ربما لا توجد صورة أكثر تعبيرًا عن العلاقة التي تشكلت بين الطالب والتعليم من الطالب الذي يقضي ساعات طويلة في حفظ المعلومات، ثم يدخل الامتحان محاولًا استدعاء أكبر قدر ممكن منها، قبل أن يخرج من اللجنة وقد نسي جزءًا كبيرًا مما حفظه، هذه الصورة ليست اتهامًا للطالب، ولا تعني أن الحفظ في ذاته مشكلة، لكنها تكشف عن خلل أعمق في الطريقة التي ننظر بها إلى عملية التعلم، عندما يصبح الهدف الأساسي هو اجتياز الامتحان، بينما تتراجع في الخلفية أسئلة أكثر أهمية: ماذا فهم الطالب؟ وما الذي يستطيع تطبيقه؟ وهل أصبح قادرًا على التفكير بصورة مستقلة؟
الحفظ جزء طبيعي من أي عملية تعليمية، فالطالب يحتاج إلى امتلاك قدر من المعرفة والمعلومات الأساسية حتى يستطيع البناء عليها. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المعرفة المحفوظة إلى غاية نهائية، وعندما يصبح الطالب مطالبًا بإعادة إنتاج ما قرأه بدلًا من استخدامه في تفسير ظاهرة أو حل مشكلة أو اتخاذ موقف، عند هذه النقطة يصبح التعليم أقرب إلى تدريب على الاستدعاء، بينما يفترض أن يكون عملية لبناء عقل قادر على الفهم والتحليل والتعلم المستمر.
وتزداد المشكلة تعقيدًا لأن ثقافة الامتحان لا تتشكل داخل المدرسة وحدها، وإنما تشارك الأسرة والمجتمع والدروس الخصوصية في تكريسها، فالطالب الذي يسمع بصورة مستمرة أن مستقبله يتوقف على الدرجة، سيبحث بصورة طبيعية عن أقصر طريق للحصول عليها، وإذا كان الامتحان يكافئ الحفظ والاستظهار، فإن الطالب سيستثمر وقته في الحفظ والاستظهار، ولذلك فإن مطالبة الطلاب بالتفكير والإبداع، بينما يظل نظام التقييم يكافئ الإجابة المحفوظة، تضع الطالب أمام رسالتين متناقضتين.
ومن هنا فإن إصلاح ثقافة التعليم يبدأ من فهم العلاقة بين طريقة التدريس وطريقة الامتحان، فالامتحان ليس مجرد مرحلة تأتي في نهاية العملية التعليمية، وإنما هو أحد أهم العوامل التي تحدد الطريقة التي يتعلم بها الطالب، فإذا كان المطلوب منه في النهاية أن يسترجع المعلومات، فسوف يتدرب على الاسترجاع، أما إذا أصبح مطالبًا بتفسير المعلومات ومقارنتها وتطبيقها على مواقف جديدة، فسوف يتغير أسلوب تعلمه بالضرورة.
ولهذا فإن تغيير الامتحانات يمثل مدخلًا مهمًا لتغيير ثقافة التعلم، لكن المطلوب ليس إلغاء الأسئلة المباشرة أو المعلومات الأساسية، وإنما تحقيق توازن أفضل بين المعرفة والمهارات، يمكن للطالب أن يعرف تعريفًا أو تاريخًا أو قاعدة، لكن القيمة التعليمية الأكبر تظهر عندما يستطيع أن يستخدم هذه المعرفة في موقف جديد، فالطالب الذي يعرف مفهومًا علميًا ثم يستطيع تفسير ظاهرة من خلاله تعلم بصورة أعمق من الطالب الذي يستطيع ترديد تعريف المفهوم دون أن يعرف كيف يستخدمه.
وهنا تظهر مسؤولية المعلم، لأن الانتقال من الحفظ إلى الفهم لا يمكن أن يحدث بمجرد تغيير شكل الامتحان. المعلم نفسه يحتاج إلى أدوات تساعده على بناء بيئة تعليمية تقوم على السؤال والمناقشة والتجربة وحل المشكلات. وعندما يدخل الطالب الفصل ليجد أن المطلوب منه أن يشرح وجهة نظره، أو يناقش زميله، أو يحلل حالة واقعية، أو يبحث عن أكثر من طريقة لحل مشكلة، فإن عملية التعلم تبدأ في اكتساب طبيعة مختلفة.
لكن ذلك يحتاج إلى تطوير مهني مستمر للمعلمين، لأن المعلم الذي تلقى تعليمه وتدريبه في بيئة تعتمد بدرجة كبيرة على التلقين قد يحتاج هو نفسه إلى أدوات جديدة حتى يستطيع إدارة فصل يقوم على المشاركة. لذلك فإن إصلاح ثقافة الامتحان يجب أن يسير بالتوازي مع إصلاح طرق التدريس وتدريب المعلمين، وإلا تحول تغيير الأسئلة إلى إجراء شكلي لا يغير جوهر العملية التعليمية.
كما أن المدرسة تحتاج إلى توسيع مفهوم التقييم بحيث لا يظل الامتحان النهائي هو اللحظة الوحيدة التي يُحكم فيها على الطالب. فالمشروعات والأنشطة والتجارب والمناقشات والعروض يمكن أن تكشف جوانب من شخصية الطالب وقدراته لا تستطيع ورقة الامتحان وحدها قياسها. وليس المقصود أن تتحول هذه الأدوات إلى عبء جديد على الطالب أو الأسرة، وإنما أن تستخدم بطريقة بسيطة ومنظمة تساعد المدرسة على معرفة كيفية تعلم الطالب، وليس فقط مقدار ما يستطيع تذكره.
وفي المقابل، تحتاج الأسرة إلى إعادة النظر في الطريقة التي تقيس بها نجاح أبنائها. فالدرجة مهمة بالطبع، لكنها ليست وحدها مؤشرًا على جودة التعلم. وقد يكون الطالب الذي يحصل على درجة مرتفعة لأنه أتقن الحفظ أقل قدرة على التعامل مع مشكلة جديدة من طالب حصل على درجة أقل قليلًا لكنه يمتلك قدرة أفضل على التحليل والمناقشة والتطبيق. لذلك فإن ثقافة المجتمع تجاه النجاح التعليمي تحتاج إلى أن تتسع تدريجيًا لتشمل المهارات والقدرة على التفكير إلى جانب التحصيل الدراسي.
ولا يمكن تجاهل الدروس الخصوصية عند الحديث عن هذه المسألة، لأنها أصبحت في بعض البيئات جزءًا من اقتصاد الامتحان نفسه. وكلما ارتبط النجاح بتوقع نمط السؤال وحفظ الإجابة، أصبح من السهل تحويل العملية التعليمية إلى تدريب على اجتياز الامتحان. ولذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة تحتاج إلى جعل المدرسة أكثر قدرة على تقديم تعلم حقيقي، وإلى بناء نظام تقييم يشعر الطالب أن فهمه الحقيقي هو الطريق الأكثر أمانًا إلى النجاح.
وقد يكون من المفيد في هذا السياق أن نبدأ بتغيير نوعية الأسئلة التي نطرحها على الطلاب. بدلًا من أن نسأل فقط «ماذا تعرف؟»، يمكن أن نسأل «كيف عرفت؟» و«لماذا؟» و«ماذا يحدث إذا تغيرت الظروف؟» و«كيف يمكن استخدام هذه المعرفة في موقف آخر؟». هذا التحول يبدو بسيطًا، لكنه في الحقيقة يعيد تعريف العلاقة بين الطالب والمعرفة، لأن الطالب يبدأ في إدراك أن المطلوب ليس تخزين المعلومات فقط، وإنما امتلاك القدرة على استخدامها.
كما يمكن الاستفادة من التكنولوجيا في هذا التحول، خصوصًا أدوات التعلم الرقمي والذكاء الاصطناعي، لتقديم تدريبات مختلفة تناسب مستويات الطلاب، وإتاحة تغذية راجعة تساعدهم على اكتشاف أخطائهم، لكن التكنولوجيا لن تغير ثقافة الحفظ إذا استخدمت فقط لتقديم المزيد من الملخصات والأسئلة المحفوظة.
وفي النهاية، لا تحتاج مصر إلى إعلان حرب على الحفظ، وإنما إلى وضعه في موقعه الصحيح داخل عملية التعلم. المطلوب أن يعرف الطالب، لكن الأهم أن يفهم، وأن يفهم ثم يطبق، وأن يطبق ثم يستطيع أن يتعلم بصورة مستقلة. وعندما يصبح الامتحان وسيلة لقياس هذه القدرات، بدلًا من أن يكون مجرد اختبار للذاكرة، سيبدأ التغيير الحقيقي في ثقافة التعليم.
فالمشكلة ليست أن الطالب يحفظ، وإنما أن التعليم قد يدفعه أحيانًا إلى الاعتقاد بأن الحفظ هو كل ما يحتاج إليه. والإصلاح الحقيقي هو أن نمنحه سببًا أقوى للتعلم: أن يعرف لأن المعرفة تساعده على فهم العالم، وأن يفهم لأنه يريد أن يكون قادرًا على التعامل معه.







