رحلة جنيه واحد من الاستثمار إلى الإنتاج.. كيف يتحول المال إلى مصنع وفرصة عمل ومنتج؟

 

في البداية لا نرى سوى رقم صغير يتحرك من حساب إلى آخر.. جنيه واحد يخرج من جيب المستثمر أو حسابه البنكي متجهًا إلى مشروع جديد. لكن هذا الجنيه، بمجرد دخوله دورة الإنتاج، يبدأ رحلة أطول بكثير من مجرد عملية دفع أو شراء ويتحول جزء منه إلى ماكينة تقف داخل مصنع، وجزء إلى مواد خام، وآخر إلى أجور عامل، ونفقات طاقة ونقل وتخزين، ثم يتحول ما تبقى من العملية إلى سلعة تحمل قيمة جديدة وتبحث عن طريقها إلى المستهلك أو إلى سوق خارجية.
وخلف كل خطوة من هذه الرحلة قصة اقتصادية متكاملة؛ فالمصنع الذي يشتري ماكينة يدفع أموالًا إلى شركة أخرى، وهذه الشركة تحتاج إلى عمالة وموردين، والعامل يحصل على أجر ينفق جزءًا منه في السوق، بينما يحتاج المصنع إلى نقل وتغليف وتسويق وتوزيع وهكذا لا يبقى الجنيه داخل المشروع، وإنما ينتقل عبر حلقات متشابكة من الاقتصاد، إلى أن يعود في صورة إنتاج ودخل واستهلاك واستثمار جديد وهنا تحديدًا يظهر مفهوم “الاقتصاد العيني”؛ أي النظر إلى ما ينتجه الاقتصاد فعليًا من سلع وخدمات وقدرة إنتاجية، وليس فقط إلى حجم الأموال التي تتحرك داخله.
من قرار الاستثمار إلى أول ماكينة.. اللحظة الأولى في رحلة الجنيه تبدأ بقرار المستثمر: أين يضع أمواله؟
قد يختار إنشاء مصنع، أو التوسع في مشروع قائم، أو شراء معدات جديدة، أو إدخال تكنولوجيا حديثة، أو تأسيس شركة تعمل في قطاع خدمي أو تكنولوجي ولكن الاختيار وحده لا يصنع إنتاجًا والمال لا يتحول إلى قيمة اقتصادية حقيقية إلا عندما يتحول إلى مشروع قادر على العمل والإنتاج والاستمرار ويقول الدكتور “مصطفى بدرة، أستاذ التمويل والاستثمار”، إن أهمية الاستثمار ترتبط بقدرته على دعم النشاط الاقتصادي وزيادة القدرات الإنتاجية، مشيرًا إلى أن أداء الصناعات التحويلية في مصر ارتبط خلال الفترة الأخيرة بزيادة الاستثمارات وتحسين القدرات الإنتاجية، وهو ما ينعكس على النمو والقيمة المضافة والتشغيل وبهذا المعنى، فإن شراء ماكينة ليس مجرد عملية تجارية، وإنما خطوة لإضافة قدرة إنتاجية يمكن أن تعمل لسنوات وتنتج آلاف الوحدات خلال عمرها التشغيلي.
3.7 تريليون جنيه تبحث عن إنتاج
تأتي أهمية هذه الرحلة في وقت تستهدف فيه مصر زيادة حجم الاستثمارات ودور القطاع الخاص في الاقتصاد ووفق وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، تستهدف خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للعام المالي *2026/2027* استثمارات كلية تبلغ نحو “3.7 تريليون جنيه”، منها نحو “2.2 تريليون جنيه استثمارات خاصة” تمثل 59% من إجمالي الاستثمارات، مقابل نحو 1.5 تريليون جنيه استثمارات عامة وتضع الخطة الاقتصاد الحقيقي في مقدمة القطاعات المستهدفة، مع التركيز على الصناعات التحويلية والزراعة والاتصالات والنقل واللوجستيات، إلى جانب صناعات نوعية مثل السيارات والهيدروجين الأخضر والمنسوجات والأسمدة والكيماويات ولكن الرقم، مهما كان كبيرًا، لا يجيب بمفرده عن السؤال الأهم: ماذا سيفعل كل جنيه من هذه الاستثمارات بعد إنفاقه؟
الجنيه لا يعمل بمفرده وداخل المصنع، تبدأ رحلة أخرى.
المستثمر يحتاج إلى شراء المواد الخام، والمواد الخام تحتاج إلى موردين، والموردون يحتاجون بدورهم إلى مصانع وخدمات أخرى ومصنع الملابس يحتاج إلى الأقمشة والخيوط والماكينات والكهرباء والتغليف والنقل ومصنع الأغذية يحتاج إلى منتجات زراعية ومواد تعبئة وتبريد ومخازن وشاحنات وحتى المشروع التكنولوجي يحتاج إلى أجهزة وبرمجيات واتصالات ومهارات بشرية.
ومن هنا تتشكل “سلسلة القيمة”
الجنيه الذي دفعه المصنع لشراء خامة يتحول إلى إيراد لدى المورد، ثم يستخدم المورد جزءًا منه لشراء مدخلات أخرى أو دفع أجور العاملين لديه، لتنتقل آثار الاستثمار من مشروع إلى آخر ويرى الدكتور “محمد الشوادفي، أستاذ الإدارة والاستثمار”، أن التركيز على الإنتاج والتصنيع يمثل عنصرًا رئيسيًا في بناء قاعدة إنتاجية قائمة على القيمة المضافة، مشيرًا إلى أن التوسع الصناعي يمكن أن يدعم الإنتاج المحلي ويساعد على إحلال جزء من الواردات وزيادة الصادرات.
العامل.. عندما يتحول الاستثمار إلى دخل ولكن الماكينة وحدها لا تنتج وخلف كل خط إنتاج عامل وفني ومهندس ومشرف ومدير، إلى جانب شبكة من الوظائف المرتبطة بالنقل والصيانة والتسويق والمبيعات وهنا تتحول إحدى حلقات الجنيه المستثمر إلى “جور ودخول” والعامل الذي يحصل على راتبه لا يحتفظ بالمال بالضرورة، وإنما ينفق جزءًا منه على الطعام والسكن والمواصلات والملابس والخدمات، وهو ما يخلق طلبًا لدى مشروعات أخرى وبذلك لا تكون الوظيفة مجرد نتيجة جانبية للاستثمار، وإنما إحدى القنوات التي ينتقل عبرها أثر الاستثمار إلى الاقتصاد ولهذا فإن عدد الوظائف التي يوفرها المشروع يمثل أحد المؤشرات التي يمكن من خلالها قياس أثره الاقتصادي، إلى جانب حجم الإنتاج والقيمة المضافة والإنتاجية.
عندما يصبح للجنيه منتج وبعد شراء الآلات وتوفير الخامات والعمالة والطاقة، تأتي اللحظة الفاصلة: “الإنتاج” هنا فقط يصبح من الممكن رؤية ما فعله الجنيه بصورة ملموسة وما كان في البداية أموالًا سائلة أصبح سلعة أو خدمة لها قيمة في السوق ووإذا أنشأ الاستثمار مصنعًا جديدًا، فقد أضاف طاقة إنتاجية وإذا توسع مصنع قائم، فقد زاد قدرته على الإنتاج وإذا أدخل تكنولوجيا جديدة، فقد يرفع إنتاجية العامل ويخفض تكلفة الوحدة المنتجة ويؤكد بدرة أن نمو الصناعات التحويلية وزيادة الاستثمارات وتحسين القدرات الإنتاجية تمثل عوامل داعمة للنمو الحقيقي، خصوصًا عندما ترتبط الاستثمارات بقطاعات قادرة على خلق قيمة مضافة وتشغيل العمالة.
ومن هنا يتغير السؤال من: “كم أنفق المستثمر” ؟ إلى:”اذا أنتج هذا الإنفاق”؟
الاستثمار ليس رقمًا في دفتر الحسابات قد يعلن مشروع عن استثمار بمليارات الجنيهات، لكن الرقم وحده لا يكشف الأثر الاقتصادي الكامل والمهم هو معرفة طبيعة المشروع، وحجم الطاقة الإنتاجية التي أضافها، وعدد العمال الذين يشغلهم، ونسبة المكون المحلي في إنتاجه، ومدى اعتماده على مستلزمات مستوردة، وقدرته على التصدير أو إحلال المنتجات المحلية محل الواردات.
وهنا تظهر أهمية “القيمة المضافة” وكلما استطاع المشروع أن يحول المدخلات إلى منتج ذي قيمة أعلى، زاد أثره في الاقتصاد ولهذا يرى الشوادفي أن توطين الصناعة وزيادة الإنتاج المحلي يمثلان مسارًا مهمًا لزيادة القيمة المضافة داخل الاقتصاد، إلى جانب توفير فرص العمل ودعم القدرة التنافسية.
من المصنع إلى السوق و خروج المنتج من بوابة المصنع لا يعني نهاية الرحلة و السلعة تحتاج إلى النقل، ثم التخزين، وربما التوزيع على تجار الجملة والتجزئة، ثم التسويق، وصولًا إلى المستهلك وهنا تبدأ أموال جديدة في الحركة وشركة النقل تحصل على مقابل، والمخزن يحصل على إيراد، والتاجر يحقق هامشًا، والعامل يحصل على دخل، والمصنع يحصل في النهاية على إيراد من بيع المنتج وبذلك يتحول الإنتاج إلى مبيعات، والمبيعات إلى إيرادات، والإيرادات يمكن أن تتحول مرة أخرى إلى استثمار جديد.
إنها دائرة اقتصادية متصلة.. استثمار → إنتاج → دخول → استهلاك → طلب → إنتاج جديد → استثمار وعندما يعبر المنتج الحدود ويمكن أن تتسع دائرة الجنيه أكثر عندما يصل المنتج إلى الأسواق الخارجية و الاستثمار الذي ينتج سلعة قابلة للتصدير لا يخلق نشاطًا في السوق المحلية فقط، وإنما يمكن أن يوفر إيرادات من العملة الأجنبية ولهذا أصبح ارتباط الاستثمار بالإنتاج والتصدير من المؤشرات المهمة عند تقييم قدرة القطاعات الصناعية على تحقيق أثر اقتصادي ممتد ويشير الشوادفي إلى أن التوسع في التصنيع يستهدف، من بين أمور أخرى، إحلال المنتجات المحلية محل جانب من الواردات، بالتوازي مع زيادة الصادرات المصرية وهنا يصبح الجنيه جزءًا من رحلة مختلفة: يبدأ محليًا، لكنه يمكن أن ينتهي بإيراد يأتي من مستهلك في سوق خارجية.
أين يمكن أن تتعطل الرحلة؟
لكن رحلة الجنيه من الاستثمار إلى الإنتاج ليست مضمونة في كل الأحوال وقد يحصل المستثمر على التمويل، لكنه يواجه ارتفاعًا في تكاليف التشغيل وقد يملك المصنع المعدات، لكنه يواجه صعوبة في الحصول على بعض مستلزمات الإنتاج وقد ينتج السلعة، لكنه لا يجد سوقًا كافية لتصريفها وقد يمتلك المنتج القدرة على المنافسة محليًا، لكنه يواجه تحديات عند التصدير ولهذا لا يكفي ضخ الأموال وحده لإنشاء اقتصاد إنتاجي قوي والاستثمار يحتاج إلى بيئة تسمح للمشروع بالعمل بكفاءة، وإلى بنية تحتية وطاقة وتمويل ومهارات بشرية وأسواق وسلاسل توريد وتشير خطة التنمية المصرية الجديدة نفسها إلى استمرار العمل على متابعة الأثر التنموي للإنفاق الاستثماري، مع ربط قواعد البيانات لمتابعة الاستثمارات وقياس أثرها.
القطاع الخاص.. الحلقة الأكبر في المعادلة
تمنح خطة 2026/2027 القطاع الخاص دورًا أكبر في الاستثمار، إذ تستهدف أن تمثل الاستثمارات الخاصة نحو 59% من إجمالي الاستثمارات وتقول وزارة التخطيط إن الخطة تستهدف إعطاء قيادة التنمية للقطاع الخاص، مع توجيه الاستثمارات نحو قطاعات الاقتصاد الحقيقي والصناعات التحويلية وغيرها من القطاعات القادرة على دعم النمو ويؤكد الشوادفي أهمية توجيه المدخرات إلى قنوات استثمارية رسمية وإنتاجية، معتبرًا أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال يمكن أن تكون جزءًا من عملية تحويل المدخرات إلى نشاط إنتاجي وفرص عمل وهنا تتضح حلقة أخرى في رحلة الجنيه: المدخرات نفسها يمكن أن تتحول إلى استثمارات، والاستثمارات إلى مشروعات، والمشروعات إلى إنتاج.
كيف نقيس نجاح الجنيه؟..ربما يكون أبسط سؤال في نهاية الرحلة هو: ماذا أنتج الجنيه؟
لكن الإجابة تحتاج إلى مجموعة من المؤشرات ..كم وحدة أنتج المشروع؟..كم فرصة عمل وفر؟ ..كم بلغت القيمة المضافة؟.. كم نسبة المكون المحلي؟ .. هل ساهم في تقليل الواردات؟.. هل فتح أسواقًا جديدة أمام الصادرات؟.. هل رفع إنتاجية العامل؟.. هل خلق طلبًا على موردين محليين؟.. وهل تمكن من الاستمرار وإعادة استثمار جزء من إيراداته؟.. كل إجابة من هذه الإجابات تكشف جانبًا من الأثر الحقيقي للاستثمار.
الجنيه يعود.. ولكن بصورة مختلفة
في نهاية الرحلة، يعود الجنيه إلى الاقتصاد، لكنه لا يعود بالشكل الذي بدأ به ويبدأ كرأس مال، ثم يتحول إلى معدات ومدخلات وأجور وخدمات، ثم إلى منتج، وبعد البيع يتحول إلى إيرادات ودخول، وقد يتحول جزء منها مرة أخرى إلى استثمار وهكذا لا تكون رحلة الجنيه خطًا مستقيمًا، وإنما دائرة متكررة وكلما كانت هذه الدائرة مرتبطة بالإنتاج المحلي والقيمة المضافة والتشغيل والتصدير، اتسع أثر الاستثمار داخل الاقتصاد.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *