قراءة في كتاب «الأتمتة النفسية».. حين لا تكون كل أفعالنا تحت سيطرة الإرادة ـ بيير جانيه (Pierre Janet)

يبدأ كل كتاب بسؤال وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة، وهذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

ومن أكثر الأفكار رسوخاً في تصورنا عن الإنسان أن أفعاله تصدر عن إرادته ووعيه؛ نفكر، ثم نقرر، ثم نتصرف، لكن ماذا لو كان جزء من النشاط الإنساني يحدث خارج هذه السلسلة الواضحة؟ ماذا لو كان الإنسان يستطيع أن يشعر ويتصرف ويفكر بصورة لا تمر كلها عبر مركز واحد من الوعي؟

وطرح الطبيب وعالم النفس الفرنسي بيير جانيه، في عام 1889، هذا السؤال في كتابه L’Automatisme psychologique – الأتمتة النفسية: بحث في علم النفس التجريبي للأشكال الدنيا من النشاط الإنساني، وهو العمل الذي قدمه في الأصل بوصفه أطروحة دكتوراه في الفلسفة، قبل أن يصدر عن دار فيليكس ألكان في باريس.

وكان جانيه يتحرك في منطقة لم يكن علم النفس قد استقر فيها بعد؛ منطقة تقع بين الوعي والإرادة والذاكرة والتنويم المغناطيسي والهستيريا والأفعال التي تبدو وكأنها تحدث من تلقاء نفسها، لكن كلمة «الأتمتة» عند جانيه لا تعني ببساطة أن الإنسان آلة، ولا تعني أن كل فعل آلي يخلو من الوعي، وهذه نقطة أساسية لفهم الكتاب.

فجانيه يرى إمكانية وجود نشاط تلقائي ومنتظم ومحدد إلى حد كبير، مع بقاء قدر من الوعي مصاحباً له، ولذلك حاول أن يحرر مفهوم الأتمتة من الفكرة التي تربط الآلية بالغياب الكامل للعقل أو الشعور، وهنا يبدأ الكتاب من سؤال فلسفي قديم: إذا كان الإنسان يمتلك الإرادة والاختيار، فهل كل ما يحدث داخله يخضع لهما؟

يجيب جانيه بصورة أكثر تعقيداً: ليس بالضرورة، فالإنسان يستطيع القيام ببعض الأفعال التي لا تتطلب في كل لحظة تدخلاً واعياً ومقصوداً، كما يمكن لبعض العمليات النفسية أن تستمر بصورة مستقلة نسبياً عن الإرادة الواعية.

ومن هنا لا يصبح «الأتمتة النفسية» نقيضاً مطلقاً للوعي، وإنما تصبح طريقة لفهم الأشكال الدنيا والأبسط من النشاط النفسي، كما ينطلق جانيه من ملاحظة أن الفلاسفة كثيراً ما اهتموا بالأشكال العليا للنشاط الإنساني؛ الإرادة، والقرار، والاختيار، والمسؤولية، والوعي الأخلاقي.

لكن هذه الصورة لا تفسر كل شيء، فإذا كانت الحياة النفسية تتكون فقط من قرارات واعية، فكيف نفسر الحركات التلقائية؟ وكيف نفسر الأفعال التي يقوم بها الإنسان دون أن ينتبه إليها؟ وكيف نفهم بعض الظواهر التي تظهر أثناء التنويم أو حالات الهستيريا أو الاضطرابات العصبية والنفسية؟

ويقسم جانيه دراسته الأساسية إلى مستويين كبيرين: الأتمتة الكاملة والأتمتة الجزئية.

في الأتمتة الكاملة، يهيمن نشاط واحد بصورة قوية على الحالة النفسية، بحيث يبدو أن الفكر والحركة والإحساس يتحركون في اتجاه واحد.

أما الأتمتة الجزئية، فالأمر أكثر تعقيداً؛ إذ يمكن أن توجد أنشطة نفسية متعددة في الوقت نفسه، بحيث لا تكون كل العمليات التي تجري داخل الإنسان تحت سيطرة مركز واحد من الوعي.

وهذه الفكرة كانت مهمة جداً في تطور تفكير جانيه؛ لأنها تفتح الباب أمام تصور النفس باعتبارها قادرة على إنتاج أنشطة متزامنة ومستقلة نسبياً.

فالإنسان قد يتحدث مع شخص بينما تقوم يده بحركة متكررة بصورة شبه تلقائية، أو قد يؤدي نشاطاً اعتاد عليه بينما ينشغل تفكيره بشيء آخر.

لكن جانيه لا يتوقف عند أمثلة الحياة اليومية، بل ينتقل إلى الحالات التي تظهر فيها هذه الاستقلالية بصورة أكثر وضوحاً، خصوصاً في دراساته للمرضى الذين عانوا من حالات هستيرية أو حالات تغير في الوعي والإحساس والذاكرة.

وتوضح مقدمات الطبعات اللاحقة للكتاب أن دراسات جانيه اعتمدت بدرجة كبيرة على حالات الهستيريا، وحالات التنويم والمشي أثناء النوم، والتغيرات المفاجئة في الذاكرة والحساسية، وما سماه الأفعال اللاواعية أو ما دون الواعية.

وهنا يصبح المرض بالنسبة إلى جانيه نافذة علمية، فالظواهر التي تظهر بصورة مبالغ فيها في الحالات المرضية قد تساعدنا على رؤية آليات موجودة بدرجات أقل في الإنسان العادي، وهذه طريقة تفكير مهمة في تاريخ علم النفس: فهم الظاهرة الطبيعية من خلال دراسة اضطرابها.

ومن أكثر الأفكار إثارة في الكتاب أن الوعي لا يظهر دائماً باعتباره مركزاً واحداً يتحكم في كل النشاط النفسي، ففي بعض الحالات التي درسها جانيه، يمكن أن تظهر أفعال أو إحساسات أو ذكريات بصورة مستقلة عن بقية النشاط النفسي للشخص.

وهذا يقوده إلى مفهوم مهم هو التفكك أو التفكك النفسي، الذي أصبح لاحقاً جزءاً مهماً من تاريخ نظريات جانيه حول الاضطرابات النفسية.

ويظهر في فهرس الكتاب بحث واضح في «الأفعال ما دون الواعية»، و«الوجودات النفسية المتزامنة»، و«التفكك النفسي»، إضافة إلى حالات فقدان الإحساس والتغيرات المرتبطة بالهستيريا.

لكن المقصود هنا ليس أن داخل الإنسان «شخصيات» مستقلة بالمعنى الشعبي المبسط، وإنما أن النشاط النفسي يمكن أن يفقد وحدته المعتادة، فتظهر عمليات نفسية لا تتكامل بصورة كاملة مع بقية الوعي.

وهذه الفكرة كانت شديدة الأهمية؛ لأنها تعيد تعريف الشخصية ليس باعتبارها وحدة صلبة لا تتغير، وإنما باعتبارها نظاماً يمكن أن يحدث داخله قدر من الانقسام أو فقدان التكامل.

ويولي الكتاب اهتماماً كبيراً بالذاكرة، وخاصة الحالات التي يبدو فيها أن الإنسان فقد القدرة على الوصول الواعي إلى بعض المعلومات أو الخبرات، بينما تستمر آثارها في السلوك، وهنا يطرح جانيه فكرة بالغة الأهمية: عدم تذكر شيء لا يعني بالضرورة أن كل آثاره اختفت من النشاط النفسي.

وقد تظهر هذه الفكرة في حالات الاقتراح والتنويم وبعض الظواهر التي درسها جانيه، حيث يمكن لفكرة أو أمر تم تقديمه للشخص في حالة معينة أن يظهر تأثيره لاحقاً.

ومن هنا ينتقل الكتاب إلى موضوع الإيحاء، فيكشف بصورة مثيرة العلاقة بين الفكرة والفعل؛ إذ يمكن لفكرة مقترحة أن تتحول إلى سلوك، أحياناً دون أن يشعر الشخص بأن الفكرة جاءت من مصدر خارجي أو أنه ينفذها بصورة واعية.

ويضم الكتاب بالفعل قسماً تاريخياً عن نظريات الإيحاء، ووصفاً لظواهر نفسية ناتجة عن الإيحاء، ثم مناقشة للنظريات المختلفة التي حاولت تفسيرها.

لكن جانيه لا يتعامل مع الإيحاء كظاهرة غامضة أو خارقة، بل يحاول إدخالها إلى مجال الدراسة النفسية التجريبية، وهنا تكمن إحدى أهم سمات الكتاب: محاولة نقل ظواهر كانت تحاط بالغموض إلى مجال الملاحظة والوصف والتفسير النفسي.

وفي نهاية القرن التاسع عشر، كان التنويم المغناطيسي موضوعاً مثيراً للجدل، وكان يستخدم أحياناً في تفسير ظواهر بدت غير مفهومة، وقد تعامل جانيه مع هذه الظواهر باعتبارها مادة تستحق الدراسة العلمية، لا باعتبارها دليلاً على قوى خارقة.

فالحالات التنويمية عنده تساعد على دراسة ما يحدث عندما تتغير العلاقة بين الوعي والذاكرة والإحساس والحركة، وهنا يصبح التنويم وسيلة للكشف عن إمكانات النشاط النفسي التي لا تظهر عادة في حالة اليقظة العادية.

ومن خلال هذه الحالات، يستطيع جانيه أن يطرح سؤالاً أكثر عمقاً: هل الوعي وحدة واحدة دائماً، أم يمكن أن تتوزع العمليات النفسية داخل الإنسان بدرجات مختلفة من الاستقلال؟

هذا السؤال سيظل حاضراً في تاريخ علم النفس بعد جانيه، وسيصبح أكثر أهمية مع تطور الدراسات حول الذاكرة والانتباه والعمليات غير الواعية.

ومن الموضوعات التي تظهر في الكتاب أيضاً ظواهر مثل الحركات التلقائية والكتابة الآلية، وهي أمثلة تساعد جانيه على دراسة النشاط النفسي الذي يبدو منفصلاً جزئياً عن الإرادة الواعية، والكتابة الآلية مثيرة للاهتمام تحديداً لأنها تقدم صورة واضحة للمفارقة: يد الإنسان تتحرك وتنتج كلمات، بينما لا يبدو أن الشخص يشعر بأنه يكتب بالطريقة المعتادة.

لكن جانيه يحاول تفسير هذه الظواهر داخل إطار نفسي، بدلاً من اعتبارها دليلاً على وجود قوة خارجية أو تفسير خارق، ويظهر اهتمامه بهذه المنطقة في فصول الكتاب المتعلقة بالأفعال ما دون الواعية، والتلقائية الحركية، والتغيرات في الحساسية والإدراك.

وربما تكون أهم فكرة نظرية في الكتاب كله أن النشاط الآلي لا يعني بالضرورة النشاط الميكانيكي الخالي من الوعي، وهذه النقطة تبدو اليوم أكثر وضوحاً، لأن الإنسان يقوم يومياً بآلاف العمليات التي أصبحت شبه تلقائية بفعل العادة والتدريب، ومع ذلك لا يعني ذلك أن هذه العمليات منفصلة تماماً عن الحياة النفسية.

فالسائق المتمرس، مثلاً، يستطيع تغيير السرعة أو توجيه السيارة دون التفكير الواعي في كل حركة على حدة، والكاتب يستطيع الكتابة بينما يفكر في الجملة التالية، والموسيقي يمكن أن يعزف مقطعاً اعتاد عليه دون أن يراقب كل حركة من أصابعه بصورة منفصلة.

وهذه الأمثلة الحديثة ليست بالضرورة أمثلة من كتاب جانيه، لكنها تساعدنا على فهم الفكرة التي كان يحاول الوصول إليها: النشاط النفسي لا يحتاج دائماً إلى مراقبة واعية مستمرة لكل خطوة من خطواته، وهنا يصبح السؤال ليس: هل الفعل واعٍ أم غير واعٍ، بل: إلى أي درجة يشارك الوعي في الفعل؟ وكيف تتوزع العمليات النفسية داخله؟، وهذا أكثر تعقيداً من الثنائية البسيطة بين الوعي واللاوعي.

ويتحول الكتاب في أجزاء منه إلى دراسة للحالات غير الطبيعية: الهستيريا، والتشنجات، والتخدير الحسي، والاندفاعات، والهلاوس، والتغيرات في الذاكرة والشخصية.

ويؤكد جانيه في مقدمة الطبعة الثانية أن دراسته كانت في الوقت نفسه نفسية وطبية، وأن الظواهر الآلية تظهر بصورة أكثر وضوحاً وتضخماً في الحالات المرضية. كما يذكر أن الهستيريا كانت إحدى أهم الحالات التي بنى عليها ملاحظاته.

فإذا انقسمت بعض الوظائف النفسية في حالة مرضية، فهذا قد يدفع الباحث إلى السؤال عما إذا كانت هذه الوظائف في الحالة الطبيعية مترابطة لأنها كذلك بطبيعتها، أم لأنها تعمل عادةً في حالة من التكامل يمكن أن تضعف أو تنهار.

وهذه الطريقة في التفكير تجعل الكتاب أكثر من مجرد دراسة تاريخية للهستيريا؛ فهو محاولة لفهم كيف تتشكل وحدة النفس نفسها.

إذا كانت هناك أفعال نفسية تلقائية، فماذا يبقى للإرادة؟، هنا لا يقدم جانيه إجابة تبسيطية تقول إن الإنسان بلا إرادة، بل يحاول أن يضع الإرادة في مكانها الصحيح داخل منظومة أكثر تعقيداً.

فالوعي والإرادة يمثلان أشكالاً أعلى وأكثر تكاملاً من النشاط النفسي، لكنهما ليسا نقطة البداية الوحيدة لكل نشاط إنساني، فالإنسان يتعلم، ويكرر، ويعتاد، ويخزن الخبرات، وتتحول بعض هذه العمليات إلى أنماط أكثر تلقائية، ومن ثم فإن الشخصية الإنسانية لا تتكون فقط من القرارات التي يتخذها الإنسان في اللحظة الحالية، وإنما أيضاً من تاريخ طويل من العادات والخبرات والارتباطات النفسية.

وهنا يصبح الكتاب مهماً في فهم العلاقة بين الماضي والحاضر، فالخبرة القديمة لا تختفي بمجرد انتهاء الموقف الذي أنتجها؛ قد تستمر في تشكيل السلوك، حتى عندما لا تكون حاضرة في الوعي بصورة مباشرة.

خلاصة الكتاب في نقاط:

1. النشاط النفسي لا يخضع كله للوعي والإرادة في كل لحظة.

2. يمكن أن توجد أفعال تلقائية مع بقاء قدر من الوعي مصاحباً لها.

3. الأتمتة النفسية لا تعني أن الإنسان آلة أو أن النشاط الآلي خالٍ تماماً من الوعي.

4. النشاط النفسي يمكن أن يكون كاملاً أو جزئياً، وقد تتزامن عمليات نفسية متعددة داخل الشخص.

5. الذاكرة قد تستمر في التأثير رغم عدم حضور بعض محتوياتها في الوعي.

6. الإيحاء يكشف قدرة الأفكار والمثيرات على توجيه السلوك.

7. التنويم المغناطيسي يمثل حالة مهمة لدراسة العلاقة بين الوعي والذاكرة والإحساس والحركة.

8. بعض الحالات المرضية تكشف بصورة أوضح آليات يمكن أن توجد بدرجات أقل في النشاط النفسي الطبيعي.

9. وحدة الشخصية ليست أمراً بسيطاً دائماً، ويمكن أن يحدث قدر من التفكك في النشاط النفسي.

10. فهم الإرادة يحتاج أولاً إلى فهم العمليات التلقائية والعادات والأنشطة التي تعمل خارج السيطرة الواعية المباشرة.

ويناسب الكتاب المهتمين بتاريخ علم النفس، وعلم النفس المرضي، والوعي والذاكرة، والتنويم والإيحاء، كما يهم الباحثين في تاريخ دراسة اللاوعي وتطور النظريات المتعلقة بالشخصية، وهو مناسب أيضاً للقارئ الذي يريد فهم جذور بعض الأفكار التي أصبحت لاحقاً جزءاً من النقاشات الحديثة حول العمليات غير الواعية والانقسام النفسي والذاكرة والسلوك التلقائي.

لكن يجب أن يُقرأ باعتباره كتاباً تاريخياً في مرحلة مبكرة من علم النفس التجريبي والطب النفسي، وليس باعتباره مرجعاً علمياً معاصراً يفسر الظواهر النفسية وفق المعرفة الحالية.

وتأتي إحدى أهم نقاط قوة الكتاب من جرأته على دراسة مناطق كانت تقع على الحدود بين الفلسفة والطب النفسي وعلم النفس، ومحاولة إخضاعها للملاحظة والتحليل، كما أن قوة الكتاب تظهر في الطريقة التي يربط بها جانيه بين الحالات الطبيعية والمرضية؛ فالظواهر غير العادية تصبح وسيلة لفهم البنية العادية للنشاط النفسي.

ومن نقاط قوته أيضاً أنه يرفض الاختيار السهل بين «الوعي» و«الآلية»، ويقترح إمكانية وجود نشاط آلي يصاحبه شكل من أشكال الوعي. وهذه الفكرة تظهر بوضوح في مقدمة الكتاب، كما أن الكتاب يقدم مادة غنية لفهم تطور مفهوم اللاوعي أو ما دون الوعي، قبل أن تتبلور المدارس اللاحقة في علم النفس بصورة أكثر وضوحاً.

أما نقاط الضعف، فأبرزها أن بعض تفسيراته تنتمي إلى العلم النفسي والطبي في نهاية القرن التاسع عشر، ولذلك لا يمكن التعامل معها باعتبارها توصيفاً نهائياً للعمليات النفسية، كما أن اعتماد أجزاء مهمة من الدراسة على حالات مرضية وتنويمية يجعل تعميم النتائج على الإنسان الطبيعي مسألة تحتاج إلى الحذر.

وهناك أيضاً مشكلة تاريخية ومنهجية تتعلق بالمفاهيم المستخدمة في ذلك الوقت؛ فمصطلحات مثل «الهستيريا» و«التفكك» و«الأفعال ما دون الواعية» كانت تحمل معاني تختلف جزئياً عن الاستخدامات العلمية والنفسية الحديثة.

ولهذا فإن قراءة جانيه اليوم تحتاج إلى فصل أمرين: ما كان اكتشافاً مهماً في تاريخ الفكرة، وما أصبح لاحقاً بحاجة إلى تعديل أو تجاوز علمي.

لكن ربما يكون أهم ما يميز الكتاب أنه لا يحاول فقط تفسير ظاهرة غريبة، وإنما يستخدمها للوصول إلى سؤال أكبر: ما الذي يجعل النشاط النفسي يبدو وكأنه وحدة واحدة؟، فإذا كان داخل الإنسان عدد كبير من العمليات التي تعمل بصورة مستقلة نسبياً، فكيف تتجمع في النهاية لتكوين شعور بأن هناك «أنا» واحدة تفكر وتقرر وتتصرف؟

وهنا تتحول الأتمتة النفسية من موضوع عن الحركات التلقائية إلى سؤال عن وحدة الشخصية نفسها، وعندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

قيمة «الأتمتة النفسية» لا تكمن فقط في الظواهر التي درسها جانيه، وإنما في السؤال الذي تركه وراءه: هل نعرف حقاً كل ما يحدث داخلنا؟، ونحن نحب أن نتصور أنفسنا ككائنات تفكر ثم تقرر ثم تتحرك، لكن التجربة الإنسانية أكثر تعقيداً من ذلك.

وهناك عادات، وذكريات، وانفعالات، واستجابات تلقائية، وعمليات نفسية لا تظهر كلها على سطح الوعي، ومع ذلك يمكن أن تؤثر في طريقة تصرفنا، وهذا لا يعني أن الإنسان بلا إرادة، وإنما يعني أن الإرادة نفسها تعمل فوق طبقات أعمق من النشاط النفسي.

وربما يكون الدرس الأهم الذي يمكن أن يخرج به القارئ من الكتاب هو أن معرفة النفس لا تبدأ فقط من دراسة ما نعرفه عن أنفسنا، وإنما أيضاً من محاولة فهم ما يحدث فينا دون أن ننتبه إليه، فقد لا يكون السؤال الحقيقي: «هل أنا أتحكم في أفعالي؟»، وإنما: «كم من الأشياء التي أعتبرها قرارات واعية بدأت في مكان أعمق مني قبل أن أصل إليها؟»

ومن هنا تظل «الأتمتة النفسية» كتاباً مهماً في تاريخ الأفكار؛ لأنه ساعد على فتح الباب أمام تصور أكثر تعقيداً للعقل البشري، حيث لا يعيش الوعي وحده، ولا تعمل الإرادة في فراغ، ولا يمكن فهم الشخصية من خلال ما تقوله عن نفسها فقط.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

البطاقة التعريفية للكتاب:

العنوان: L’Automatisme psychologique – «الأتمتة النفسية»

العنوان الفرعي: Essai de psychologie expérimentale sur les formes inférieures de l’activité humaine – «بحث في علم النفس التجريبي للأشكال الدنيا من النشاط الإنساني»

المؤلف: بيير جانيه (Pierre Janet)

دار النشر: Félix Alcan

بلد النشر: فرنسا

مكان النشر: باريس

سنة النشر: 1889

صدرت الطبعة الأولى في باريس عام 1889، وكان الكتاب في الأصل أطروحة دكتوراه في الفلسفة قدمها جانيه إلى السوربون. وتؤكد الفهارس الوطنية الفرنسية بيانات النشر والعنوان والموضوع.

عدد الصفحات: 496 صفحة في إحدى النسخ الأصلية المفهرسة لدى المكتبة الوطنية الفرنسية وGoogle Books، مع وجود اختلافات في عدد الصفحات بين النسخ والإصدارات.

وتوجد إعادة نشر لاحقة للطبعة الرابعة من النص في عام 1973، في 464 صفحة، كما توجد طبعات أخرى لاحقة.

اللغة الأصلية: الفرنسية

الموضوعات: علم النفس التجريبي – الأتمتة النفسية – النشاط ما دون الواعي – الهستيريا – التنويم المغناطيسي – الإيحاء – الذاكرة – التفكك النفسي.

الطبعة: الطبعة الأولى، 1889، مع طبعات لاحقة متعددة.

ISBN: لا يوجد ISBN للطبعة الأصلية الصادرة في القرن التاسع عشر؛ إذ إن نظام ISBN ظهر بعد ذلك بوقت طويل. وتوجد أرقام ISBN مختلفة لإصدارات إعادة النشر الحديثة.

حالة حقوق النص الأصلي: العمل الأصلي المنشور عام 1889 أصبح ضمن الملكية العامة، وتوفر Wellcome Collection نسخة رقمية من العمل مع تصنيف Public Domain Mark.

حقوق النشر:

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلاً عنه.

وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشري الطبعات الحديثة، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *