نكت بطعم الكيماوي.. الوجه الآخر للسرطان حينما يخلق الضحك بطلًا من رحم المرض

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

 

ما يتناوله الكتاب

 

يضعنا كتاب “نكت بطعم الكيماوي” للكاتبة والإعلامية الفلسطينية أماني كرنز أمام تجربة إنسانية تتجاوز حدود السيرة المرضية التقليدية؛ فهو وفق الملخص المعروض لا يتعامل مع السرطان باعتباره مجرد تشخيص طبي وما يترتب عليه من جلسات علاج وآثار جانبية وإنما باعتباره تجربة تعيد ترتيب علاقة الإنسان بجسده وبصورته أمام الآخرين وبمعنى القوة والخوف والحياة نفسها وفي قلب هذه التجربة تقف مفارقة شديدة الإنسانية: وهي كيف يمكن للضحكة أن تظهر في أكثر الأماكن التي يبدو فيها البكاء منطقيًا؟ ومن هنا تأتي خصوصية الكتاب؛ فالسخرية في “نكت بطعم الكيماوي” لا تبدو مجرد وسيلة لتخفيف ثقل الحكاية وإنما تتحول إلى طريقة في استعادة السيطرة على تجربة يشعر فيها الإنسان غالبًا بأن جسده لم يعد ملكًا كاملًا له فالتشخيص يفرض نفسه والعلاج يفرض إيقاعه والآثار الجانبية تعيد تشكيل المظهر والحياة اليومية ونظرات الآخرين قد تضيف عبئًا نفسيًا فوق العبء الجسدي، وأمام كل ذلك تختار الكاتبة أن تضحك.

 

لكن القراءة النقدية للكتاب تفرض سؤالًا أكثر تعقيدًا من الاحتفاء بهذه السخرية: وهو هل الضحك فعل مقاومة دائمًا؟ وهل تحويل الألم إلى مادة للسخرية يعني بالضرورة التصالح معه؟ أم أن الكوميديا السوداء قد تكون أحيانًا قناعًا ذكيًا يسمح للإنسان بالاقتراب من خوفه دون أن يواجهه بصورة مباشرة؟ هذه الأسئلة تجعل الكتاب جديرًا بالقراءة بوصفه تجربة أدبية وإنسانية وليس فقط حكاية عن المرض.

 

المرض الخطير لا يغير الجسد وحده وإنما يهز صورة الإنسان عن ذاته وفكرة السرطان تحديدًا محملة بثقل نفسي واجتماعي كبير فمجرد سماع التشخيص قد يفتح أبوابًا من الخوف تتعلق بالموت والمستقبل والأسرة والعمل والشكل الخارجي لذلك فإن قيمة الكتاب كما يظهر من الملخص تكمن في أنه لا يحاول اختصار التجربة في شعار “كوني قوية”، بل يمر أولًا من بوابة الصدمة والخوف والارتباك ثم ينتقل إلى محاولة استعادة التوازن.

 

وهذه نقطة مهمة لأن الخطاب الإيجابي المفرط كثيرًا ما يرتكب خطأ تحويل المريض إلى بطل خارق لا يُسمح له بالضعف وكأن الاعتراف بالخوف أو البكاء يعني الهزيمة؛ لكن التجربة الإنسانية أكثر صدقًا من ذلك فالقوة لا تلغي الخوف وإنما تتعايش معه والشخص القوي ليس من لا يخاف بل من يستطيع الاستمرار رغم خوفه، وهذا المعنى يبدو حاضرًا بقوة في تجربة أماني كرنز: وهو أن الانتصار النفسي لا يعني اختفاء الألم وإنما رفض السماح للألم باختزال الإنسان كله في هويته المرضية.

 

العنوان نفسه “نكت بطعم الكيماوي” يلخص فلسفة الكتاب فهناك مفردتان تبدوان متناقضتين تمامًا: “النكتة” التي ترتبط بالمرح والخفة و”الكيماوي” الذي يرتبط في الوعي الجمعي بالخوف والمرض والإرهاق؛ لكن وضعهما جنبًا إلى جنب يخلق معنى ثالثًا وهو القدرة على انتزاع لحظة إنسانية من قلب تجربة قاسية.

 

السخرية هنا يمكن فهمها بوصفها آلية دفاع نفسي، فالإنسان عندما يضحك على جزء من خوفه قد يشعر أنه أصبح قادرًا على النظر إليه من مسافة وهو ما يمنح السخرية وظيفة تتجاوز الإضحاك إنها تعيد توزيع القوة بين الإنسان والتجربة؛ لكن من المهم ألا نقع في فخ آخر وهو اعتبار الضحك دواءً بالمعنى الحرفي للمرض فالضحك قد يساعد في تخفيف الضغط النفسي وتحسين الحالة المزاجية لدى بعض الأشخاص لكنه لا يحل محل العلاج الطبي ولا ينبغي تقديمه باعتباره وسيلة للشفاء من السرطان، وهنا تكمن قوة القراءة النقدية للكتاب: السخرية قيمة نفسية وإنسانية وليست بديلًا عن الطب

 

من أكثر محطات التجربة حساسية فقدان الشعر خصوصًا بالنسبة للمرأة؛ فالشعر ليس مجرد تفصيل شكلي بل يرتبط لدى كثير من النساء بالأنوثة والهوية والصورة التي اعتدن رؤيتها في المرآة، ولهذا فإن التعامل مع سقوط الشعر بوصفه تفصيلًا بسيطًا يقلل من حقيقة التجربة النفسية وقوة الكتاب بحسب الملخص أنه لا ينكر حجم الصدمة وإنما يعيد تعريفها؛ فعندما تتحول المرأة من النظر إلى فقدان شعرها باعتباره إعلانًا عن المرض إلى اعتباره علامة على خوضها معركة فإنها تستعيد جزءًا من السيطرة على صورتها، لكن الأهم ألا يتحول خطاب الجمال الداخلي إلى وسيلة لإنكار مشاعر المرأة تجاه شكلها فمن حق المريضة أن تحزن على تغير مظهرها وأن تفتقد صورتها السابقة دون أن يعني ذلك أنها سطحية أو ضعيفة، وهنا يمكن قراءة التجربة باعتبارها محاولة للتصالح مع جسد تغير قسرًا وليس مجرد درس أخلاقي عن أن الجمال الحقيقي في الداخل.

 

من أكثر المحاور أهمية في الكتاب نقد نظرة المجتمع إلى مريض السرطان؛ فالمرض لا يعيش في المستشفى وحده وإنما يعيش أيضًا في نظرات الناس وكلماتهم وطريقة تعاملهم مع الشخص المصاب، وقد تكون النوايا طيبة لكن بعض أشكال التعاطف قد تنتج أثرًا معاكسًا فالتعامل مع المريض وكأنه شخص عاجز أو منكسر قد يجعله يشعر بأن المرض أصبح هويته الجديدة، وهنا تطرح تجربة “نكت بطعم الكيماوي” سؤالًا اجتماعيًا مهمًا: وهو كيف نساند المريض دون أن نحاصره بصورة المريض؟ فالدعم الحقيقي لا يعني الشفقة المستمرة ولا تحويل كل لقاء إلى جلسة سؤال عن المرض ولا التعامل مع الشخص كأنه فقد قدرته على الضحك أو العمل أو اتخاذ القرارات؛ وربما يكون من أهم ما يقدمه الكتاب أن يعيد تقديم مريض السرطان كإنسان كامل يخاف ويضحك ويغضب ويحب ويتعب ويمزح وليس مجرد جسد ينتظر العلاج.

 

يمنح الكتاب أيضًا مساحة للعائلة باعتبارها سندًا نفسيًا خلال رحلة العلاج، وهذه النقطة تتجاوز الجانب العاطفي إلى معنى أكثر عمقًا وهو أن المرض قد يكون فرديًا في التشخيص لكنه غالبًا جماعي في تأثيره، فالمريض لا يعيش التجربة وحده وهناك أسرة تنتظر نتائج الفحوصات وترافق جلسات العلاج وتحاول تقديم الدعم وتتعلم كيف تتعامل مع الخوف، لكن القراءة النقدية هنا تقتضي ألا نحول “العائلة” إلى شرط للقدرة على المقاومة فليس كل مريض محاطًا بعائلة داعمة وبعض الأشخاص يواجهون المرض في ظل علاقات مضطربة أو وحدة اجتماعية؛ لذلك فإن الرسالة الأوسع هي أهمية شبكة الدعم سواء جاءت من الأسرة أو الأصدقاء أو المجتمع أو مجموعات الدعم أو المختصين.

 

من أهم العناصر التي ترفع قيمة التجربة أدبيًا أن الكاتبة بحسب الملخص لم تقدم نفسها كبطلة لا تنكسر بل سمحت للخوف والبكاء والضعف بأن تكون جزءًا من الحكاية، وهذا أمر بالغ الأهمية؛ لأن الصورة المثالية للمريض القوي قد تكون مؤذية أحيانًا فإذا قيل للمريض طوال الوقت: “أنت قوي” فقد يشعر أنه لا يملك الحق في الاعتراف بأنه منهك، أما الاعتراف بالضعف فيعيد الإنسانية إلى التجربة؛ فالإنسان ليس آلة مقاومة يمكن أن يكون شجاعًا اليوم ومنهكًا غدًا، متفائلًا في الصباح وخائفًا في المساء، وهذه التناقضات لا تنقص من قوته وإنما تجعلها أكثر واقعية.

 

أدبيًا، تبدو الكوميديا السوداء من أكثر الأدوات إثارة للاهتمام في الكتاب فهي تسمح للكاتب بأن يتعامل مع موضوع ثقيل دون الوقوع في فخ الرثاء أو الميلودراما ؛ لكن الكوميديا السوداء سلاح ذو حدين، فهي تنجح عندما تكشف تناقضًا إنسانيًا أو تمنح القارئ زاوية جديدة للنظر إلى الألم لكنها قد تفشل إذا تحولت إلى محاولة إجبار القارئ على الضحك في موضع يحتاج إلى الصمت.

 

وفي حالة المرض هناك فارق مهم بين السخرية من التجربة من الداخل، والسخرية من المريض أو المرض من الخارج؛ فعندما تأتي النكتة من صاحب التجربة فإنها تصبح جزءًا من استعادة السيطرة على حكايته أما عندما يأتي المزاح من الآخرين فقد يتحول إلى إساءة أو تقليل من الألم، وهذا يجعل تجربة أماني كرنز مثيرة للاهتمام لأنها تستخدم السخرية من موقع صاحبة التجربة لا من موقع المتفرج عليها.

 

من الرسائل الأساسية التي يحملها الملخص أيضًا أن تقبل الواقع هو الخطوة الأولى نحو المواجهة وهذه فكرة تستحق التوقف أمامها؛ فالتقبل لا يعني أن الإنسان سعيد بما حدث ولا يعني أنه توقف عن مقاومة المرض وإنما يعني التوقف عن إنكار حقيقة وجوده حتى يستطيع التعامل معها؛ فهناك فرق بين “لقد حدث هذا بالفعل” و”أنا راضٍ عن حدوثه”، الأول اعتراف بالواقع أما الثاني موقف شعوري مختلف تمامًا، وهذا التمييز مهم لأن بعض الخطابات الإيجابية تجعل التقبل يبدو وكأنه واجب أخلاقي فإذا حزن المريض أو غضب من مرضه يصبح وكأنه لم يتقبل واقعه بشكل صحيح؛ والحقيقة أن المشاعر لا تعمل بهذه الطريقة إذ يمكن للإنسان أن يتقبل مرضه ويغضب منه في الوقت نفسه وأن يكون ممتنًا للحياة وخائفًا من المستقبل في اللحظة ذاتها.

 

ربما تكون الرسالة الأكثر أهمية في الكتاب هي إعادة تعريف القوة فالقوة ليست في القدرة على إخفاء الألم ولا في الحفاظ على الابتسامة طوال الوقت، ولا في رفض الاعتراف بالخوف، ولكن القوة قد تكون ببساطة في الاستمرار؛ أن تذهب إلى جلسة العلاج وأنت خائف وأن تنظر إلى المرآة رغم تغير جسدك وأن تسمح لنفسك بالبكاء ثم تستأنف يومك وأن تطلب المساعدة عندما تحتاج إليها وأن تضحك إذا وجدت سببًا للضحك دون أن تشعر بالذنب لأنك مريض؛ هذه القوة أكثر إنسانية من صورة “المحارب الذي لا ينكسر”.

 

“نكت بطعم الكيماوي” يبدو من خلال هذا الملخص تجربة تتجاوز الحكاية الشخصية لتطرح أسئلة عن المرض والهوية والجسد والمجتمع والخوف والقوة؛ وأبرز ما يميزه أنه لا يحاول تجميل السرطان وإنما يحاول تغيير الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى نفسه وهو يواجهه.

 

قيمة الكتاب ليست في أن يقول إن الضحك قادرًا على هزيمة المرض فهذه صياغة قد تكون مبالغًا فيها وإنما في أن الضحك يستطيع أحيانًا أن يهزم الصورة التي يفرضها المرض على الإنسان عن نفسه؛ فالسرطان قد يغير الشعر والوزن والطاقة والمواعيد والعادات لكنه لا ينبغي أن يختصر الشخص في تشخيصه، ومع ذلك فإن أجمل قراءة للكتاب ليست تلك التي تحول صاحبته إلى “بطلة خارقة” لأن البطولة المطلقة قد تكون قاسية هي الأخرى ولكن الأفضل أن نراها إنسانة خافت وبكت وتعبت ثم وجدت في السخرية والكتابة والأسرة مساحة لاستعادة توازنها.

 

ومن هنا يصبح عنوان الكتاب شديد الدلالة: “نكت بطعم الكيماوي” ليست بالضرورة نكتًا على المرض بل نكتًا على قدرة المرض على فرض الجدية والخوف على كل تفاصيل الحياة؛ فالضحكة هنا لا تنكر الألم وإنما تجلس بجواره، وهذه ربما هي الفلسفة الأكثر إنسانية التي يمكن أن نستخلصها من التجربة: أن الشجاعة لا تعني أن نعيش بلا خوف وأن التعافي النفسي لا يعني أن نتوقف عن الحزن وأن القوة لا تعني ألا نسقط وأن الأمل ليس إنكارًا للواقع؛ فأحيانًا يكون الأمل هو أن تعرف أنك تتألم ومع ذلك تجد سببًا صغيرًا لتضحك، وأحيانًا لا تكون المقاومة في الانتصار على المرض، وإنما في رفض أن يسمح المرض بأن يكتب وحده قصة حياتك.

 

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

______________

 

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: نكت بطعم الكيماوي

المؤلف: الكاتبة والإعلامية الفلسطينية أماني كرنز

عدد الصفحات: 87 صفحة

ISBN: 9789950402607

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *