المدرس الخصوصي أقوى من المدرسة؟.. لماذا يدفع ولي الأمر مرتين مقابل المادة نفسها؟

تبدأ وتيرة الحياة اليومية للعملية التعليمية في الصباح، يذهب الطالب إلى المدرسة بحقيبته وكتبه، ويجلس لساعات داخل الفصل يتلقى شرح المادة من معلمه، وبعد انتهاء اليوم الدراسي تبدأ رحلة أخرى، مدرس خصوصي، مجموعة، سنتر أو حصة أونلاين، حيث المادة واحدة، والطالب نفسه، والأسرة نفسها التي دفعت بالفعل مقابل التعليم، لكنها تجد نفسها مضطرة إلى دفع مبلغ آخر حتى تشعر أن ابنها فهم.

هنا لا يصبح السؤال الحقيقي، لماذا يأخذ الطالب درس خصوصي؟ السؤال الأصعب هو، لماذا لم تكفه المدرسة؟ فانتشار الدروس الخصوصية لم يعد مجرد ظاهرة مرتبطة بضعف طالب أو رغبة أسرة في التفوق، وإنما أصبح جزءًا من ثقافة تعليمية كاملة، ترى أن المدرسة تشرح، بينما الدرس يضمن التحصيل.

ولي الأمر لا يدفع مرتين لأن المادة تحتاج إلى شرحين، وإنما لأنه يبحث في المرتين عن شيئين مختلفين، ففي المدرسة يريد أن يتعلم ابنه، وفي الدرس يريد أن يطمئن إلى أنه فهم وحل وراجع وأصبح مستعدًا للامتحان. هذا الفارق يكشف أزمة أكبر، حيث انتقال جزء من عملية التعليم الفعلية من المدرسة إلى خارجها.

قرار الدرس الخصوصي

وفي كثير من البيوت، لا يبدأ قرار الدرس الخصوصي بعد فشل الطالب، بل قبله. الأم تسمع أن أبناء صديقاتها يذهبون إلى مدرس معين، والأب يخشى أن يكون ابنه الوحيد الذي لا يحصل على درس، والطالب نفسه يسمع من زملائه عن المدرسين والمراجعات والمجموعات، ومع الوقت، يتحول الدرس من اختيار إلى عرف اجتماعي، ويصبح السؤال الغريب هو: ابنك مش بياخد درس؟.

المشكلة أن الدرس الخصوصي يقدم للطالب أحيانًا ما يصعب على المدرسة تقديمه في ظروفها الحالية، عدد طلاب أقل، وقت أطول، متابعة أكثر، وإمكانية إعادة الشرح، لذلك ليس من الدقة اختزال القضية في أن «المدرس الخصوصي أفضل من مدرس المدرسة». فقد يكون المعلمان مؤهلين بالقدر نفسه، لكن أحدهما يعمل في فصل مزدحم ووقت محدود، بينما يعمل الآخر في مجموعة صغيرة تسمح له بالتركيز على الطالب.

ومع اتساع الظاهرة، لم يعد الدرس الخصوصي مجرد حصة إضافية. نشأت حوله منظومة كاملة تضم السناتر والمذكرات والمراجعات النهائية والمنصات الإلكترونية وبنوك الأسئلة، وبذلك أصبح هناك تعليم رسمي داخل المدرسة، وتعليم آخر أكثر التصاقا بالامتحان يحدث خارجها، والطالب يتحرك بين الاثنين بحثا عن النتيجة.

والأسرة هي الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر، فهناك مصروفات المدرسة، ثم الدروس، ثم الكتب والمذكرات، وأحيانًا تكاليف الانتقال إلى السنتر، ومع أكثر من ابن، تتحول تكلفة التعليم إلى عبء شهري ثابت، ومع ذلك تستمر الأسرة في الدفع، ليس دائمًا لأنها مقتنعة بأن الدروس هي أفضل وسيلة للتعلم، وإنما لأنها لا ترى بديلًا يضمن لها النتيجة نفسها.

وهنا يجب أن يتغير السؤال، بدلًا من أن نسأل ولي الأمر لماذا يدفع في الدروس، علينا أن نسأله، ما الذي يجعلك تدفع مرة ثانية رغم أنك دفعت بالفعل مقابل التعليم، الإجابة ستكشف جانبا مهما من الأزمة، فالأسرة لا تشتري درسًا فقط، وإنما تشتري شعورا بالأمان في نظام أصبح النجاح فيه مرتبطًا بالدرجات والامتحان أكثر من ارتباطه بما يستطيع الطالب أن يفهمه ويستخدمه.

معادلة لا تخلو من المعلم ذاته

المعلم أيضا جزء من هذه المعادلة، لكنه ليس المسؤول الوحيد عنها، فهناك معلمون يعتبرون الدروس مصدر دخل إضافيا، وهناك من يرى أنها استجابة لطلب الطلاب وأولياء الأمور، وهناك من يحاول القيام بدوره داخل المدرسة وخارجها، لكن الخطر يبدأ عندما يشعر الطالب أن حقه في الفهم مرتبط بقدرته على دفع المزيد، لأن التعليم داخل المدرسة يصبح عندها أقل من أن يكون كافيا.

ولذلك فإن مواجهة الدروس الخصوصية بالمنع وحده لن تحل المشكلة. إذا ظل الطالب يحتاج إلى شرح إضافي، وظلت الأسرة تخشى أن يتأخر ابنها عن زملائه، وظل الامتحان يكافئ الحفظ والتدريب أكثر من الفهم، فستظهر الدروس في صورة أخرى مهما تغيرت القواعد.

الإصلاح الحقيقي يبدأ من المدرسة نفسها؛ من فصل يستطيع المعلم فيه متابعة طلابه، ومنهج يترك مساحة للفهم والتطبيق، وتقييم لا يجعل الطالب يعيش طوال العام في سباق مع الامتحان، ومعلم يشعر أن المدرسة تمنحه الأدوات والوقت اللازمين لأداء دوره.

عندها فقط يمكن أن يصبح الدرس الخصوصي اختيارا لا ضرورة، ومساعدة لا بديلًا. لأن القضية في النهاية ليست أن نثبت أن المدرسة أقوى من المدرس الخصوصي، وإنما أن نبني مدرسة تجعل ولي الأمر لا يشعر بأنه مضطر لدفع ثمن التعليم مرتين.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *