كتب : رشا محمد
جعل الله تعالى العمل قيمة عظيمة في حياة الإنسان وربط بينه وبين السعي والرزق وعمارة الأرض ولم يكن الأنبياء عليهم السلام دعاة إلى العبادة وحسب بل كانوا قدوة في الجد والاجتهاد والكسب الحلال وقد مارس كل نبي عملا يناسب زمانه وظروفه ليؤكد للناس أن العمل الشريف لا ينتقص من مكانة صاحبه بل يزيده رفعة وكرامة ومن يتأمل سير الأنبياء يجد أن حياتهم كانت مدرسة عملية تعلم البشرية أن النجاح لا يتحقق بالأماني وإنما بالعمل والإخلاص والصبر، ومن أروع النماذج في ذلك نبي الله نوح عليه السلام الذي أمره الله تعالى بصناعة السفينة استعدادا للطوفان العظيم وقد كان هذا العمل شاقا وغير مألوف لقومه الذين كانوا يسخرون منه كلما مروا به ويستهزئون بصنعه سفينة في مكان بعيد عن البحر ومع ذلك لم يتوقف نوح عن عمله ولم تضعف عزيمته أمام سخرية الناس بل واصل البناء بثقة كاملة في وعد الله حتى اكتملت السفينة وأصبحت سببا في نجاته ونجاة المؤمنين معه وتعلمنا هذه القصة أن الإنسان الناجح لا يلتفت إلى استهزاء الآخرين إذا كان يسير في طريق الحق وأن الإيمان والصبر والعمل المتقن يقودان إلى النجاح، ولو طال الطريق.
ومن النماذج المشرقة أيضا نبي الله داود عليه السلام الذي آتاه الله الملك والحكمة ومع ذلك لم يعتمد على مكانته أو سلطانه بل كان يعمل بيده ويصنع الدروع المحكمة التي يستخدمها الجنود في الحروب وقد علمه الله تعالى هذه الصنعة وأمره بإتقانها فقال سبحانه: «وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ» ويظهر من هذه الآية أن الإسلام يدعو إلى الإبداع والإتقان في العمل وأن الحاكم أو صاحب المنصب لا يستغني عن الكسب المشروع والعمل المنتج كما نتعلم من داود عليه السلام أن قيمة الإنسان لا تقاس بما يملك من سلطة أو مال وإنما بما يقدمه من نفع للناس وبما يتحلى به من أمانة وإخلاص.
أما خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فقد قدم للبشرية أروع مثال في حب العمل والاعتماد على النفس ففي شبابه عمل راعيا للغنم وهي مهنة تحتاج إلى الصبر والرحمة وتحمل المسؤولية وقد أكسبته هذه التجربة صفات عظيمة ظهرت في قيادته لأمته بعد ذلك ثم عمل في التجارة واشتهر بين الناس بالأمانة والصدق حتى لقبوه بـ الصادق الأمين وكان الناس يطمئنون إلى معاملاته ويثقون في أخلاقه فلم يكن يغش أو يخدع أو يظلم أحدا بل جعل الصدق أساسا لكل تعامل وهكذا أصبحت تجارته نموذجا يحتذى في النزاهة وحسن المعاملة وأثبت أن الأخلاق هي أساس النجاح الحقيقي في الحياة.
وتجمع هذه النماذج الثلاثة معاني عظيمة ينبغي أن يتحلى بها كل إنسان سيدنا نوح عليه السلام يعلمنا الصبر والثبات وعدم الاستسلام للسخرية أو العقبات وسيدنا داود عليه السلام يعلمنا قيمة الإتقان والعمل اليدوي الشريف وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يعلمنا أن الأمانة والصدق هما سر النجاح في كل مهنة كما تؤكد هذه النماذج أن الإسلام لا يفرق بين العمل الديني والعمل الدنيوي إذا كان العمل نافعا ومشروعا بل يجعل كل جهد يبذله الإنسان في سبيل الكسب الحلال وخدمة المجتمع عملا كريما يستحق الاحترام، وفي حياتنا اليومية نحن في حاجة إلى الاقتداء بالأنبياء في أعمالهم وأخلاقهم يجب على الطالب أن يجتهد في دراسته والطبيب يخلص في علاج مرضاه والمعلم يؤدي رسالته بإخلاص والعامل يتقن صنعته والتاجر يلتزم الصدق والأمانة وعندما يؤدي كل فرد عمله بإتقان وإخلاص يصبح المجتمع أكثر قوة وتقدما وتسوده الثقة والتعاون والمحبة بين أفراده.
ويتأكد لنا في النهاية من خلال سير الأنبياء عليهم السلام أن العمل ليس مجرد وسيلة لكسب الرزق بل هو رسالة وأمانة وطريق لبناء الإنسان والمجتمع لقد ضرب نوح وداود ومحمد عليهم الصلاة والسلام أروع الأمثلة في الجد والاجتهاد والإتقان فأثبتوا أن أشرف الناس هم أكثرهم نفعا للناس وأن العمل الشريف مهما كان نوعه يظل مصدرا للعزة والكرامة إذا صاحبه الإخلاص وحسن الخلق ولذلك ينبغي أن نجعل من الأنبياء قدوتنا في العمل ونؤديه بإتقان ونلتزم فيه بالأمانة ونسعى إلى خدمة أوطاننا ومجتمعاتنا لنحقق النجاح في الدنيا وننال رضا الله تعالى في الآخرة.