سنة أولى نفسية.. طوق نجاة أم وهم التعافي السريع؟

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

 

ما يتناوله الكتاب

 

يأتي كتاب “سنة أولى نفسية” للكاتبة شيماء الجمال في سياق أصبحت فيه الصحة النفسية واحدة من أكثر القضايا حضورًا في الوعي العام بعدما خرج الحديث عنها من نطاق العيادات والمتخصصين إلى الحياة اليومية ووسائل التواصل الاجتماعي والكتب والمنصات الرقمية؛ ففي ظل هذا الانتشار أصبح القارئ يبحث عن لغة يفهم من خلالها نفسه ومشاعره بعيدًا عن المصطلحات الأكاديمية المعقدة وعن الأحكام القاسية التي كانت تجعل كثيرين يتعاملون مع مشكلاتهم النفسية باعتبارها ضعفًا أو عيبًا شخصيًا.

 

من هذه الزاوية تبدو فكرة “سنة أولى نفسية” جذابة ومهمة؛ فالكتاب لا يقدم نفسه باعتباره دراسة أكاديمية متخصصة وإنما باعتباره مدخلًا مبسطًا إلى فهم الذات والتعامل مع القلق وجلد الذات والعلاقات والحدود النفسية والعناية بالنفس وهذه البساطة هي أحد أهم عناصر قوته لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب أمام سؤال نقدي ضروري: هل تبسيط المعرفة النفسية يساعد الإنسان على فهم نفسه أم أن الإفراط في التبسيط قد يجعل بعض المشكلات المعقدة تبدو وكأنها قابلة للحل بمجموعة من النصائح اليومية؟

 

وهنا تحديدًا تكمن أهمية القراءة النقدية للكتاب؛ فهو يمكن أن يكون بداية جيدة للوعي لكن لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن المعرفة المتخصصة أو المساعدة النفسية عند الحاجة.

 

الفكرة المركزية التي يقوم عليها الكتاب وهي التعامل مع النفس كما نتعامل مع صديق نحبه تبدو للوهلة الأولى بسيطة لكنها تلمس مشكلة شائعة جدًا وهي أن الإنسان غالبًا ما يكون أكثر قسوة على نفسه من الآخرين، فهو قد يسامح صديقه على الخطأ ويبحث له عن الأعذار ويشجعه عندما يفشل لكنه عندما يخطئ هو يبدأ في إطلاق الأحكام القاسية على ذاته قائلًا : “أنا فاشل” ، “أنا لا أستحق”، “كان يجب أن أكون أفضل”؛ وهكذا يتحول الخطأ من موقف عابر يمكن التعلم منه إلى حكم شامل على قيمة الإنسان نفسه.

 

وهنا تكمن أهمية مفهوم التعاطف مع الذات، فالمصالحة مع النفس لا تعني تبرير الأخطاء أو الهروب من المسؤولية وإنما تعني الفصل بين “أنا أخطأت” و”أنا شخص سيئ”؛ فالفرق بين الجملتين كبير؛ الأولى تفتح الباب للإصلاح بينما الثانية تغلقه أمام أي محاولة للتغيير.

 

لكن الكتاب يحتاج هنا إلى قراءة متوازنة أيضًا لأن الدعوة إلى حب الذات قد يساء فهمها أحيانًا باعتبارها دعوة إلى قبول كل شيء كما هو والحقيقة أن التعاطف مع الذات لا يعني إعفاء الإنسان من المسؤولية بل مساعدته على تحمل المسؤولية دون تحطيم نفسه.

 

يتوقف الكتاب أمام السعي إلى الكمال وهو موضوع شديد الصلة بالحياة المعاصرة خصوصًا مع انتشار صور النجاح المثالي على وسائل التواصل الاجتماعي؛ فالمشكلة ليست في أن يطمح الإنسان إلى الأفضل وإنما في الاعتقاد بأنه لا يستحق الرضا عن نفسه إلا إذا وصل إلى صورة مثالية لا وجود لها في الواقع وهنا يتحول الطموح إلى ضغط والإنجاز إلى اختبار مستمر للقيمة الشخصية.

 

وتأتي أهمية الكتاب في التمييز بين التطور والكمال فالإنسان يستطيع أن يسعى للتحسن لكنه لا يستطيع أن يضمن ألا يخطئ أو يفشل أو يتراجع ومع ذلك، فإن الحديث عن الكمالية يحتاج إلى عمق أكبر من مجرد مطالبة القارئ بأن يتوقف عن السعي للكمال لأن جذور هذه النزعة قد تكون مرتبطة بالتربية أو الخوف من الفشل أو الحاجة إلى القبول أو تجارب سابقة جعلت الخطأ يبدو خطرًا؛ وهنا تظهر إحدى حدود الكتب النفسية المبسطة: الفكرة قد تكون صحيحة لكن الوصول إلى جذورها ليس دائمًا بهذه البساطة.

 

من أكثر المحاور أهمية في الكتاب حديثه عن الحدود النفسية وفن قول “لا” وهذه القضية أصبحت من أكثر المفاهيم تداولًا في الخطاب النفسي الحديث، إذ يحتاج الإنسان بالفعل إلى حدود تحمي وقته وطاقته وخصوصيته وتمنعه من السماح للآخرين بتجاوز حقوقه كما أن القدرة على قول “لا” ليست قسوة وإنما قد تكون شكلًا من أشكال احترام الذات؛ لكن المشكلة تكمن في تحول مفهوم الحدود أحيانًا إلى شعار مبالغ فيه وهو “ابتعد عن كل شخص يستنزفك”، “اقطع كل علاقة سامة”، “لا تسمح لأحد بالتأثير عليك”، فالحياة الإنسانية أكثر تعقيدًا من هذه الشعارات؛ فليست كل علاقة صعبة علاقة سامة وليس كل خلاف دليلًا على وجود شخص نرجسي وليس كل شعور بعدم الارتياح سببًا كافيًا لإنهاء العلاقة.

 

ومن هنا فإن قيمة الكتاب تكون أكبر عندما يدفع القارئ إلى فهم العلاقة قبل الحكم عليها فوضع الحدود لا يعني إغلاق الأبواب أمام الآخرين بل يعني تحديد ما يمكن قبوله وما لا يمكن قبوله؛ فالحدود الصحية ليست جدرانًا وإنما قواعد واضحة للعلاقة.

 

يقدم الكتاب المشاعر باعتبارها رسائل وليست عيوبًا وهي فكرة مهمة جدًا في التعامل مع النفس، فالخوف على سبيل المثال، ليس دائمًا عدوًا فهو في الأصل جزء من آليات الحماية لدى الإنسان، والمشكلة لا تكمن في وجود الخوف وإنما في الطريقة التي نتعامل بها معه، فإذا أصبح الخوف هو صاحب القرار الدائم فإنه قد يمنع الإنسان من التجربة والمخاطرة المحسوبة والنمو؛ لكن التعامل مع القلق يحتاج إلى قدر من الحذر لأن القلق اليومي الطبيعي يختلف عن الحالات النفسية التي تصبح شديدة أو مستمرة أو تعطل حياة الإنسان وهنا لا تكفي دائمًا الكتابة أو الامتنان أو محاولة التفكير الإيجابي؛ ومن الضروري التأكيد على أن الكتاب مهما كانت قيمته التوعوية لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه بديلًا عن المختص عندما تتجاوز المعاناة قدرة الإنسان على التعامل معها بنفسه.

 

وهذه نقطة أساسية في تقييم أي كتاب يتناول الصحة النفسية فالتوعية شيء والعلاج شيء آخر.

 

ويقدم الكتاب أيضًا نقدًا واضحًا لجلد الذات وهي من أكثر النقاط التي يمكن أن يتفاعل معها القارئ، فالشعور بالذنب قد يكون مفيدًا عندما يدفع الإنسان إلى الاعتذار والإصلاح لكنه يصبح مدمرًا عندما يتحول إلى عقوبة مستمرة؛ فهناك فرق بين الندم الذي يقول: “لقد أخطأت وأريد إصلاح الخطأ”، وبين جلد الذات الذي يقول: “أنا شخص لا يستحق المسامحة” الأول يقود إلى المسؤولية، والثاني يقود إلى العجز؛ ولهذا فإن تحويل الخطأ إلى فرصة للتعلم يمثل واحدة من أكثر الرسائل نضجًا في الكتاب فالإنسان لا يحتاج إلى إنكار أخطائه حتى يحب نفسه وإنما يحتاج إلى الاعتراف بها دون تحويلها إلى هوية ثابتة.

 

ومن نقاط القوة في “سنة أولى نفسية” أنه لا يكتفي بالمواعظ وإنما يقدم ممارسات يومية مثل الكتابة التفريغية والامتنان وتقليل التعرض لوسائل التواصل الاجتماعي؛ هذه الأدوات تتميز بأنها بسيطة ولا تحتاج إلى إمكانات كبيرة وقد تساعد بعض الأشخاص بالفعل على تنظيم الأفكار والانتباه للمشاعر ومراجعة اليوم؛ لكن المشكلة تظهر عندما تُقدَّم الأدوات البسيطة باعتبارها قادرة على حل مشكلات عميقة، فالكتابة قد تساعد الإنسان على ترتيب أفكاره لكنها ليست علاجًا شاملًا لكل أشكال المعاناة النفسية والامتنان قد يغير زاوية النظر إلى الحياة لكنه لا يلغي الألم أو المشكلات الواقعية أما الانفصال الرقمي فقد يقلل المقارنات والمثيرات لكنه لا يعالج وحده الأسباب العميقة للقلق أو انخفاض تقدير الذات، لذلك فإن القيمة الحقيقية لهذه الممارسات تكمن في كونها أدوات مساعدة وليست وصفات سحرية.

 

إذا كان هناك عنصر يفسر جاذبية الكتاب للقارئ العام، فهو أسلوب الكاتبة، فاللغة البسيطة والقريبة من الحياة اليومية تجعل المفاهيم النفسية أقل رهبة وأكثر قابلية للفهم، وهذا أمر مهم في نشر الوعي لأن المعرفة التي لا يستطيع القارئ فهمها لن تغير سلوكه مهما كانت دقيقة؛ كما أن الابتعاد عن نبرة الخبير الذي يعرف كل شيء يمنح النص طابعًا إنسانيًا وعندما يشعر القارئ أن الكاتب لا يحاكمه يصبح أكثر استعدادًا لمراجعة نفسه؛ لكن هذا الأسلوب نفسه يفرض تحديًا وهو أنه كلما اقترب الخطاب النفسي من اللغة اليومية زادت الحاجة إلى التمييز بين التجربة الشخصية والحقيقة العلمية، فما يصلح لشخص قد لا يصلح لآخر وما يبدو تفسيرًا منطقيًا لسلوك معين قد تكون وراءه أسباب أكثر تعقيدًا.

 

ربما يكون التعبير الأكثر دقة عن الكتاب هو أنه كتاب بداية فهو لا يدعي بالضرورة أن القارئ سيصل بعده إلى حالة مثالية من السلام النفسي وإنما يفتح أمامه أبوابًا للتأمل في علاقته بنفسه وبالآخرين.

 

وهنا تأتي قوة عنوان “سنة أولى نفسية” نفسه؛ ففكرة السنة الأولى توحي بأن الأمر رحلة تعلم لا شهادة تخرج فالإنسان يتعلم طوال الوقت كيف يفهم مشاعره وكيف يضع حدوده وكيف يتعامل مع الفشل وكيف يراجع معتقداته عن نفسه؛ وهذه الرؤية أكثر واقعية من الاعتقاد بأن هناك نقطة يصل إليها الإنسان ثم يصبح بعدها محصنًا ضد القلق والحزن والارتباك.

 

“سنة أولى نفسية” ينجح في تقديم خطاب إنساني بسيط حول مجموعة من القضايا التي أصبحت جزءًا من الحياة اليومية وأبرزها التعاطف مع الذات وجلد الذات والحدود النفسية والقلق والكمالية والعناية بالنفس؛ وتكمن قيمته الأساسية في أنه يحاول تطبيع الحديث عن المشاعر ويحرر القارئ من فكرة أن التعب النفسي عيب يجب إخفاؤه؛ كما أن لغته القريبة وتمارينه البسيطة تجعله مناسبًا لمن يريد أن يبدأ رحلة فهم ذاته دون الغرق في المصطلحات الأكاديمية.

 

لكن القراءة النقدية تمنعنا من التعامل معه بوصفه طوق نجاة بالمعنى الحرفي، فالطوق قد يساعد الإنسان على البقاء فوق الماء لكنه لا يخبره دائمًا لماذا سقط فيه ولا كيف يصل إلى الشاطئ، وهذه ربما تكون أهم ملاحظة على الكتاب: الوعي النفسي بداية مهمة لكنه ليس دائمًا علاجًا؛ فالإنسان يحتاج إلى أن يتعلم كيف يكون رحيمًا بنفسه لكن الرحمة لا تعني تجاهل الأخطاء ويحتاج إلى وضع الحدود لكن الحدود لا تعني قطع كل علاقة صعبة ويحتاج إلى قبول مشاعره لكن قبولها لا يعني الاستسلام لها ويحتاج إلى الاعتناء بنفسه لكن العناية بالنفس ليست بديلًا عن مواجهة المشكلات الحقيقية.

 

ومن هنا يمكن النظر إلى “سنة أولى نفسية” باعتباره دعوة إلى بداية أكثر لطفًا مع الذات لا باعتباره نهاية الطريق؛ فالهدف الحقيقي من الوعي النفسي ليس أن نعيش بلا ألم أو قلق أو فشل وإنما أن نصبح أكثر قدرة على فهم ما يحدث داخلنا وأكثر نضجًا في الاستجابة له.

 

وفي عالم يطالب الإنسان بأن يكون قويًا طوال الوقت تأتي الرسالة الأهم في الكتاب بسيطة لكنها عميقة وهي “ليس مطلوبًا منك أن تكون مثاليًا حتى تستحق التعاطف وليس مطلوبًا أن تنتصر في كل معركة حتى تكون جديرًا بالاحترام”، لكن النضج الحقيقي يبدأ عندما تتحول هذه الرحمة من مجرد كلمات مريحة إلى ممارسة واعية: أن نعترف بما يؤلمنا ونتحمل مسؤولية ما نستطيع تغييره ونطلب المساعدة عندما نحتاج إليها ونفهم أن التعافي ليس خطًا مستقيمًا وإنما رحلة تتقدم أحيانًا وتتراجع أحيانًا أخرى.

 

وهنا تحديدًا يصبح “سنة أولى نفسية” أكثر من مجرد كتاب عن الراحة النفسية؛ يصبح دعوة إلى علاقة أكثر إنسانية مع الذات بشرط ألا نخلط بين التصالح مع النفس والاستسلام لها ولا بين الوعي النفسي والادعاء بأننا قادرون وحدنا على حل كل شيء.

 

 

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا

 

______________

 

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: سنة أولى نفسية

المؤلف: شيماء الجمال

عدد الصفحات: 208 صفحة

ISBN: 978-977-6743-61-8

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *