ثغرات الاستثمار في مصر.. فرص ضائعة خلف أبواب البيروقراطية

بقلم – آية عثمان

لا يقتصر نجاح الاستثمار على وجود رأس المال أو توافر الفرص، فالمستثمر يبحث قبل كل شيء عن بيئة واضحة يستطيع أن يتحرك داخلها بثقة، ويعرف فيها حقوقه والتزاماته ومسار مشروعه من البداية إلى النهاية، ومن هنا تبرز قضية “ثغرات الاستثمار” باعتبارها واحدة من الملفات التي تحتاج إلى قراءة مختلفة لا تركز فقط على جذب المستثمر وإنما على ما يحدث بعد وصوله إلى السوق.

في مصر تتنوع الفرص الاستثمارية في قطاعات عديدة، لكن بعض التحديات قد تحول الفرصة من مشروع قابل للنمو إلى تجربة مرهقة، وفي مقدمة هذه التحديات تأتي البيروقراطية التي قد تجعل الإجراءات أكثر تعقيدًا مما ينبغي خصوصًا عندما يتعامل المستثمر مع جهات متعددة ومتطلبات متباينة، والمشكلة هنا لا تتعلق فقط بطول الإجراءات وإنما بغياب المسار الواضح الذي يعرف المستثمر من خلاله إلى أين يتجه ومتى ينتهي من كل خطوة.

وتظهر ثغرة أخرى في تعدد الجهات التي قد يحتاج المستثمر إلى التعامل معها، فكلما زادت حلقات الموافقات والتراخيص والإجراءات زادت احتمالات التأخير وسوء الفهم وأصبح الوقت عنصرًا ضاغطًا على المشروع، فالمستثمر لا يقيس تكلفة المشروع بالأموال وحدها، وإنما يحسب أيضًا تكلفة الوقت والانتظار وعدم وضوح القرار.

أما التشريعات، فاستقرارها ووضوحها يمثلان عنصرًا أساسيًا في بناء الثقة إذ يحتاج المستثمر إلى قواعد مفهومة يمكنه التخطيط على أساسها كما يحتاج إلى معرفة كيفية تطبيقها على أرض الواقع، فالفجوة بين النص القانوني والممارسة الفعلية قد تخلق مساحة من عدم اليقين حتى عندما تكون القوانين في ظاهرها داعمة للاستثمار.

ومن الثغرات التي تستحق الانتباه كذلك صعوبة الوصول إلى المعلومات، فالمستثمر، خاصة القادم من الخارج، يحتاج إلى معرفة دقيقة بالفرص المتاحة وطبيعة السوق والإجراءات والاشتراطات والحوافز والجهات المسؤولة، وكلما كانت المعلومات متاحة بصورة واضحة ومحدثة ومنظمة أصبح اتخاذ القرار الاستثماري أكثر سهولة، أما غياب المعلومات أو تشتتها بين مصادر متعددة فقد يدفع المستثمر إلى الاعتماد على وسطاء أو اجتهادات شخصية.

ولا يمكن تجاهل تحدي الأراضي وتخصيصها للمشروعات، فالمستثمر لا يبحث فقط عن قطعة أرض، بل يريد معرفة مدى ملاءمتها لنشاطه ووضعها القانوني وإجراءات تخصيصها، والخدمات المتاحة حولها وإمكانية التوسع مستقبلًا، لذلك فإن وضوح منظومة إتاحة الأراضي يمثل جزءًا من الصورة الكاملة للقرار الاستثماري.

هناك أيضًا ثغرة مرتبطة بما يمكن تسميته “رحلة المستثمر”، فبعض السياسات قد تكون جيدة عند نقطة البداية لكن المستثمر يحتاج إلى منظومة متكاملة ترافقه خلال مراحل التأسيس والتشغيل والتوسع والتصدير، فجذب المستثمر ليس نهاية القصة، بل بداية علاقة اقتصادية طويلة تحتاج إلى متابعة وحل للمشكلات وسرعة في الاستجابة.

وتبرز أهمية الرقمنة هنا بصورة أكبر، فالتحول الرقمي لا يعني فقط نقل الأوراق إلى منصات إلكترونية وإنما إعادة تصميم الإجراءات نفسها لتصبح أكثر بساطة وترابطًا، فالمنصة الإلكترونية التي تطلب من المستثمر المرور بالخطوات المعقدة نفسها لن تحل المشكلة بالكامل؛ والمطلوب هو تقليل الحلقات غير الضرورية وربط الجهات وتوحيد البيانات قدر الإمكان.

كما أن دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة يحتاج إلى نظرة مختلفة؛ فالمستثمر الكبير يمتلك عادة القدرة على توفير فرق قانونية وإدارية متخصصة، بينما قد يواجه صاحب المشروع الأصغر التعقيدات نفسها بموارد محدودة، لذلك فإن تبسيط الإجراءات أمام هذه الفئة يمكن أن يكون مدخلًا مهمًا لتوسيع قاعدة الاستثمار وتحويل الأفكار والمشروعات الصغيرة إلى كيانات أكثر قدرة على النمو.

المشكلة إذن ليست في غياب الفرص، وإنما في المسافة بين الفرصة وإمكانية استغلالها، وكل ثغرة إجرائية أو تشريعية أو معلوماتية يمكن أن تتحول إلى تكلفة إضافية، وكل تكلفة غير ضرورية قد تؤثر في قرار المستثمر.

ولذلك فإن تطوير مناخ الاستثمار لا يجب أن يقوم فقط على تقديم حوافز جديدة، بل أيضًا على مراجعة ما يواجهه المستثمر داخل المنظومة نفسها؛ فالحوافز قد تجذب الانتباه لكن سهولة الإجراءات ووضوح القواعد وسرعة حل المشكلات هي التي تساعد على بناء الثقة والاستمرارية.

لذا؛ فإن الاستثمار الناجح لا يحتاج فقط إلى سوق واعدة، وإنما إلى بيئة تجعل الطريق إليها أكثر وضوحًا، ومعالجة ثغرات الاستثمار في مصر تبدأ من سؤال بسيط لكنه جوهري وهو “كيف نجعل المستثمر ينفق وقته وطاقته في تطوير مشروعه بدلًا من إنفاقهما في البحث عن طريق الوصول إلى المشروع؟” هذا السؤال قد يكون نقطة البداية لإعادة التفكير في منظومة الاستثمار، ليس من زاوية جذب رأس المال فقط وإنما من زاوية الاحتفاظ به وتحويله إلى مشروعات مستدامة وفرص عمل وقيمة مضافة للاقتصاد.

وفي هذا الصدد، يتشرف موقع “بكرة” وبرنامج مصر بكرة بدعوة سيادتكم للمشاركة في مؤتمر “الاستثمار في مصر وصناعة المستقبل: التحديات والفرص.. من الفكرة إلى الاستثمار.. ومن الاستثمار إلى الإنتاج”. المقرر انطلاقه يوم السبت الموافق 3 أكتوبر 2026

ومن المقرر مناقشة أهم أفضل الحلول المقترحة لتنمية استثمار المشروعات في مصر: “من أين تبدأ؟.. أين تستثمر ؟.. وكيف تحوّل فكرتك ومدخراتك إلى مشروع وقيمة وإنتاج ؟”

ويأتي هذا المؤتمر بمشاركة وتشريف كوكبة مميزة من كبار المسئولين ورجال الاقتصاد ورجال الأعمال والمجتمع المدنى والإعلاميين والمواطنين.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *