وكأنكِ من الهواء.. تجربة إنسانية حقيقية تعكس أقصى درجات الحب بين أم وابنة جمعهما ألم المرض وفرقهما الموت

تمهيد:

قد تُساق إلينا الكتب أحياناً كأفكارٍ ونظريات ولكن هناك كتباً استثنائية تُساق إلينا كقطعة مستقطعة من الروح مثلما نجد في كتاب “وكأنكِ من الهواء” (Come d’aria) للكاتبة والراقصة الإيطالية الراحلة آدا دي آدامو (Ada d’Adamo) فهو ليس مجرد سيرة ذاتية أو مذكرات عابرة بل هو رسالة حب موجعة ووداع أخير وشهادة صمود نادرة تُستل من قلب المعاناة.

ما يتناوله الكتاب:

هذا الكتاب الذي حاز على جائزة “ستريغا” (Strega) المرموقة في إيطاليا لعام 2023 بعد رحيل مؤلفته بوقت قصير، يقدّم تجربة إنسانية فريدة تجمع بين ألم مرضين: مرض الابنة ومرض الأم وكيف يمكن لحبل الأمومة المقدّس أن يحول هذا الثقل المادي الرهيب إلى خفة شفافة وكأن الجسد صُنع من الهواء.

تدور أحداث الكتاب حول العلاقة الاستثنائية التي تجمع بين الأم آدا وابنتها داليلا التي ولدت وهي تعاني من إعاقة حركية وعصبية شديدة “تلف دماغي ناجم عن خطأ في التشخيص الطبي أثناء الحمل” مما جعلها غير قادرة على الكلام أو الحركة كائنة خفيفة هشة وتحتاج إلى رعاية كاملة على مدار الساعة، لتتحول حياة والدتها آدا بالكامل وتتخلى عن شغفها بالرقص لتغوص في عالم الاستشارات الطبية والتأهيل والاحتياجات الخاصة ولكن القصة لا تتوقف عند هذا الحد إذ تُصاب الأم نفسها بعد سنوات بمرض سرطان الثدي في مرحلة متقدمة لتنقلب المعادلة فالأم التي كانت تجر جسد ابنتها الهش أصبحت هي الأخرى تملك جسداً متهالكاً يصارع الوجود.

ينسج الكتاب تفاصيله عبر أربعة أبعاد مؤلمة وجميلة في آنٍ  وهي… الرقص والجسد من الحركة المتقنة إلى الشلل والتعب، حيث تعتمد الكاتبة على خلفيتها كراقصة لتفهم الجسد، فالجسد بالنسبة لـ “آدا” ليس مجرد وعاء بل هو أداة للتعبير والحرية أما جسد الابنة (داليلا) فهو جسد يرفض الاستجابة لكنه يحمل براءة وخفة تجعل التعامل معه يشبه التلامس مع الهواء.

جسد الأم (آدا) الجسد الذي كان يتدرّب على الرقص والمرونة، يتحول إلى جسدٍ ينوء بحمل الرعاية، ثم يسقط تحت وطأة العلاج الكيميائي وهنا تقارن الكاتبة بين حركة الراقص التلقائية وبين الحركة اللانهائية التي تتطلبها الرعاية اليومية لابنتها، لتبين كيف أن الجسد يمكن أن يكون سجناً ومصدراً للحب الفائق في الوقت نفسه.

ويسرد الكتاب معركة الأمومة والرعاية الدائمة حيث تتطرق الكاتبة بشفافية متناهية وبدون أي تجميل زائف إلى الوجه الخفي للرعاية فهي لا تتحدث عن الأمومة بأسلوب شعاراتي مثالي بل تعترف بالتعب والإرهاق النفسي والنظرات المجتمعية المشفقة أو الجاهلة والروتين اليومي الشاق لكن وسط كل هذا الإنهاك يظهر حبٌّ أعمق من الظروف حبٌّ يرى الجمال في نظرة عينين من الابنة أو ابتسامة صغيرة لا يفهمها أحد غير الأم.

ومع الإنغماس في قراءة الكتاب نلاحظ تعمد الكاتبة في توضيح انقلاب الأدوار ومواجهة الفناء، فعندما علمَت آدا بمرضها العضال لم يكن خوفها الأول من الموت أو الألم بل كان: “من سيرعى داليلا من بعدي؟”، وهنا يتحول الكتاب إلى سباق مع الزمن وإلى حوار داخلي دافئ يمتلئ بالخوف والرجاء إذ تشعر الأم أنها أصبحت شريكة لابنتها في الهشاشة فكلاهما الآن بحاجة إلى مساعدة وكلاهما أصبحت لديه إمكانية أن يتبخر وكأنهما مصنوعتان من الهواء.

ولم تغفل الكاتبة عن تسليط الضوء أيضًا على معاناتها مع المؤسسات الطبية بدءاً من الخطأ الطبي الذي تسبب في حالة ابنتها وصولاً إلى البيروقراطية والإهمال الذي يواجهه ذوو الاحتياجات الخاصة وأسرهم مما يعد بمثابة صرخة هادئة ضد صمم المجتمع أمام آلام العائلات التي تعيش مع الإعاقة.

يتميز أسلوب آدا دي آدامو بالسرادة البسيطة والمباشرة والمجردة من العاطفية الابتذالية  فهي  تكتب بلياقة الراقصة كل كلمة في مكانها الصحيح لا توجد زوائد لغوية ولا استجداء لعطف القارئ، تكتب بأسلوبٍ حاد كالمشرط وشفاف كالهواء وممتلئ بالصدق الذي يجعلك تبكي وتتأمل في الوقت ذاته

بالإضافة إلى أن استخدامها لمفهوم “الهواء” كرمزية أساسية في الكتاب يخدم فكرتين وهما الخفة والغياب وهما الابنة التي تكاد تكون بلا وزن مادي والأم التي تقترب من التبخر بسبب المرض، أما الفكرة الثانية فهي الأكسجين والحياة فعلى الرغم من خفة الهواء إلا أنه الشرف الوحيد والمظلة التي تتنفس من خلالها هذه العائلة لتستمر في الحياة.

وإجمالُأ، هذا الكتاب يكشف عن نصٍ استثنائي يقع عند تقاطع الأدب والشهادة الذاتية والمقاومة الإنسانية، حيث تتأتى القوة التأثيرية في النص من المفارقة الثنائية التي يُبنى عليها وهي أن الجسد كأداة حرية مقابل الجسد كقيد، فالخلفية الفنية للكاتبة كـ “راقصة” تلقي بظلالها على النص كلياً فالراقص يدرك الخفة والسيطرة التامة على العضلات وانسيابية الحركة لكن النص يضعنا أمام مفارقة قاسية وهي جسد الابنة المحروم من الحركة كلياً وجسد الأم المفكك بفعل السرطان.

بلاغة السرد المحرَّر من الاستجداء حيث يُحسب للملخص إبرازه لسمة أساسية في أسلوب الكاتبة وهي الابتعاد عن العاطفية المبتذلة فالكاتبة لا تستجدي عطف القارئ بل تطرح معاناتها بلياقة شائكة تشبه حركة الراقص على المسرح حيث أن كل إيماءة لغوية محسوبة بدقة، ودون زوائد بلاغية.

تمثل العتبة العنوانية “وكأنكِ من الهواء” المفتاح الفلسفي الأساسي للنص حيث تتخذ رمزية الهواء دلالات متقابلة وهي: الخفة والتبخر فالإعاقة والسرطان يجردان الجسد من المادية الثقيلة فيتحول الجسدان (الأم والابنة) إلى حالة من الهشاشة الشديدة التي تقترب من التلاشي أو التبخر في الهواء، بالإضافة إلى الضرورة والوجود فعلى الرغم من هذه الهشاشة فإن “الهواء” هو الأكسجين الصافي الذي يمثل الحب والأنفاس الأخيرة للوجود. الحب هنا ليس مجرد شعور بل “قوة تكسر الجاذبية” وتحرر الشخصين من ثقل المرض والظروف الضاغطة.

في السياق ذاته يخرج الكتاب من النطاق الفردي والتأملي المحض ليتحول إلى وثيقة نقدية للمجتمع والمؤسسة  كمت يقوم بنزع المثالية الزائفة عن الأمومة إذ يجرؤ النص على إظهار الأمومة في أوقات إنهاكها النفسي ويعترف بالتعب والروتين القاتل دون خجل وهذا الطرح الشفاف يعيد تعاطينا مع مبدأ “الرعاية” كعمل شاق ومستمر وليس كمجرد عاطفة مجردة.

بالإضافة إلى تحويل المعاناة الفردية إلى صرخة واعية ضد الأخطاء الطبية والبيروقراطية وإهمال ذوي الإعاقة يمنح السيرة أبعاداً حقوقية وإنسانية واسعة تجاوزت إطار السرد الذاتي المغلق.

خطورة التماهي الكلي إذ يظهر في الملخص أن الأم ذابت بالكامل في تفاصيل حياة ابنتها ثم ذاب الجسدان في المرض ولكن على الرغم من جملية التعبير الأدبي عن هذا التماهي إلا أنه يعكس في عمقه حالة من “المحو الذاتي” الشديد الذي قد يخلق انطباعاً لدى القارئ بضياع حدود الهوية الفردية للأم قبل إصابتها بالمرض.

وأيضًا،  التكثيف المأساوي حيث يجمع النص بين فجيعتين كبيرتين (إعاقة الابنة نتيجة خطأ طبي + سرطان الأم المميت) هذا الشحن المأساوي الكثيف يضع القارئ أمام عبء عاطفي كبير يتطلب مناعة نفسية لاستيعاب كل هذا القدر من الوجع والقبول به.

وختامًا، كتاب “وكأنكِ من الهواء” ليس مرثية للرحيل بقدر ما هو احتفاء بالحياة في أقصى صورها هشاشة، لقد استطاعت الكاتبة أن تسكب الألم في سبيكة من النور محولةً الجسد المريض والمنهك إلى طاقة تعبيرية شفافة لتترك وثيقة أدبية وإنسانية تحفز القارئ على إعادة التفكير في مفاهيم الجسد والحب والزمن والرحيل، كما إنه ليس كتاباً عن المرض أو الموت بل هو كتاب عن الحياة وعن أقصى درجات الحب الإنساني، حيث تتركنا الكاتبة أمام حقيقة ناصعة وهي أن الأجسام قد تضعف تتألم وتتلاشى ولكن الحب الرقيق القائم على العطاء المجرد قادر على الصمود والتحليق فوق كل هذا الركام

لقد رحلت آدا دي آدامو عن عالمنا لكنها تركت لابنتها ولدول العالم هذه الرائعة الأدبية الخالدة لتقول لنا إننا حتى عندما نغادر أو نكون خفيفين كالهواء فإن أثر حبنا يبقى حياً يتردد صداه في أنفاس كل من يقرأ قصتنا.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، وينصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملا.

البطاقة التعريفية

كتاب “وكأنكِ من الهواء” Come d’aria

الطبعة الإيطالية

للكاتبة والراقصة الإيطالية الراحلة آدا دي آدامو Ada d’Adamo

نُشر لأول مرة في 12 يناير 2023

144 صفحة، نسخة كيندل

رقم الإيداع 9789778829136

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *