تمهيد:
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
في بيئة العمل، لا يعتمد التواصل بين الأشخاص على الكلمات وحدها، فالكثير من الرسائل والمشاعر والانطباعات يتم نقلها من خلال تعبيرات الوجه، ونظرات العين، وحركات اليدين، وطريقة الجلوس والوقوف، وحتى نبرة الصوت.
ومن هنا يأتي كتاب “لغة الجسد في مقر العمل” للكاتبين آلان وباربرا بييز، الذي يركز على أهمية التواصل غير اللفظي ودوره في تحسين العلاقات المهنية والتعامل مع المواقف المختلفة داخل بيئة العمل.
ينطلق الكتاب من فكرة أن الانطباع الأول يمكن أن يؤثر بدرجة كبيرة في طبيعة العلاقة التي تتشكل بين الأشخاص، فمنذ اللقاء الأول، يبدأ الطرف الآخر في تكوين صورة عنا من خلال مظهرنا وطريقة وقوفنا ومصافحتنا ونظراتنا وتعبيرات وجوهنا، لذلك لا يكفي أن نختار الكلمات المناسبة، بل يجب أن تتوافق إشاراتنا غير اللفظية معها حتى نترك انطباعًا يعكس الثقة والاحترافية.
التواصل يبدأ قبل الكلام
يوضح الكتاب أن الإنسان يرسل باستمرار إشارات غير لفظية، سواء كان منتبهًا إليها أم لا، فقد تكشف حركة بسيطة أو تعبير عابر عن حالة من التوتر أو التردد أو الاهتمام، ولذلك فإن فهم هذه الإشارات يساعد على التعامل بصورة أكثر وعيًا مع الآخرين.
ولا يقتصر الأمر على قراءة لغة جسد المحيطين بنا، بل يبدأ أيضًا من الوعي بلغة أجسادنا، فعندما يدرك الشخص الطريقة التي يظهر بها أمام الآخرين، يصبح أكثر قدرة على تعديل بعض السلوكيات التي قد تعطي انطباعًا لا يقصده.
لغة الجسد في المواقف المهنية
يقدم الكتاب مجموعة من التطبيقات العملية التي يمكن الاستفادة منها في مواقف العمل المختلفة، ففي مقابلات التوظيف، على سبيل المثال، لا تتوقف صورة المتقدم للوظيفة على إجاباته، وإنما تتأثر أيضًا بطريقة جلوسه وتواصله البصري ونبرة صوته ومدى هدوئه.
وفي الاجتماعات، يمكن للغة الجسد أن تساعد على إيصال الاهتمام والثقة والانفتاح على الحوار، كما يمكن أن يكون لها دور أثناء التفاوض أو التعامل مع العملاء والزملاء، حيث تساعد الإشارات غير اللفظية على جعل التواصل أكثر وضوحًا وتقليل فرص سوء الفهم.
فهم الإشارات لا يعني قراءة الأفكار
يتناول المؤلفان مجموعة من الإيماءات وتعبيرات الوجه والحركات التي قد ترتبط بمشاعر أو حالات معينة، لكن الاستفادة من هذه المعرفة تحتاج إلى النظر إلى السياق الكامل للموقف، فلا يمكن الاعتماد على حركة واحدة باعتبارها دليلًا قاطعًا على شعور شخص ما أو نيته.
فمثلًا، تجنب التواصل البصري قد يكون مرتبطًا بالتوتر أو الخجل أو طبيعة الشخص نفسه، وليس بالضرورة علامة على عدم الصدق، لذلك فإن قراءة لغة الجسد بصورة جيدة تحتاج إلى ملاحظة مجموعة من الإشارات معًا، إلى جانب الكلمات والظروف المحيطة بالموقف.
بناء الثقة والعلاقات المهنية
يركز الكتاب كذلك على أن الهدف من تعلم لغة الجسد ليس استخدام مجموعة من الحيل للتأثير في الآخرين، وإنما تحسين التواصل وبناء علاقات أكثر وضوحًا وثقة، فعندما تتوافق لغة الجسد مع الكلام، ويظهر الشخص بصورة طبيعية ومنفتحة، يصبح من الأسهل خلق مساحة إيجابية للتعاون.
كما أن الانتباه إلى إشارات الآخرين يمكن أن يساعد على معرفة متى يكون الشخص مستعدًا للحوار، أو متى يحتاج إلى مزيد من التوضيح، أو عندما يكون من الأفضل إعطاؤه مساحة بدلًا من الاستمرار في الضغط عليه.
لغة الجسد والنجاح المهني
يرى الكتاب أن امتلاك المهارات المهنية وحده لا يضمن دائمًا إيصال الكفاءة إلى الآخرين، لأن طريقة تقديم النفس والتواصل مع المحيطين تلعب دورًا مهمًا في الحياة العملية، ولهذا فإن تطوير لغة الجسد يمكن أن يكون جزءًا من تطوير المهارات الشخصية والمهنية، خصوصًا في المواقف التي تتطلب التواصل المستمر مع الزملاء والعملاء والمديرين.
ويعتمد الكتاب على أمثلة ومواقف عملية لتوضيح كيفية تطبيق هذه الأفكار في الحياة اليومية، بدلًا من الاكتفاء بالجانب النظري.
وفي النهاية، يقدم “لغة الجسد في مقر العمل” رؤية عملية حول أحد الجوانب المهمة في التواصل المهني، وهي الرسائل التي نرسلها دون كلمات، فالوعي بتعبيرات الوجه والحركات ونبرة الصوت وطريقة التفاعل مع الآخرين يمكن أن يساعد على تحسين التواصل وتقليل سوء الفهم وبناء علاقات أكثر تعاونًا.
وتكمن أهمية الكتاب في أنه يدفع القارئ إلى النظر إلى لغة الجسد باعتبارها جزءًا من مهارات التواصل التي يمكن ملاحظتها وتطويرها، لا مجرد مجموعة من الإشارات المنفصلة عن السياق.
خلاصة الكتاب في نقاط:
- التواصل لا يعتمد على الكلام وحده، بل يشمل الإيماءات والتعبيرات ونبرة الصوت.
- الانطباع الأول مهم ويتأثر بالمظهر والمصافحة والنظرات وطريقة الوقوف.
- راقب لغة جسدك لتعرف الصورة التي تنقلها للآخرين دون قصد.
- استخدم لغة الجسد بوعي في المقابلات والاجتماعات والتفاوض.
- انتبه لإشارات الآخرين لفهم مستوى اهتمامهم واستعدادهم للحوار.
- لا تفسر حركة واحدة بمعزل عن السياق، فقد تحمل الإشارة أكثر من معنى.
- اجمع بين الإشارات والكلام للحصول على فهم أكثر دقة للموقف.
- اجعل إشاراتك متوافقة مع كلامك لتعزيز الثقة والمصداقية.
- استخدم لغة الجسد لتحسين العلاقات وليس كوسيلة للتلاعب بالآخرين.
- طوّر مهاراتك غير اللفظية لأنها تدعم التواصل والنجاح في بيئة العمل.
يناسب الموظفين والمديرين وأصحاب الأعمال وكل من يتعامل باستمرار مع الزملاء والعملاء، خاصة من يريد تحسين حضوره المهني وفهم الإشارات غير اللفظية بصورة أكثر وعيًا.
بالنسبة لـ نقاط القوة، فإن الكتاب يربط لغة الجسد بالمواقف العملية في العمل، كما يقدم تطبيقات مفيدة للمقابلات والاجتماعات والتفاوض، ويؤكد أهمية فهم السياق بدل تفسير الإشارات بشكل منفصل، إلى جانب أنه يساعد على تطوير التواصل والثقة في العلاقات المهنية.
الكلمة الأخيرة
عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.
وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه.
وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: لغة الجسد في مقر العمل
المؤلفان: آلان وباربرا بييز
دار النشر: عصير الكتب للنشر والتوزيع
بلد النشر: مصر
الطبعة: الطبعة الأولى
سنة النشر: 2021
عدد الصفحات: 114 صفحة
رقم الإيداع: 2021/10924
ISBN : 9789778587814







