الكتان العريس الغائب الحاضر؟!

 

علي مدي عشرات السنين ظل الكتان المصري أجود الأنواع في العالم، ذلك أن  الفلاحين اعتادو تعطين المحصولعند حصاده مطلع الصيف  في المجاري المائية من ترع ومصارف، فيما اعتاد الصينيون تعطينه عبر تركه في الحقول للندي بهدف استخراج الألياف من سيقان الكتان.

وظلت صادراتنا منه تدر علينا دخلا لا بأس به من العملة الصعبة..غير انه مع  تقلبات الزمان تراجعت مساحة زراعته وانصرف الفلاحون عنه،  وبخاصة ابناء  محافظة الغربية أكثر المحافظات انتاجا  للمحصول وامتلاكا للمصانع القادرة علي    استخراج  نحو أحد عشر منتجا منه.

 

كونه محصولا شتويا يتواكب موعد  زراعته مع محصولي القمح والبرسيم، ولكل    منهما اهميته القومية وعائدة الذي لايستهان به…غير أن  الكتان ليس محصولا عاديا حيث  يستخرج منه الألياف الطويلة التي تستخدم في تصنيع الملابس الفاخرة،    والمنسوجات المنزلية المتينة.

اضافة لزيت الكتان المعروف باسم “الزيت الحار” الذي يستخرج من  عصر البذور ويُستخدم في الأغذية والصناعات الطبية..والزيت المغلي المستخدم في صناعة  الدهانات حيث  يُعالج زيت البذور ليدخل في صناعة البويات والطلاءات..ناهيك عن استخدام مخلفاته في انتاج علفا للحيوانات.

 

ولا يمكننا أن ننسي الدوبارة والحبال حيث  تُفتل أليافه لصناعة خيوط الخياطة القوية والحبال المستخدمة في مختلف الأغراض خاصة تلك التي تستخدم في شد هلب  السفن علي مختلف أنواعها..فضلا عن استخدام قش الكتان المتبقي بعد  استخراج     الألياف في انتاج ألواح الخشب ومواد البناء.

 

وحرصت الدولة في الفترة الماضية علي أن يستعيد الكتان عرشه كونه ذو سمعة  عالمية لا تقل عن سمعة القطن طويل التيلة، فارتفعت مساحة زراعته من 6 آلاف   عام 2020 إلي 55 ألف فدان عام 2026، و تستهدف الوصول بهذه المساحة  إلي   100 الف فدان بحلول عام 2030.

وبدأت الحكومة في دراسة تعزيز مكانة مصر في سلاسل القيمة العالمية لصناعة الكتان، وسرعة النفاذ إلى الأسواق المحيطة ، تمهيدا  لتحويل مصر إلى مركز إقليمي لصناعة الكتان بحلول عام 2030، اعتمادا  على عدة محاور لتطوير سلسلة قيمة صناعة الكتان وطنياً..

 

ويبقي السؤال لماذا يعزف الفلاح عن زراعته، ربما لأن سعر توريد أردب القمح    ذو درجة نقاوة 23.5% قد وصلت إلي  2500جنيه، وأن انتاجية الفدان منه في الوادي  والدلتا لا تقل عن ثمانية عشر أردبا ومعني ذلك أن مبيعات الفدان قد تصل    إلي أكثر من خمسة وأربعين ألف جنيه.

وبالرغم من أن المنافسة غير منطقية في ظل ارتفاع أسعار القمح عالميا وتراجع     معدلات تسويقه نتيجة اندلاع الحروب هنا وهناك، وبخاصة حرب روسيا واوكرانيا   اللتان تتحكمان في 30% من حجم التجارة العالمية من الحبوب.

إلا أن طبيعة الدورة الزراعية تتطلب عدم زراعة القمح بصفة مستمرة في نفس الأرض،  حتي لا تنخفض انتاجيتها ، فلابد من  الفصل بين كل زرعتين بمحصول   أو آخر ، حتي لا تتدهور جودة الأرض.

وفي بلد تستورد نحو 90% من احتياجاتها من الزيوت يصبح من المنطقي تشجيع زراعة المحاصيل الزيتيه وفي مقدمتها القطن والكتان، حيث يتراوح متوسط انتاجية  الفدان من قش الكتان بين 4 إلي 5.5 طن، ومتوسط انتاجيته من الألياف بين    500إلي 930 كيلو جرام، فيما يتراوح متوسط انتاجيته من البذور بين  400 إلي 825    كيلو  جرام للفدان.

ومن اللافت للنظر أن الكتان يجود في الأراضي الصحراوية، مثلما يجود في الطينية، مما يجعل التوسع في زراعته في مناطق الاستصلاح الجديدة أمرا ميسورا، لكن    القضية تظل مرتبطة ارتباطا وثيقا بمقدار اقتناع الفلاح بجدوي زراعته، وسهولة نقله من اماكن انتاجه الي مصانع الكتان في طنطا .

والقري المحيطة بها  التي يكثر بها المصانع الصغيرة القادرة علي تصنيعه وتصدير كميات لا يستهان بها منه  لدول العالم..حقا الأفكار كثيرة والأرباح ليست مستحيلة اذا صدقت عزيمة الرجال علي النهوض ببلدهم العزيزة  مصر.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *