لماذا لا يكفي أن يتعلم الطالب؟ قراءة في كتاب «العقل غير المدرَّس» لهاورد جاردنر

تمهيد

 لا تقتصر التحديات التي تواجه التعليم دائمًا في أن الطالب لم يتعلم، وإنما قد تكون المشكلة الأعمق أنه تعلم شيئًا ولم يفهمه، قد يحفظ الطالب قانونًا في الفيزياء، ويجتاز اختبارًا في الرياضيات، ويتذكر تواريخ في التاريخ، لكنه عندما يخرج من قاعة الامتحان ويواجه موقفًا جديدًا، يعجز عن استخدام ما تعلمه، هنا تحديدًا يبدأ السؤال الذي ينطلق منه عالم النفس والتربوي الأمريكي هاورد جاردنر في كتابه «العقل غير المدرَّس»: لماذا يستطيع الطفل أن يتعلم أشياء شديدة التعقيد بصورة طبيعية قبل دخوله المدرسة، ثم يجد صعوبة في اكتساب المعرفة المدرسية، بل وقد ينجح في الامتحان دون أن يصل إلى الفهم الحقيقي؟

ينطلق جاردنر من مفارقة تبدو بسيطة، لكنها تكشف أزمة عميقة في فلسفة التعليم. فالطفل يتعلم اللغة الأم دون كتاب قواعد أو مدرس متخصص أو امتحان، ويكتسب خلال سنواته الأولى قدرات متعددة في الحركة واللعب والتفاعل الاجتماعي وفهم العالم. وفي المقابل، قد يقضي سنوات طويلة في المدرسة في تعلم الرياضيات والعلوم والتاريخ، ثم لا يستطيع توظيف هذه المعرفة خارج السياق المدرسي، ويضع الكتاب هذه المفارقة في قلب بحثه حول الفارق بين التعلم الطبيعي أو الحدسي والتعلم المدرسي الرسمي.

الفكرة المركزية للكتاب.. الطفل لا يدخل المدرسة بعقل فارغ

أهم ما يرفضه جاردنر هو التصور التقليدي الذي ينظر إلى الطفل باعتباره صفحة بيضاء تنتظر أن يملأها المعلم بالمعلومات.

فالطفل يصل إلى المدرسة وهو يحمل بالفعل تصورات ونظريات أولية عن العالم. لديه أفكار عن المادة والحياة والناس والسببية والزمان والمكان، كما يمتلك أنماطًا من التفكير والتصنيف والتفسير تشكلت قبل أن يتلقى التعليم الرسمي.

وهذه التصورات ليست بالضرورة سخيفة أو عديمة القيمة، بل بعضها منطقي ومفيد في الحياة اليومية، بل إن الطفل يحتاج إليها لكي يفهم العالم المحيط به. المشكلة تبدأ عندما تدخل هذه التصورات في صدام مع المعرفة العلمية أو التاريخية أو الرياضية التي تقدمها المدرسة.

ومن هنا جاء تعبير جاردنر عن «العقل غير المدرَّس»: عقل يمتلك معرفة قوية ومتماسكة نسبيًا، لكنها ليست المعرفة التي صاغتها العلوم والرياضيات والتاريخ والفنون داخل المؤسسات الأكاديمية. ويؤكد جاردنر في المقدمة الجديدة أن الأبحاث اللاحقة دعمت بصورة كبيرة فكرة أن الأطفال يطورون نظريات مبكرة قوية حتى من دون تعليم رسمي، وأن التخلص من هذه النظريات أو إعادة صياغتها ليس أمرًا سهلًا.

 

ثلاث شخصيات داخل العملية التعليمية

يقترح جاردنر إطارًا لفهم رحلة التعلم من خلال ثلاث شخصيات رئيسية:

  • المتعلم الحدسي: وهو الطفل الذي يبني فهمه للعالم من خلال الخبرة اليومية، خصوصًا في السنوات الأولى.
  • المتعلم المدرسي: وهو الطالب الذي يتعامل مع المعرفة داخل المؤسسة التعليمية، وغالبًا ما يتعلم من خلال القواعد والاختبارات والمناهج والممارسات التقليدية.
  • الخبير المتخصص: وهو الشخص الذي تجاوز المعرفة المدرسية وأصبح قادرًا على التفكير بالطريقة التي تميز أحد التخصصات العلمية أو المعرفية.

وهنا تظهر المشكلة الأساسية، فالمدرسة لا تنجح دائمًا في نقل الطالب من المعرفة الحدسية إلى الفهم التخصصي، وإنما قد تدفعه إلى حل وسط؛ فيتعلم كيف يعطي الإجابة الصحيحة في الامتحان دون أن يغير الطريقة التي يفكر بها في العالم. ويعرض جاردنر هذا الإطار باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لفهم مشكلات التعليم.

 

حين يتحول التعليم إلى حفظ

من أكثر أفكار الكتاب أهمية أن المعرفة ليست هي المعلومات، قد يعرف الطالب تاريخ معركة، أو قانونًا فيزيائيًا، أو صيغة رياضية، لكنه لا يمتلك بالضرورة طريقة التفكير التي أنتجت هذه المعرفة،  وهنا يميز جاردنر بين المادة الدراسية والتخصص المعرفي، فدراسة التاريخ لا تعني حفظ التواريخ والأسماء، وإنما تعلم كيف يفكر المؤرخ: كيف يقرأ الوثيقة؟ كيف يفسر دوافع الأشخاص؟ كيف يميز بين الأدلة والتفسيرات؟ وكيف يدرك أن الرواية التاريخية ليست مجرد قائمة من الوقائع؟

 

والشيء نفسه ينطبق على العلوم، فتعلم الفيزياء لا ينبغي أن ينتهي إلى حفظ القوانين، وإنما إلى اكتساب طريقة علمية في طرح الفرضيات واختبارها وتعديلها. ولهذا يرى جاردنر أن الهدف الأساسي للمدرسة يجب أن يكون تكوين عقول قادرة على التفكير من داخل التخصصات المختلفة، لا مجرد تخزين المعلومات الخاصة بها.

 

لماذا ينجح الطالب في الامتحان ويفشل في الحياة؟

هذه واحدة من أكثر الأفكار التي تمنح الكتاب قيمته بالنسبة للنقاش المعاصر حول التعليم، يشرح جاردنر أن الطالب يستطيع أحيانًا أن يتعلم «خدعة مدرسية» ناجحة: يتعرف على شكل السؤال، يستدعي القاعدة المناسبة، يطبقها، ويحصل على الإجابة الصحيحة.

يظهر ذلك بصورة واضحة في الرياضيات، فقد يحفظ الطالب خوارزمية معينة لحل المسألة، لكنه إذا تغيرت صياغة السؤال قليلًا فقد يفقد القدرة على الحل، لأنه لم يربط القاعدة بالعالم الذي يفترض أن تفسره.

والأمر ذاته يظهر في العلوم؛ إذ تشير أمثلة الكتاب إلى أن بعض الطلاب الذين يحققون نتائج جيدة في الاختبارات لا يستطيعون بالضرورة استخدام المفاهيم الفيزيائية التي تعلموها عندما يواجهون ظاهرة جديدة خارج السياق المدرسي.

إذن المشكلة ليست في غياب المعلومات، وإنما في الفجوة بين الأداء والفهم.

 

ثلاثة أنواع من أخطاء التعلم

يقسم جاردنر المشكلات التي تواجه الطالب إلى ثلاثة أنماط رئيسية:

  • المفاهيم الخاطئة في العلوم: وهي التصورات التي يحملها الطالب عن الطبيعة والمادة والحركة والحياة، والتي قد تتعارض مع المعرفة العلمية.
  • الخوارزميات الجامدة في الرياضيات: حيث يتعلم الطالب خطوات الحل دون فهم عميق للعلاقة بين الرموز والمواقف الواقعية.
  • القوالب النمطية والتبسيطات في العلوم الإنسانية والاجتماعية والفنون: حيث يفسر الطالب الأحداث والأشخاص وفق صور ذهنية مسبقة بدلًا من تحليلها من زوايا متعددة.

 

لكن جاردنر يقدم ملاحظة مهمة، وهي أنه لا ينبغي النظر إلى فهم الطفل باعتباره «خطأ» محضًا، فهذه التصورات قد تحتوي على منطق داخلي أو ملاحظات صحيحة جزئيًا. ولذلك فالتعليم الحقيقي لا يعني استبدال إجابة خاطئة بإجابة صحيحة فحسب، وإنما إعادة بناء طريقة الفهم نفسها.

إذن.. كيف نعلّم من أجل الفهم؟

ويقترح جاردنر تعليمًا يقوم على مجموعة من المبادئ، أهمها أن الطالب يحتاج إلى مواجهة أفكاره السابقة بدلًا من تجاهلها، فإذا كان الطالب يحمل تصورًا علميًا خاطئًا، ينبغي أن يواجه موقفًا أو تجربة تكشف حدود هذا التصور. ويسمي جاردنر هذا النوع من المواجهات Christopherian encounters، أي مواقف تعليمية تدفع الطالب إلى اكتشاف أن تفسيره السابق لا يستطيع تفسير الأدلة الجديدة.

أما في الرياضيات، فينبغي ربط الخوارزمية بالعالم الواقعي الذي تنتمي إليه، حتى لا تصبح مجرد خطوات آلية، وفي التاريخ والعلوم الإنسانية والفنون، يحتاج الطالب إلى تعدد وجهات النظر حتى يتجاوز القوالب النمطية والتفسيرات المبسطة.

 

التعليم ليس مقاسًا واحدًا للجميع

من الأفكار المهمة أيضًا رفض افتراض أن جميع الطلاب يتعلمون بالطريقة نفسها، فالاختلاف بين الطلاب لا يتعلق فقط بكمية الذكاء، وإنما بالطرق التي يستطيعون من خلالها الوصول إلى المعرفة وتمثيلها والتعبير عنها. ولذلك يقترح جاردنر أن الموضوع الواحد يمكن تقديمه من خلال مداخل متعددة، ويشبّه الموضوع بغرفة لها خمسة أبواب يمكن الدخول إليها من خلالها.

وهذه الفكرة تجعل التعليم أكثر ارتباطًا بالفروق الفردية، بدلًا من إجبار جميع الطلاب على المرور من الباب نفسه.

وفي خاتمة الكتاب يحدد أربعة محاور مترابطة لإصلاح المدرسة:

التقييم، والمناهج، وإعداد المعلمين، ودعم المجتمع، فلا يمكن أن يكون لدينا منهج جيد ثم نستخدم امتحانًا يقيس الحفظ فقط. ولا يمكن أن نصمم امتحانًا ممتازًا إذا لم يكن المعلم مدربًا على التعليم من أجل الفهم. كما أن المدرسة نفسها لا تستطيع العمل بمعزل عن المجتمع الذي توجد فيه.

 

قراءة صحفية للكتاب 

قوة الكتاب الأساسية أنه لا يكتفي بانتقاد الحفظ والتلقين، وإنما يبحث في جذور المشكلة داخل طبيعة العقل نفسه. كما أن جاردنر لا يقدم التعليم التقليدي والتعليم التقدمي باعتبار أحدهما خيرًا مطلقًا والآخر شرًا مطلقًا؛ بل يناقش حدود الاتجاهين ويبحث عن صيغة أكثر تعقيدًا تقوم على الفهم والتخصص والممارسة والتعلم الفردي.

ومع ذلك، فإن بعض أفكار الكتاب مرتبطة بالسياق التعليمي الأمريكي الذي كُتب في إطاره، وهو أمر يعترف به جاردنر نفسه في المقدمة الجديدة. كما أن الكتاب لا يقدم وصفة سحرية يمكن تطبيقها بالطريقة نفسها في كل مدرسة؛ بل يؤكد أن التعليم عملية إنسانية شديدة التعقيد، وأن أفضل المدارس تحتاج إلى قدر كبير من التخصيص والاستجابة للسياق.

 

لماذا هذا الكتاب؟

ربما تكون أهم رسالة يمكن استخلاصها من الكتاب بالنسبة إلى واقعنا التعليمي هي أن المشكلة لا تنتهي عندما يحفظ الطالب المنهج ويجتاز الامتحان.

التعليم الذي نحتاج إليه هو الذي يجعل الطالب قادرًا على السؤال، والتفسير، والمقارنة، وتحليل الأدلة، وربط المعرفة بالواقع، واستخدام ما تعلمه في مواقف لم يسبق له أن واجهها.

ومن هنا يصبح الانتقال من «ماذا يعرف الطالب؟» إلى «ماذا يستطيع أن يفعل بما يعرفه؟» أحد أهم التحولات المطلوبة في فلسفة التعليم.

وهذا مهم بصورة خاصة في عصر تتراجع فيه قيمة حفظ المعلومات أمام سهولة الوصول إليها، بينما تزداد قيمة القدرة على اختيار المعلومات، وتمييز الصحيح من الخاطئ، وربط الأفكار، وحل المشكلات، وإنتاج أفكار جديدة.

 

وختاما يمكن القول إن «العقل غير المدرَّس» ليس كتابًا ضد المدرسة، وإنما هو كتاب ضد المدرسة التي لا تفهم طبيعة العقل الذي تحاول تعليمه. رسالة جاردنر الأساسية ليست أن نترك الأطفال يتعلمون وحدهم، وإنما أن نفهم أولًا كيف يفكرون قبل أن نقرر كيف نعلّمهم.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

بطاقة تعريفية بالكتاب

عنوان الكتاب: العقل غير المدرسي: كيف يفكر الأطفال وكيف ينبغي للمدارس أن تدرّس

العنوان الأصلي: The Unschooled Mind: How Children Think and How Schools Should Teach

المؤلف: هوارد جاردنر (Howard Gardner)

اللغة الأصلية: الإنجليزية

الناشر: Basic Books

سنة النشر: 1991

عدد الصفحات: 353

 رقم الإيداع: 91-70058

ISBN: 978-0-465-02438-4

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *