التعليم القائم على المهارات: طريق جديد لإعداد طالب قادر على التعلم والتطبيق

كتبت: منى محمد

يقول الفيلسوف الأمريكي جون ديوي، إن التعليم لا ينبغي أن يكون مجرد إعداد للحياة، بل إن التعليم نفسه هو الحياة، وتنطلق هذه الفكرة من تصور مختلف لطبيعة التعلم، فالمعرفة لا تكتسب قيمتها الحقيقية عندما تُحفظ في الذاكرة، وإنما عندما تتحول إلى خبرة وممارسة وقدرة على التعامل مع الواقع، ومن هذا المنطلق يمكن فهم التعليم القائم على المهارات بوصفه انتقالًا من سؤال «ماذا يعرف المتعلم؟» إلى سؤال أكثر عمقًا «ماذا يستطيع المتعلم أن يفعل بما يعرفه؟»

ويستند هذا الاتجاه إلى تصور بنائي للتعلم، يرتبط بأفكار جان بياجيه وليف فيجوتسكي حول أن المتعلم لا يستقبل المعرفة بصورة سلبية، بل يبنيها من خلال التفاعل مع البيئة والخبرات والآخرين، ولذلك يصبح التعلم القائم على المهارات عملية نشطة يمارس فيها الطالب التفكير والتجريب وحل المشكلات والتعاون، ثم يوظف ما تعلمه في مواقف جديدة، فتعلم مهارة حل المشكلة مثلًا لا يتحقق بحفظ خطوات نظرية، وإنما بمواجهة مشكلات حقيقية وتحليلها وتجريب حلول مختلفة وتقييم النتائج.

و يختلف التعليم القائم على المهارات عن النموذج التقليدي الذي قد يجعل حفظ المحتوى معيارًا أساسيًا لنجاح المتعلم، فالمعلومة تظل مهمة، لكنها تصبح وسيلة وليست غاية في حد ذاتها، فالطالب الذي يعرف تعريف التفكير النقدي لكنه لا يستطيع تحليل حجة أو اكتشاف تناقض أو تقييم مصدر للمعلومات لم يصل بعد إلى مستوى امتلاك المهارة، أما التعليم القائم على المهارات فيسعى إلى تحويل المعرفة إلى أداء يمكن ملاحظته وقياسه وتطويره.

وتظهر أهمية هذا النوع من التعليم بصورة أكبر في عالم سريع التغير، حيث لم يعد كافيًا أن يمتلك الفرد مجموعة ثابتة من المعلومات، فالمعلومات نفسها تتغير وتتجدد، بينما تظل مهارات مثل التعلم الذاتي والتفكير النقدي والتواصل والإبداع وحل المشكلات والعمل الجماعي أدوات تساعد الإنسان على التعامل مع التغير المستمر، ولهذا فإن المدرسة أو الجامعة التي تركز على المهارات لا تسأل الطالب فقط عما تعلمه، وإنما تهتم بقدرته على استخدام هذا التعلم عندما يواجه موقفًا جديدًا.

ويتغير دور المعلم أيضًا، في هذا النموذج، إذ لا يعود المصدر الوحيد للمعرفة، وإنما يصبح مصممًا لخبرات التعلم وموجهًا للطلاب أثناء ممارستهم للمهارات، ويمكن أن يستخدم المشروعات ودراسة الحالات والتجارب والمناقشات والعمل الجماعي والمواقف الواقعية، بحيث يصبح الطالب مشاركًا في بناء تعلمه بدلًا من أن يكون مجرد متلقٍ للمعلومات.

كما يتغير مفهوم التقويم، فإذا كان الهدف هو إتقان المهارة، فإن الاختبار الذي يقيس قدرة الطالب على تذكر المعلومات وحده لا يكفي، وينبغي أن يتضمن التقويم مواقف عملية تكشف قدرة المتعلم على توظيف المعرفة وتحليل المشكلات وإنتاج الحلول، وهنا يصبح الخطأ جزءًا من عملية التعلم، لأنه يكشف للمتعلم ما يحتاج إلى تطويره بدلًا من أن يكون مجرد سبب لفقدان الدرجات.

و يمكن النظر إلى التعليم القائم على المهارات باعتباره ترجمة عملية لفكرة ديوي عن التعلم من خلال الخبرة، فالمتعلم لا يصبح أكثر كفاءة لأنه يعرف أكثر فحسب، وإنما لأنه يفهم ويجرب ويطبق ويخطئ ويعيد المحاولة ثم يوظف ما تعلمه في سياق جديد، وهذه هي النقلة الأساسية التي تجعل التعليم وسيلة لبناء إنسان قادر على التفكير والعمل والتكيف، لا مجرد وسيلة لاجتياز الاختبارات.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *