كتبت: منى محمد
الفرحة ليست زائرةً عابرةً تطرق أوتار قلوبنا ثم تمضي في زحام المدى، بل هي جذوة نور متوهجة، يزداد لهيبها كلما تقاسمنا الدفء، وتبادلنا المحبة والرحمة، وهي أمانة إنسانية غالية، ومسؤولية يتقاسمها كل عابر في هذه الحياة تجاه من حوله، فبكلمة طيبة تخرج كالنسمة، وابتسامة صادقة تشرق كالفجر، ولمسة اهتمام حانية، نستطيع أن نغرس بذور الأمل في قحط النفوس، ونرسم البهجة لوحةً حيةً على الوجوه المتعبة.
العطاء الإنساني يبدأ بإنصات القلب ومشاركة المشاعر
أبهى ما يمكن أن يجود به إنسان لأخيه، هو رداء حسن الخلق، وتاج الاحترام والتقدير، ونقاء الإخلاص في التعامل، فهذه القيم الرفيعة تشيد جسوراً من المودة فوق فجوات الجفاء، وتمنح الروح ملاذاً آمناً تشعر فيه بالانتماء، كما أن الإنصات الصامت بعين القلب لا بأذن الجسد، والوقوف كتفاً بكتف في ملمات الشدة، ومقاسمة الآخرين ترانيم أفراحهم ومواساتهم في سرادق أحزانهم، يمثل ذروة السمو وبلوغ غاية العطاء الإنساني، فالمرء في مسيرته لا يحتاج دائماً إلى فلسفة الحلول، بقدر حاجته إلى حضن دافئ يشعره بأنه مسموع ومقبول دون قيود أو أحكام.
الفرح أثر نقي تتركه المواقف الصادقة لا الأموال
ولم يكن الفرح يومًا سلعةً تُشترى بالمال أو تُقاس بالمتاع، بل هو أثر قدسي ناصع تتركه الأرواح النقية في دروب العابرين، فقد تكتفي الروح بعبارة تشجيع تلمس مكامن الضعف فترمم ما انكسر منها، أو مصافحة عفوية في زحام اليوم، أو دعوة خفية تصعد إلى السماء في سكون الليل، لتكون تلك اللفتات البسيطة بمثابة طوق نجاة يغير مجرى يوم بأكمله، وربما يبدل تفاصيل حياة استبد بها اليأس.
التسامح واللين هما التربة التي تزهر فيها الطمأنينة
ولأن ينابيع السعادة تنبثق من أبسط الإيماءات، فإنها لا تنمو وتورق إلا في تربة التسامح والتعاون والتغافل الذكي، وحين نمشي بين الناس باللين والرحمة، ونلتمس لهم سبعين عذرًا، مستحضرين غياهب المعارك الخفية التي يخوضها كل إنسان في كواليس صدره، فإننا نهبهم طمأنينة السلام، وننزع أشواك الضغينة لتصفو الضمائر وتشرق دروبنا بجميل الوداد.
الفرح الحقيقي يكتمل حين نتقاسمه مع الآخرين
متى استقر في وجداننا، أن إسعاد الآخرين رسالة سماوية مقدسة تنبض بالحب قبل أن تكون واجباً تمليه العادات، فإن مجتمعاتنا ستخلع عنها رداء البرود وتغدو أكثر دفئاً وألفة، وتزهر ساحاتها بروح التكاتف والوئام، وحينها فقط سنستشف يقينًا أن الفرح الحقيقي طائر لا يغرد بجناح واحد، ولا يكتمل شدوه إلا عندما نطلقه في سماء من حولنا، لندرك في نهاية المطاف أن كل زهرة بهجة نغرسها في حدائق غيرنا، يفوح شذاها أولاً ليعطر أعماق نفوسنا نحن.