تمهيد:
كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالباً بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب ولا محاولة لاستبدال قراءته وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة وتناقشها في سياقها وتربطها بالواقع وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية وهنا لا نقرأ الكلمات فقط بل نقرأ ما وراءها.
ما يتناوله الكاتب:
عندما يبدأ الطفل في طرح الأسئلة الأولى عن العالم من حوله يظن كثير من الكبار أن التعلم الحقيقي يبدأ فقط مع دخول المدرسة لكن المفكر التربوي الأمريكي جون هولت يقدم رؤية مختلفة تمامًا في كتابه كيف يتعلّم الأطفال، فهو يرى أن الطفل يولد مزودًا بقدرة طبيعية هائلة على التعلم وأن الفضول ليس صفة مكتسبة بل هو المحرك الأساسي الذي يدفع الإنسان منذ سنواته الأولى إلى اكتشاف العالم ومن هنا يحاول الكتاب الإجابة عن سؤال بسيط في ظاهره لكنه شديد الأهمية: كيف يتعلم الأطفال بالفعل عندما نترك لهم الفرصة؟
يعتمد هولت على سنوات طويلة من الملاحظة المباشرة للأطفال داخل الفصول الدراسية وخارجها ويخلص إلى أن الطفل لا يتعلم بالطريقة التي يتخيلها كثير من البالغين، فالحفظ وحده لا يصنع معرفة، وتكرار المعلومات لا يضمن الفهم بينما تؤدي التجربة واللعب والبحث والمحاولة وحتى الوقوع في الخطأ دورًا أكبر بكثير في بناء المعرفة الحقيقية ولهذا ينتقد الأساليب التعليمية التي تجعل الطفل مجرد متلقٍ للمعلومات لأنها قد تضعف فضوله الطبيعي وتجعله يربط التعلم بالخوف من الخطأ بدلاً من متعة الاكتشاف.
ويرى المؤلف أن الأطفال يتعلمون من خلال مراقبة العالم المحيط بهم باستمرار، فهم يراقبون الكلمات التي يسمعونها والحركات التي يشاهدونها والعلاقات التي يعيشونها داخل الأسرة والمدرسة، ولذلك فإن البيئة التي يعيش فيها الطفل قد تكون أكثر تأثيرًا من أي كتاب أو درس، فالطفل الذي يجد من يشجعه على السؤال والتجربة ينمو لديه حب التعلم بينما قد يفقد هذا الشغف إذا كانت كل محاولة جديدة تقابل بالنقد أو السخرية أو العقاب.
ومن الأفكار المهمة التي يناقشها الكتاب أن الخطأ ليس عدوًا للتعلم، بل هو جزء أساسي منه فالطفل لا يكتسب المهارة لأنه نجح من أول محاولة، وإنما لأنه جرّب، وأخطأ، وعدّل طريقته ثم حاول مرة أخرى، ولهذا يدعو هولت إلى تغيير نظرتنا إلى الأخطاء داخل العملية التعليمية بحيث تصبح فرصة للفهم والتطوير لا سببًا للشعور بالفشل أو الخجل.
ويتناول الكتاب كذلك أثر الخوف في التعلم موضحًا أن الطفل الذي يخشى العقاب أو السخرية ينشغل بمحاولة تجنب الخطأ أكثر من انشغاله بفهم الفكرة نفسها، وعندما يصبح الهدف هو الحصول على الدرجة أو إرضاء المعلم يفقد التعلم معناه الحقيقي ويتحول إلى عملية مؤقتة تنتهي بانتهاء الاختبار، أما التعلم القائم على الفضول فإنه يبقى مع الإنسان لأنه مرتبط بالرغبة في المعرفة لا بالخوف من العقوبة.
كما يلفت المؤلف الانتباه إلى أن لكل طفل طريقته الخاصة في التعلم، فهناك من يتعلم بالمشاهدة وآخر بالممارسة وثالث بالحوار أو بالاستماع، ولهذا يرى أن محاولة فرض أسلوب واحد على جميع الأطفال قد تحرم كثيرًا منهم من استثمار قدراتهم الحقيقية، ويؤكد أن دور المعلم أو الوالد ليس ملء عقل الطفل بالمعلومات بل تهيئة الظروف التي تساعده على اكتشافها بنفسه.
ويخصص هولت جزءًا مهمًا من كتابه للحديث عن اللعب مؤكدًا أنه ليس مضيعة للوقت كما يعتقد البعض بل وسيلة تعليمية متكاملة، فمن خلال اللعب يتعلم الطفل حل المشكلات، واتخاذ القرار والعمل الجماعي والتفاوض وضبط المشاعر وهي مهارات يصعب اكتسابها من خلال الحفظ والتلقين فقط، ولهذا فإن التقليل من قيمة اللعب يعني في كثير من الأحيان التقليل من قيمة التعلم نفسه.
ولا يغفل الكتاب دور الأسرة موضحًا أن المنزل هو المدرسة الأولى للطفل وأن الكلمات التي يسمعها وطريقة تعامل والديه معه واستجابتهم لأسئلته كلها تترك أثرًا عميقًا في شخصيته وثقته بنفسه، فالطفل الذي يشعر بأن أسئلته محل تقدير يظل محتفظًا بحب المعرفة لفترة أطول بينما قد يتراجع فضوله إذا قوبلت تساؤلاته بالاستهزاء أو التجاهل.
وفي ختام الكتاب يؤكد جون هولت أن التعليم الحقيقي لا يبدأ بالمناهج وإنما يبدأ بالإنسان نفسه، فالطفل لا يحتاج فقط إلى من يلقنه المعلومات بل يحتاج إلى من يثق في قدرته على التعلم ويمنحه الحرية المناسبة للاستكشاف ويعامله باعتباره شريكًا في رحلة المعرفة، وعندما يحدث ذلك يصبح التعلم تجربة ممتعة تستمر مدى الحياة، لا مجرد مرحلة تنتهي بالحصول على شهادة.
حيث تلخص الكتاب في عدة محاور هي:-
1. الطفل يولد ولديه استعداد طبيعي للتعلم.
2. الفضول هو المحرك الأساسي لاكتساب المعرفة.
3. التجربة أهم من الحفظ في بناء الفهم.
4. الخطأ جزء ضروري من عملية التعلم.
5. الخوف يضعف قدرة الطفل على التفكير.
6. لكل طفل أسلوبه الخاص في التعلم.
7. اللعب وسيلة تعليمية فعالة.
8. البيئة الداعمة تنمي حب المعرفة.
9. الأسرة شريك أساسي في التعلم.
10. التعليم الحقيقي يبني شخصية مفكرة لا مجرد حافظ للمعلومات.
عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.
وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب:
العنوان: How Children Learn
المؤلف: John Holt
دار النشر: Da Capo Press
بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية
الطبعة: الطبعة الثانية (المنقحة)
سنة النشر: 1983
عدد الصفحات: 320 صفحة
رقم الإيداع: 1983014578
ISBN: 9780201484045