلى امتلاك عقل أكثر مرونة ونفس أكثر صبرًا وقدرة أكبر على التعلم من التجربة.
ومع ذلك فإن القيمة الحقيقية للكتاب لا تكمن في إقناعنا بأن كل شيء سهل وإنما في تذكيرنا بأن اليأس كثيرًا ما يكون أكبر من المشكلة نفسها فالأزمات ليست دائمًا قابلة للإزالة لكنها غالبًا قابلة للإدارة والإنسان قد لا يختار الظروف التي يواجهها لكنه يستطيع أن يختار الطريقة التي يتعامل بها معها وبين الاستسلام والمحاولة وبين الخوف والتجريب تتحدد ملامح الرحلة الإنسانية وهي الرسالة الأعمق التي ينجح هذا الكتاب في إيصالها إلى قارئه.
الكلمة الأخيرة
عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.
وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: ليس مستعصيًا
المؤلف: د. سعيد العمودي
عدد الصفحات: 285 صفحة
ISBN: EDU-8481285








