لم تعد العلاقة بين صحة الجسم وصحة العقل مجرد مقولة متداولة، بل أصبحت فكرة تدعمها أدلة متزايدة حول تأثير النشاط البدني والغذاء والنوم في الحالة النفسية والقدرات الذهنية. فالإنسان لا يستطيع أن يفصل بصورة كاملة بين جسده وعقله؛ إذ إن قلة الحركة، وسوء التغذية، واضطراب النوم يمكن أن تنعكس على المزاج والتركيز والطاقة، بينما يساعد النشاط البدني المنتظم والنظام الغذائي المتوازن والنوم الكافي على بناء نمط حياة أكثر صحة واستقرارا.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن النشاط البدني المنتظم لا يرتبط فقط بتحسين اللياقة وصحة القلب والوقاية من أمراض مزمنة، وإنما يساعد أيضا في تقليل أعراض الاكتئاب والقلق، وتحسين صحة الدماغ والنوم والشعور العام بالعافية. وفي المقابل، فإن نحو 31% من البالغين عالميا، أي ما يقرب من 1.8 مليار شخص، لم يستوفوا المستويات الموصى بها من النشاط البدني عام 2022.
150 دقيقة أسبوعيا.. نقطة البداية
يمكن تحويل شعار «العقل السليم في الجسم السليم» إلى برنامج عملي يبدأ بخطوات بسيطة. وتوصي منظمة الصحة العالمية البالغين بممارسة ما بين 150 و300 دقيقة من النشاط البدني متوسط الشدة أسبوعيا، أو ما بين 75 و150 دقيقة من النشاط مرتفع الشدة، إلى جانب تمارين تقوية العضلات يومين على الأقل أسبوعيا.
وهذا الرقم يبدو كبيرا إذا نظرنا إليه دفعة واحدة، لكنه يصبح أكثر سهولة عند تقسيمه. فالشخص الذي يمشي بسرعة لمدة 30 دقيقة، خمسة أيام أسبوعيا، يصل بالفعل إلى 150 دقيقة.
ويمكن تطبيق نموذج بسيط مثل: المشي 30 دقيقة يومي الأحد والثلاثاء والخميس، وإضافة تمارين قوة لمدة 30 دقيقة يومي السبت والأربعاء، مع زيادة الحركة اليومية باستخدام السلالم والمشي في المسافات القصيرة.
ولا يشترط أن يبدأ الشخص بالرياضة العنيفة. فحتى من لم يكن يمارس نشاطا منتظما يمكنه البدء بفترات قصيرة وزيادتها تدريجيا، إذ تؤكد منظمة الصحة العالمية أن بعض النشاط أفضل من عدم النشاط، وأن زيادة الحركة تدريجيا تحقق فوائد صحية.
الرياضة ليست للجسم وحده
أحد أهم تطبيقات المقولة هو النظر إلى الرياضة باعتبارها وسيلة لتحسين الحالة الذهنية أيضا.
فالمشي أو ركوب الدراجة أو السباحة أو ممارسة رياضة جماعية لا تساعد فقط على حرق السعرات وتحسين اللياقة، وإنما تمنح الإنسان فترة يبتعد خلالها عن الضغوط اليومية. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى ارتباط النشاط البدني بتحسين الصحة النفسية وتقليل أعراض القلق والاكتئاب وتحسين الوظائف المعرفية والنوم.
ومن هنا يمكن تقديم نموذج عملي للموظف الذي يقضي 8 ساعات أمام الكمبيوتر: بعد كل 50 أو 60 دقيقة من الجلوس، يخصص 5 دقائق للحركة، ويستغل استراحة الغداء في المشي لمدة 15 إلى 20 دقيقة، ثم يمارس المشي السريع 30 دقيقة مساء.
هذه الدقائق الصغيرة قد لا تبدو مؤثرة منفردة، لكنها تغير طبيعة اليوم بالكامل عندما تتحول إلى عادة.
الغذاء.. وقود العقل والجسم
لا يمكن بناء جسم صحي مع تجاهل نوعية الطعام. وتوصي منظمة الصحة العالمية بأن يتضمن النظام الغذائي مجموعة متنوعة من الخضراوات والفواكه والبقوليات والمكسرات والحبوب الكاملة، مع الاعتدال في الدهون والسكريات والملح. كما توصي الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 10 سنوات بتناول ما لا يقل عن 400 جرام من الفواكه والخضراوات يوميا، أي نحو خمس حصص.
ويمكن تطبيق ذلك بطريقة عملية عبر تقسيم الكمية على مدار اليوم: ثمرة فاكهة في الإفطار، وحصة من الخضراوات مع الغداء، ثم ثمرة أخرى كوجبة خفيفة، مع إضافة الخضراوات إلى وجبة العشاء.
وفي المقابل، لا يتعلق الغذاء الصحي بالحرمان، وإنما بالتوازن. فاستبدال المشروبات المحلاة بالماء، وتقليل الأطعمة شديدة التصنيع، واختيار الحبوب الكاملة والبقوليات والخضراوات بصورة أكبر، كلها تغييرات أكثر قابلية للاستمرار من اتباع أنظمة غذائية قاسية لفترات قصيرة.
النوم.. الحلقة التي لا يراها كثيرون
قد يمارس الإنسان الرياضة ويتناول طعاما جيدا، لكنه يهمل النوم، ثم يتساءل لماذا يشعر دائما بالإرهاق وضعف التركيز.
وتشير بيانات صحية أمريكية حديثة إلى أن 30.5% من البالغين في الولايات المتحدة ناموا أقل من 7 ساعات في المتوسط خلال 2024، بينما ترتبط قلة النوم بمشكلات صحية بينها السمنة والاكتئاب. وتوصي الأكاديمية الأمريكية لطب النوم البالغين بالحصول على 7 ساعات أو أكثر من النوم يوميا.
وهنا يمكن بناء نموذج يومي متوازن يقوم على تثبيت موعد النوم والاستيقاظ قدر الإمكان، وتقليل استخدام الأجهزة قبل النوم، وتجنب تحويل السهر إلى عادة دائمة.
نموذج عملي ليوم يجمع صحة الجسم والعقل
يمكن للشخص الذي يريد تطبيق المقولة أن يبدأ بيوم بسيط: إفطار متوازن، ثم 10 دقائق مشي صباحا، والعمل مع فترات قصيرة للحركة خلال اليوم، وتناول وجبة غداء تحتوي على الخضراوات ومصدر بروتين وحبوب كاملة، ثم ممارسة 30 دقيقة من النشاط البدني مساء.
وفي الجانب الذهني، يمكن تخصيص 15 دقيقة يوميا للقراءة أو التأمل أو التخطيط لليوم التالي، مع إغلاق الهاتف لبعض الوقت قبل النوم.
أما على مدار الأسبوع، فيمكن استهداف 150 دقيقة من النشاط المعتدل، وتمارين قوة مرتين، وخمس حصص يومية من الخضراوات والفواكه، ونوم لا يقل عن 7 ساعات في معظم الليالي.
الأطفال والشباب.. الاستثمار يبدأ مبكرا
تطبيق مفهوم «العقل السليم في الجسم السليم» لا ينبغي أن يبدأ بعد ظهور المشكلات الصحية، وإنما منذ الطفولة.
وتوصي منظمة الصحة العالمية الأطفال والمراهقين بين 5 و17 عاما بمتوسط 60 دقيقة على الأقل يوميا من النشاط البدني متوسط إلى مرتفع الشدة، مع أنشطة لتقوية العضلات والعظام ثلاثة أيام على الأقل أسبوعيا.
وهنا يمكن للمدرسة والأسرة أن تلعبا دورا متكاملا؛ فبدلا من أن تكون الرياضة حصة أسبوعية فقط، يمكن تشجيع الطفل على المشي واللعب وركوب الدراجة وممارسة الرياضات الجماعية، إلى جانب تقليل الجلوس الطويل أمام الشاشات.
الصحة ليست مشروعا مؤقتا
أكبر خطأ في تطبيق هذه الفكرة هو التعامل معها باعتبارها تحديا لمدة شهر أو نظاما مؤقتا لإنقاص الوزن.
الصحة الحقيقية هي مجموعة عادات تتكرر حتى تصبح جزءا طبيعيا من الحياة. والمقياس الأفضل ليس عدد الكيلوجرامات التي خسرها الشخص خلال أسابيع، وإنما قدرته على الاستمرار في الحركة، والحصول على غذاء متوازن، والنوم بصورة أفضل، والحفاظ على صحته النفسية والجسدية على المدى الطويل.
وفي النهاية، فإن مقولة «العقل السليم في الجسم السليم» يمكن أن تتحول من حكمة محفوظة إلى خطة عملية: 150 دقيقة من الحركة أسبوعيا، تمارين قوة مرتين، نحو 400 جرام من الخضراوات والفواكه يوميا، ونوم كاف، إلى جانب وقت منتظم للراحة والتعلم والعلاقات الإنسانية.
فالجسم ليس منفصلا عن العقل، والعناية بأحدهما دون الآخر تترك نصف المعادلة ناقصا. والهدف في النهاية ليس أن يصبح الإنسان رياضيا محترفا أو خبيرا في التغذية، وإنما أن يبني نمطا من الحياة يمنحه جسدا أكثر صحة وعقلا أكثر قدرة على التركيز والتعامل مع ضغوط الحياة.







