تمهيد:
هل يمكن أن نعرف ما يفكر فيه الآخرون دون أن يسألونا مباشرة؟ ولماذا نشعر أحيانا بأن شخصًا ما يخفي شيئًا، أو نلاحظ تغيرا في سلوكه دون أن نعرف سببه؟ في كتابه «فن قراءة العقول»، يحاول الكاتب السويدي هنريك فيكسوس الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال الاقتراب من السلوك الإنساني بوصفه مجموعة من الإشارات التي يمكن ملاحظتها وفهمها.
لا يقدم فيكسوس قراءة العقول باعتبارها قدرة خارقة، وإنما يربطها بملاحظة لغة الجسد، ونبرة الصوت، والكلمات، والتعبيرات، والسياق، إلى جانب بعض المبادئ النفسية التي تؤثر في طريقة تفكير الإنسان وتفاعله مع الآخرين.
هذه القراءة ليست اختصارا للكتاب، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتربطها بالعلاقات والعمل والتواصل اليومي، وتفتح بابا للتأمل أكثر مما تقدم أحكاما نهائية.
لماذا كتب هذا الكتاب؟
ينطلق الكتاب من مشكلة يواجهها الإنسان يوميًا: نحن نتعامل مع الآخرين باستمرار، لكننا لا نفهم دائمًا ما يريدون أو يشعرون به، وقد يؤدي سوء قراءة الإشارات إلى خلافات أو قرارات خاطئة أو فرص ضائعة.
لذلك يسعى فيكسوس إلى تقديم أدوات تساعد القارئ على ملاحظة ما لا يقال بالكلمات، وفهم بعض الأنماط التي تحكم التفاعل البشري، ثم استخدام هذا الفهم في بناء تواصل أفضل والتأثير في الآخرين بطريقة أكثر وعيا.
يلخص هذا الكتاب عدة أمور:
يركز الكتاب أولا على الإشارات غير اللفظية، مثل وضعية الجسد، وحركة اليدين، واتجاه النظر والقدمين، وتعبيرات الوجه ونبرة الصوت، لكن قيمة هذه الإشارات لا تكمن في تفسير حركة واحدة بمعزل عن غيرها، بل في قراءة مجموعة من العلامات داخل سياقها.
كما يتناول اللغة وطريقة التعبير، موضحا أن الكلمات التي يستخدمها الإنسان وطريقة صياغته للأفكار يمكن أن تقدم مؤشرات على أسلوب تفكيره وتفضيلاته، ومن هنا تصبح طريقة الاستماع نفسها أداة لفهم الطرف الآخر.
ويناقش فيكسوس عددا من المبادئ النفسية والاجتماعية التي تؤثر في العلاقات، مثل ميل الإنسان إلى الأشخاص الذين يشعر بوجود تشابه معهم، وتأثره بمن يراه صاحب خبرة أو مكانة، وشعوره بالحاجة إلى رد الجميل عندما يتلقى شيئًا من الآخرين.
ومن الأفكار المهمة في الكتاب بناء التوافق مع الطرف الآخر، من خلال الانتباه إلى طريقة حديثه وإيقاع صوته وبعض سلوكياته، بما يساعد على خلق شعور بالراحة والثقة، غير أن هذه الوسائل تحتاج إلى استخدام طبيعي، لأن المبالغة في تقليد الآخرين قد تبدو مصطنعة وتؤدي إلى نتيجة عكسية.
ويتطرق الكتاب كذلك إلى التأثير والإقناع، موضحا كيف يمكن للأسئلة وإعادة صياغة الأفكار وتوجيه الانتباه أن تغير طريقة نظر الشخص إلى موقف معين، وهنا لا يقتصر الأمر على إجبار الآخر على قبول فكرة، وإنما يتعلق بفهم الطريقة التي يستقبل بها المعلومات ويتخذ بها قراراته.
كما يقدم الكتاب جانبا دفاعيا مهما، يتمثل في كشف أساليب التأثير والخداع، فمعرفة الطريقة التي يمكن أن يؤثر بها الآخرون في قراراتنا تجعلنا أكثر قدرة على اكتشاف محاولات الإقناع غير النزيهة، سواء في العلاقات أو البيع أو المفاوضات.
ويؤكد الكتاب في النهاية أن فهم الآخرين يمكن أن يكون وسيلة لبناء علاقات أفضل، لكنه قد يتحول إلى تلاعب إذا استخدم لإلغاء إرادة الطرف الآخر أو استغلال نقاط ضعفه.
لمن يناسب هذا الكتاب؟
يناسب الكتاب كل من يتعامل مع الآخرين بصورة مستمرة، مثل العاملين في المبيعات وخدمة العملاء، والمديرين، والمعلمين، والإعلاميين، والمدربين، وكذلك الأشخاص المهتمين بتحسين علاقاتهم الأسرية والاجتماعية.
كما يناسب المهتمين بعلم النفس التطبيقي ولغة الجسد وفنون التواصل، لكنه ليس بديلا عن الدراسات الأكاديمية المتخصصة في علم النفس والسلوك الإنساني.
مميزات الكتاب:
يتميز الكتاب بالجمع بين لغة الجسد وعلم النفس الاجتماعي ومهارات التواصل والتأثير في إطار عملي مبسط.
كما يعتمد على أمثلة ومواقف تساعد القارئ على ربط الأفكار بتجاربه اليومية، ويمنحه أدوات يمكن تجربتها وملاحظتها أثناء التفاعل مع الآخرين.
وأخيرا:
القيمة الأساسية في فن قراءة العقول أنه ينقل فكرة قراءة الآخرين من منطقة الغموض إلى منطقة الملاحظة والتحليل، فبدل البحث عن إشارات سحرية تكشف ما يدور في عقول الناس، يدفع الكتاب القارئ إلى الانتباه لما يقال وما لا يقال، وإلى قراءة السلوك ضمن سياقه.
لكن قوة هذه الأدوات تفرض مسؤولية في استخدامها؛ فمحاولة فهم الآخر يمكن أن تكون طريقا للتعاطف وتحسين التواصل، لكنها قد تصبح وسيلة للتلاعب إذا تحولت إلى محاولة للسيطرة على قراراته.
وربما تكون أهم رسالة عملية في الكتاب أن التواصل الجيد لا يبدأ من الرغبة في معرفة أسرار الآخرين، وإنما من تعلم كيفية الاستماع والملاحظة وفهم الاختلاف، فكل إشارة ليست دليلا قاطعا، وكل سلوك يحتاج إلى سياق، وكل قراءة للآخر تظل احتمالا يحتاج إلى التأكد بالحوار.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلاً عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: فن قراءة العقول
المؤلف: هنريك فيكسوس (Henrik Fexeus)
المترجم: صامويل خيري
دار النشر: دار صفصافة للنشر والتوزيع
بلد النشر: جمهورية مصر العربية
سنة النشر: 2022م للترجمة العربية
الطبعة: الطبعة الأولى للترجمة العربية
عدد الصفحات: 280 صفحة
ISBN: 9789778212265







