خراب.. وصفة مختلفة لعيش الحياة ضد السعادة السهلة وفك لغز “هل الأمل طوق نجاة أم فخ جديد؟”

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

 

ما يتناوله الكتاب

 

يأتي كتاب “خراب” عن الأمل للكاتب مارك مانسون في مواجهة مباشرة مع واحد من أكثر الشعارات انتشارًا في الخطاب المعاصر وهو “فكر بإيجابية وستتحسن حياتك”، فبينما تقوم نسبة كبيرة من كتب التنمية الذاتية على بيع صورة مستقبلية أكثر إشراقًا يختار مانسون طريقًا معاكسًا يبدأ من الاعتراف بأن الحياة ليست مشروعًا مضمون النجاح وأن الألم والفشل والموت والخيبة ليست أعطالًا مؤقتة يمكن حذفها من التجربة الإنسانية وإنما أجزاء أصيلة منها.

 

ومن هنا تبدو فكرة الكتاب وفق الملخص المعروض شديدة الاستفزاز والذكاء في الوقت نفسه: ماذا لو كان جزء من معاناتنا ناتجًا عن إصرارنا على الاعتقاد بأننا يجب أن نكون سعداء طوال الوقت؟ وماذا لو كان الأمل عندما يتحول إلى وعد مطلق قادرًا على إنتاج المزيد من الإحباط بدلًا من إنقاذنا منه؟ هذه الأسئلة تمنح “خراب” خصوصيته لكنها في الوقت نفسه تضع فلسفة مانسون أمام اختبار نقدي صعب فرفض التفاؤل الساذج لا يعني بالضرورة أن التشاؤم أكثر واقعية وقبول المعاناة لا ينبغي أن يتحول إلى تبرير لها كما أن إدراك محدودية الإنسان لا يعني التخلي عن السعي إلى تغيير العالم؛ لذلك فإن قراءة “خراب” الأكثر أهمية ليست باعتباره كتابًا يدعو إلى فقدان الأمل وإنما باعتباره محاولة لإعادة تعريف الأمل نفسه.

 

أحد أهم الأسس التي ينطلق منها الكتاب هو نقد الصورة المثالية للحياة فالإنسان المعاصر رغم امتلاكه وسائل راحة وتكنولوجيا وفرصًا لم تكن متاحة للأجيال السابقة يبدو في كثير من الأحيان أكثر انشغالًا بالقلق والمقارنة والخوف من المستقبل؛ لكن الربط بين تحسن الظروف المادية وبين زيادة هشاشة الإنسان يحتاج إلى شيء من الحذر فالإنسان لم يصبح بالضرورة أكثر هشاشة لمجرد أن الحياة أصبحت أكثر راحة في بعض جوانبها كما أن الماضي لم يكن بالضرورة زمنًا أكثر سعادة لمجرد أنه كان أكثر صعوبة.

 

وهنا تظهر إحدى نقاط القوة والضعف في فلسفة مانسون في الوقت نفسه وهي قدرته على تحويل المفارقات إلى أسئلة فلسفية جذابة مع خطر تحويل هذه المفارقات إلى قواعد عامة.

 

صحيح أن ارتفاع سقف التوقعات يمكن أن يجعل الإنسان أكثر عرضة للإحباط لكن المعاناة الإنسانية لا يمكن تفسيرها فقط من خلال الدلال أو كثرة الرفاهية فهناك عوامل اجتماعية واقتصادية ونفسية وسياسية تؤثر في شعور الإنسان بالأمان والمعنى.

 

ومع ذلك تبقى ملاحظة مانسون مهمة وهي أننا أحيانًا لا نعاني فقط بسبب ما يحدث لنا وإنما بسبب الفجوة بين الحياة التي نعيشها والحياة التي نعتقد أنه يجب أن نعيشها

 

تشبيه العقل بالحافلة التي يتنازع قيادتها عقل التفكير وعقل الشعور من أكثر الأفكار جاذبية في الكتاب فهو يقدم بصورة مبسطة الصراع اليومي الذي يعرفه معظم البشر: نعرف ما ينبغي فعله لكننا لا نفعله دائمًا.

 

نعرف أن الإفراط في الطعام قد يضرنا لكننا نأكل ونعرّف أن التسويف يعرقل أهدافنا لكننا نؤجل ونعرف أن بعض القرارات غير جيدة لكننا نتخذها تحت تأثير الغضب أو الخوف أو الرغبة؛ فهذه المفارقة تكشف أن الإنسان ليس كائنًا عقلانيًا بصورة كاملة وأن المنطق وحده لا يكفي لتغيير السلوك.

 

لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح تقسيم الإنسان إلى عقل عاطفي وعقل عقلاني تفسيرًا نهائيًا للنفس البشرية فالعلاقة بين الانفعال والتفكير أكثر تعقيدًا من مجرد صراع بين سائقين فالعاطفة ليست دائمًا عدو العقل، والعقل ليس دائمًا ضحية العاطفة؛ وفي كثير من الحالات، العاطفة نفسها تساعد الإنسان على اتخاذ القرار والمنطق قد يستخدم أحيانًا لتبرير رغبات اتخذها الإنسان مسبقًا، لذلك تكمن قيمة التشبيه في قدرته التوضيحية لا في اعتباره خريطة علمية مكتملة للعقل.

 

ربما تكون مفارقة الأمل هي قلب الكتاب الحقيقي فالأمل في التصور التقليدي قيمة إيجابية بينما يسأل مانسون: ماذا يحدث عندما يصبح الأمل مرتبطًا برفض الواقع؟ فإذا كان الإنسان يقول: سأكون سعيدًا عندما أصبح ثريًا أو سأرتاح عندما أجد الوظيفة المثالية، أو “ستبدأ حياتي عندما أحقق النجاح”، فإنه يضع سعادته في مستقبل لم يصل إليه بعد، وهنا يمكن أن يتحول الأمل إلى تأجيل دائم للحياة.

 

لكن النقد هنا مهم جدًا: ليست المشكلة في الأمل نفسه وإنما في الأمل غير الواقعي أو المشروط بصورة مطلق؛ فالإنسان يحتاج إلى الأمل كي يخطط ويقاوم ويستثمر في المستقبل، والمشكلة تبدأ عندما يتحول المستقبل إلى وعد بالإنقاذ الكامل من كل الألم، وهذه ربما إحدى أقوى أفكار الكتاب: لا تجعل حياتك الحالية مجرد غرفة انتظار لحياة أفضل.

 

وهنا يجب ألا نذهب مع مانسون إلى النهاية التي قد يوحي بها الطرح أحيانًا فالأمل ليس بالضرورة وهمًا كما أن الطموح ليس بالضرورة إنكارًا للواقع، وهناك فرق بين شخص يقول: “حياتي الآن سيئة وسأظل تعيسًا حتى تتغير بالكامل” وشخص يقول: “حياتي صعبة الآن، لكن لدي هدف أعمل من أجله”؛ فالأول يربط قيمته وسعادته بالمستقبل بينما الثاني يستخدم المستقبل كاتجاه دون أن يلغي الحاضر.

 

وهذا يجعل الأمل الصحي أقرب إلى احتمال يعمل الإنسان من أجله وليس وعدًا بأن الحياة ستصبح مثالية.

 

ومن الأفكار الأكثر إثارة للجدل في الكتاب تصنيف الأديان والأيديولوجيات وبعض القيم الشخصية بوصفها أنظمة تمنح الإنسان معنى وأملًا؛ فالفكرة الأساسية هنا يمكن فهمها فلسفيًا: وهي إن الإنسان يحتاج إلى قصة أكبر من ذاته تساعده على تفسير العالم ومنح حياته معنى وقد يجد هذا المعنى في الدين أو السياسة أو العمل أو الأسرة أو النجاح أو الحب، لكن وضع هذه الأنظمة كلها تحت مفهوم واحد يحمل خطر التبسيط فالدين ليس مجرد آلية نفسية لتوفير الأمل والأيديولوجيا السياسية ليست بالضرورة معادلة مماثلة للعقيدة الدينية كما أن الحب أو العمل لا يمكن اختزالهما ببساطة إلى دين شخصي،  لذلك فإن هذه الفكرة تصبح أكثر قوة عندما تُقرأ باعتبارها سؤالًا عن مصادر المعنى لا باعتبارها مساواة كاملة بين ظواهر مختلفة جذريًا.

 

والسؤال الذي يستحق أن يبقى مع القارئ هو: ما الشيء الذي أعطيته سلطة مطلقة على معنى حياتي؟ وماذا يحدث لي إذا فقدته؟

 

يقدم مانسون وفق الملخص فكرة أن المعاناة لا تختفي وإنما تغير شكلها فإذا تخلص الإنسان من مشكلة ظهرت مشكلة أخرى؛ هذه الفكرة تحمل جانبًا واقعيًا قويًا وهو أن الحياة لا يمكن أن تصبح خالية من المشكلات والنجاح المهني يخلق مسؤوليات جديدة والحرية تفرض اختيارات والعلاقات تحمل احتمالات الفقد والراحة نفسها قد تأتي معها مشكلات من نوع آخر؛ لكن استخدام تعبير يشبه “قانون بقاء الطاقة” لوصف المعاناة يحتاج إلى التعامل معه بوصفه استعارة فلسفية وليس قانونًا علميًا؛ فالمعاناة ليست مادة فيزيائية محفوظة الكمية ولا توجد قاعدة علمية تقول إن مجموع الألم في العالم ثابت.

 

ومع ذلك فإن الاستعارة تؤدي وظيفة فكرية مهمة وهي لا تحلم بحياة بلا مشكلات بل اسأل أي المشكلات تستحق أن تعيش من أجلها؟ وهذا انتقال بالغ الأهمية من سؤال “كيف أتخلص من الألم؟” إلى سؤال “ما نوع الألم الذي أقبل تحمله مقابل شيء أراه ذا قيمة؟”.

 

يأخذ الكتاب منحى أكثر عمقًا عندما ينتقل إلى الفلسفة الأخلاقية وخصوصًا فكرة معاملة الإنسان بوصفه غاية في ذاته لا مجرد وسيلة لتحقيق منفعة؛ وهذه الفكرة تبدو شديدة الأهمية في زمن أصبحت فيه العلاقات الإنسانية عرضة لمنطق “ماذا سأحصل منك؟” قد يدخل الإنسان علاقة بحثًا عن منفعة أو يبني شبكة اجتماعية على أساس المصالح فقط أو يقيس نجاحه بعدد ما يستطيع الحصول عليه من الآخرين، لكن القيمة النقدية هنا تكمن في تجاوز الثنائية البسيطة بين المنفعة والأخلاق فالإنسان يستطيع أن يستفيد من عمله وأن يحصل على المال دون أن يكون ذلك بالضرورة استغلالًا ويمكن للعلاقات أن تحقق مصالح مشتركة دون أن تفقد إنسانيتها؛ فالمشكلة ليست في وجود المنفعة وإنما في اختزال الإنسان إلى منفعة؛ وهذه واحدة من أكثر أفكار الكتاب قابلية للتطبيق لأن احترام الإنسان يعني ألا يصبح وجوده مجرد أداة لتحقيق أهدافنا.

 

في السياق ذاته، فإن استدعاء مفهوم نيتشه المتعلق بحب القدر يمنح الكتاب عمقه الفلسفي خصوصًا في فكرة قبول الحياة بكل ما فيها من ألم وفشل وموت، لكن حب القدر لا ينبغي أن يفهم باعتباره دعوة إلى الاستسلام فقبول الواقع شيء والخضوع له شيء آخر.

 

أن تقول “هذا حدث بالفعل” لا يعني أن تقول “لا أستطيع تغييره” وإنما يعني أنك تتوقف عن إهدار طاقتك في إنكار وجوده ثم تبدأ في السؤال عما يمكنك فعله؛ وهذه نقطة مهمة للغاية في فلسفة مانسون: وهي أن التقبل ليس عكس الفعل بل قد يكون شرطًا للفعل، فالشخص الذي ينكر فشله لا يستطيع التعلم منه والذي ينكر ضعفه لا يستطيع تطويره والذي ينكر مشكلته لا يستطيع البحث عن حل.

 

أهم ما يميز “خراب” هو أنه يقاوم سوقًا كاملة تقوم على بيع السعادة السريعة فهو لا يعد القارئ بأن الحياة ستصبح سهلة إذا غيّر أفكاره وولا يقدم النجاح بوصفه نتيجة مضمونة للتفكير الإيجابي، فهذه الواقعية قد تكون منعشة؛ لكن الواقعية نفسها تصبح مشكلة إذا تحولت إلى سوداوية دائمة فالقول إن الحياة مؤلمة لا يعني أن الحياة بلا قيمة والاعتراف بالموت لا يلغي معنى الحب وقبول الفشل لا يلغي إمكانية النجاح؛ وهنا يجب أن نقرأ مانسون باعتباره ناقدًا للتفاؤل الساذج لا داعية إلى التشاؤم.

 

“خراب: كتاب عن الأمل” يبدو من خلال هذا الملخص مشروعًا فكريًا يقوم على قلب السؤال التقليدي: بدلًا من أن يسأل الإنسان “كيف أحصل على حياة سعيدة بلا ألم؟” يدفعه إلى السؤال “كيف أبني حياة تستحق أن أتحمل من أجلها بعض الألم؟” وهذا التحول هو أقوى ما في الكتاب؛ فالمشكلة ليست في أن نحلم بالمستقبل وإنما في أن نكره حاضرنا انتظارًا له وليست المشكلة في أن نريد حياة أفضل وإنما في أن نعتقد أن الحياة الجيدة هي الحياة التي لا تحتوي على مشكلات؛ ومع ذلك، يحتاج طرح مانسون إلى قراءة نقدية تمنع تحول الواقعية إلى عقيدة جديدة فالإنسان ليس محكومًا بالمعاناة وحدها، والظروف يمكن تغييرها وبعض أشكال الألم ليست ضرورية ولا ينبغي تمجيدها أو قبولها فهناك ظلم وفقر وعنف ومشكلات يمكن ويجب مقاومتها وليس من الحكمة أن نقول لمن يعاني منها: “تقبلها لأنها جزء من الحياة”.

 

كذلك فإن الأمل ليس عدوًا ينبغي التخلص منه، وإنما يحتاج إلى إعادة بناء؛ فالأمل الناضج لا يقول إن الغد سيكون مثاليًا؛ بل يقول إن هناك شيئًا يستحق المحاولة حتى لو لم تكن النتيجة مضمونة، وهنا تتحول فلسفة “خراب” من دعوة إلى التشاؤم إلى دعوة إلى نوع أكثر صلابة من الأمل: أمل لا يحتاج إلى إنكار الواقع كي يعيش ولا يشترط اختفاء الألم كي يشعر الإنسان بأن حياته تستحق.

 

وربما تكون الرسالة الأعمق للكتاب أن النضج لا يعني أن نصل إلى مرحلة تختفي فيها المعاناة وإنما أن نتوقف عن اعتبار المعاناة دليلًا على أن حياتنا فاشلة، فالحياة ليست وعدًا بالسعادة، كما أنها ليست حكمًا بالألم؛ بل إنها مساحة مفتوحة بين الاثنين وما يملكه الإنسان ليس القدرة على التحكم في كل ما يحدث وإنما القدرة على اختيار ما الذي يستحق أن يخوض من أجله المعركة وما الذي يستحق أن يمنحه اهتمامه، وأي إنسان يريد أن يكون وسط كل هذا الخراب

 

وفي النهاية، ربما لا يكون الأمل الحقيقي هو انتظار المستقبل الوردي بل القدرة على النظر إلى الحاضر بكل عيوبه والاعتراف بأنه مؤلم أحيانًا، ثم القول رغم ذلك: هذه الحياة ليست مثالية لكنها ما زالت تستحق أن أعيشها وأمنحها معنى.

 

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

______________

 

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: خراب “كتاب عن الأمل”

المؤلف: مارك مانسون (Mark Manson).

عدد الصفحات: 336 صفحة

ISBN: 9786144720721

 

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *