توغل استخدام الذكاء الاصطناعي في سوق العمل بسرعة تجاوزت في أحيان كثيرة قدرة المؤسسات التعليمية على تحديث مناهجها، ليتحول السؤال من إمكانية تأثير التكنولوجيا في الوظائف إلى مدى استعداد الجامعات لإعداد خريجين لسوق تتغير داخله المهام والمهارات بوتيرة متسارعة.
وتشير البيانات الحديثة إلى أن الخطر لا يتمثل بالضرورة في اختفاء تخصصات جامعية كاملة، وإنما في تراجع الطلب على بعض المهام الروتينية وارتفاع قيمة مهارات أخرى تعتمد على التحليل والحكم المهني والإبداع والتعامل الواعي مع التكنولوجيا.
الذكاء الاصطناعي يغير الوظائف
بحسب مؤشر أصدرته منظمة العمل الدولية بالتعاون مع المعهد الوطني البولندي للبحوث عام 2025، يعمل نحو 1 من كل 4 عاملين عالميًا في مهنة لديها درجة ما من التعرض للذكاء الاصطناعي التوليدي، بينما تقع 3.3% فقط من العمالة العالمية في أعلى فئة تعرض، وتؤكد المنظمة أن تحول محتوى الوظائف هو السيناريو الأكثر احتمالًا، وليس الاستغناء الكامل عن العاملين،ويظهر التحول بصورة أوضح في الوظائف التي تعتمد على الأعمال المكتبية المتكررة ومعالجة المعلومات.
ووفق تقرير ” مستقبل الوظائف 2025″ للمنتدى الاقتصادي العالمي، تأتي وظائف مثل أمناء الصندوق وموظفي التذاكر والمساعدين الإداريين وإدخال البيانات وبعض وظائف الطباعة والمحاسبة والتدقيق ضمن المهن المتوقع تعرضها لضغوط أكبر حتى 2030، كما ظهر مصممو الجرافيك للمرة الأولى بالقرب من قائمة أسرع الوظائف تراجعًا، في إشارة إلى تأثير أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في بعض مهام العمل الإبداعي، لكن ذلك لا يعني اختفاء دراسة المحاسبة أو التصميم أو الإعلام؛ فالمهدد بصورة أكبر هو الجزء القابل للأتمتة داخل الوظيفة؛ وبالتالي يصبح المحاسب الأكثر قدرة على التحليل والاستشارات، والمصمم الذي يمتلك رؤية إبداعية، والصحفي القادر على التحقق والتحليل وفهم السياق، أكثر قدرة على الاحتفاظ بقيمته المهنية.
وظائف الذكاء الاصطناعي والبيانات في الصدارة
في المقابل، يضع المنتدى الاقتصادي العالمي متخصصي البيانات الضخمة، ومهندسي التكنولوجيا المالية، ومتخصصي الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة، ومطوري البرمجيات والتطبيقات ضمن أسرع الوظائف نموًا من حيث النسبة حتى عام 2030، كما ترتفع أهمية الأمن السيبراني والطاقة المتجددة والهندسة البيئية.
ويؤكد المنتدى، بالاستناد إلى توقعات أصحاب الأعمال الذين شملهم تقريره، على أن الذكاء الاصطناعي وتقنيات معالجة المعلومات قد تسهم في خلق نحو 11 مليون وظيفة مقابل إزاحة نحو 9 ملايين وظيفة حتى 2030، وهذه أرقام مختلفة عن تقدير 170 مليون وظيفة جديدة و92 مليون وظيفة مزاحة، لأن الرقم الأخير يشمل مجمل التحولات الكبرى في سوق العمل، وليس الذكاء الاصطناعي وحده.
وفي الوقت نفسه، لا تنتمي كل الوظائف الصاعدة إلى التكنولوجيا؛ فتوقعات المنتدى تشير أيضًا إلى نمو وظائف التمريض والرعاية الاجتماعية والتعليم، ما يعني أن المهارات الإنسانية لن تفقد أهميتها أمام الآلة.
المهارات تتغير أسرع من الشهادات
المشكلة الأكبر أمام الجامعات قد تكون في المهارات وليس أسماء التخصصات، ويتوقع أصحاب الأعمال المشاركون في تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي أن 39% من مجموعات المهارات الحالية للعاملين ستتغير أو تصبح متقادمة بين 2025 و2030، ويظل التفكير التحليلي من أهم المهارات الأساسية، فيما تأتي مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والأمن السيبراني والمعرفة التكنولوجية بين الأسرع نموًا.
وتظهر الحاجة إلى تطوير التعليم الجامعي أيضًا في طريقة تعامل المؤسسات نفسها مع الذكاء الاصطناعي، ففي مسح لليونسكو نُشر عام 2025 وشمل 400 استجابة من كراسي اليونسكو وشبكات UNITWIN في 90 دولة، قال 19% إن مؤسساتهم لديها سياسة رسمية للذكاء الاصطناعي، بينما أفاد 42% بأن أطرًا إرشادية كانت لا تزال قيد الإعداد.
ماذا يجب أن يتغير في المناهج الجامعية؟
لم يعد المطلوب إضافة مقرر منفصل عن الذكاء الاصطناعي فقط، بل دمجه داخل التخصصات المختلفة، وتوصي منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقرير ” مهارات عصر الذكاء الاصطناعي” الصادر في يوليو 2026 بأن تجمع المناهج بين الثقافة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والتفكير النقدي وتحليل البيانات وحل المشكلات، إلى جانب المهارات الأساسية والرقمية، ويعني ذلك أن طالب الإعلام يحتاج إلى تعلم التحقق من المحتوى الاصطناعي وتحليل البيانات، وطالب القانون إلى فهم قضايا الخوارزميات والخصوصية والمسؤولية، وطالب التجارة إلى استخدام أدوات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي، بينما يحتاج طالب الطب إلى القدرة على التعامل النقدي مع الأنظمة المساعدة في التشخيص.
كما تحتاج طريقة تقييم الطلاب إلى التغير؛ فحين تستطيع أدوات الذكاء الاصطناعي إنتاج إجابات ونصوص خلال ثوانٍ، تصبح الاختبارات القائمة فقط على استرجاع المعلومات أقل قدرة على قياس مهارات الطالب؛ وتطرح اليونسكو توجهات تشمل إعادة تصميم التقييم، وتعليم الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، وتطوير مهارات أعضاء هيئة التدريس إلى جانب الطلاب.
وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية كذلك إلى نماذج تجمع الجامعات وقطاع الأعمال في تصميم برامج للذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وتعلم الآلة، وتدعو إلى تعاون المؤسسات التعليمية والصناعة في تصميم مناهج أكثر ارتباطًا باحتياجات العمل الحالية والمستقبلية؛ وهكذا لا تصبح الشهادة الجامعية في طريقها إلى الاختفاء، لكن قيمتها ستعتمد بصورة متزايدة على قدرة الجامعة على تحديث ما يتعلمه الطالب داخلها؛ فالمنافسة في سوق العمل الجديد لن تكون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي فقط، وإنما بين خريج يعرف كيف يستخدم التكنولوجيا ويفكر فوق نتائجها، وآخر ما زالت مهاراته مرتبطة بوظائف ومناهج لم تعد تعمل بالطريقة نفسها.
للمشاركة في مؤتمر النماء لتطوير التعليم اضغط هنا







