قراءة في كتاب “الإدارة باستخدام القوة”.. حين لا تكفي القرارات وحدها لصناعة النجاح — جيفري بفيڤر (Jeffrey Pfeffer)

يبدأ كل كتاب بسؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

في كتابه Managing with Power: Politics and Influence in Organizations — الإدارة باستخدام القوة: السياسة والتأثير في المؤسسات، يذهب عالم السلوك التنظيمي الأمريكي جيفري بفيڤر إلى منطقة غالباً ما تتجنبها كتب الإدارة التقليدية: المنطقة التي تتحرك فيها المصالح، والنفوذ، والصراعات، والتحالفات، والقدرة على التأثير في الآخرين.

فالإدارة، في تصور بفيڤر، ليست مجرد وضع الخطط واتخاذ القرارات، لأن القرار مهما كان ذكياً يظل بلا قيمة إذا لم يجد طريقه إلى التنفيذ. والمشكلة الحقيقية التي تواجه المدير ليست دائماً أن يعرف ما ينبغي فعله، وإنما أن يمتلك القدرة على جعل الأشياء تحدث بالفعل؛ أن يقنع، ويحشد الموارد، ويتعامل مع المقاومة، ويبني التحالفات، ويؤثر في أصحاب المصالح المختلفة. ولهذا يضع المؤلف “القوة” في قلب العملية الإدارية.

وهنا يقدم الكتاب فكرة قد تبدو صادمة للوهلة الأولى: القوة ليست بالضرورة شيئاً فاسداً أو غير أخلاقي، بل أداة لا يمكن تجاهلها إذا أردنا فهم الطريقة التي تعمل بها المؤسسات.

فالمنظمات، مهما بدت من الخارج قائمة على القواعد واللوائح والهياكل الرسمية، تظل في النهاية تجمعاً من البشر، لكل واحد منهم مصالحه ورؤيته ومصادر نفوذه، ومن ثم فإن السياسة التنظيمية ليست حادثاً طارئاً، وإنما جزء من الحياة اليومية داخل المؤسسات

ينطلق الكتاب من التمييز بين اتخاذ القرار وتنفيذه، فقد تمتلك المؤسسة أفضل فكرة في العالم، لكن الفكرة لا تصبح واقعاً إلا إذا استطاع أصحابها حشد الدعم والموارد والتأييد اللازم لتنفيذها.

ومن هنا تصبح القوة قدرة على التأثير في السلوك، وتغيير مسار الأحداث، والتغلب على المقاومة، وتحويل القرار من ورق إلى فعل، ويرى بفيڤر أن المدير الناجح لا يحتاج فقط إلى المعرفة الفنية، وإنما يحتاج أيضاً إلى فهم خريطة النفوذ داخل المؤسسة وكيفية استخدامها بفاعلية.

وجاء الكتاب ليعالج فجوة يراها بفيڤر في كثير من أدبيات الإدارة: التركيز الكبير على ما ينبغي أن يكون، مقابل اهتمام أقل بما يحدث فعلاً عندما تتعارض المصالح داخل المؤسسات.

فالقرار الإداري لا يعيش في فراغ؛ هناك موظفون قد يقاومونه، وأقسام قد ترى فيه تهديداً لمصالحها، ومديرون قد يختلفون حول أولوياته، وموارد محدودة يتنافس الجميع عليها.

ويحاول بفيڤر أن يشرح للقارئ كيف تعمل القوة داخل المؤسسات، من أين تأتي، وكيف يمكن تشخيصها، وكيف تستخدم، وكيف يمكن أن يفقدها صاحبها أيضا، ويغطي الكتاب موضوعات تمتد من مصادر القوة والاعتماد المتبادل إلى المعلومات والسمعة والسلطة الرسمية والعلاقات والتوقيت وحتى الرموز واللغة وإعادة تشكيل الهياكل التنظيمية.

ويرى أن الحسم الحقيقي يبدأ بعد القرار، فحين يقرر مدير إعادة توزيع الميزانية، أو إطلاق مشروع جديد، أو تغيير هيكل إداري، فإن القرار لا يعني أن الجميع سيقبل به تلقائياً، هناك من سيؤيده، ومن سيقاومه، ومن سيحاول تعديله، ومن قد ينتظر فشله.
وهنا تظهر القوة باعتبارها الجسر بين ما نريد حدوثه وما يحدث فعلاً، فالمدير الذي يعرف ماذا يريد لكنه لا يستطيع حشد الآخرين حول ما يريد، قد يكون صاحب قرار جيد، لكنه ليس بالضرورة صاحب تأثير.

وقد يكون شخص ما بعيداً عن قمة الهرم الإداري، لكنه يمتلك معلومات لا يملكها الآخرون، أو علاقات واسعة، أو خبرة نادرة، أو قدرة على الوصول إلى أصحاب القرار، فيصبح تأثيره أكبر من تأثير صاحب منصب أعلى منه.
ويتناول بفيڤر مصادر متعددة للقوة، منها السيطرة على الموارد، والوصول إلى المعلومات، والسلطة الرسمية، والموقع داخل شبكة الاتصال، والسمعة والأداء، إضافة إلى الصفات الشخصية مثل المرونة والقدرة على التحمل والاستعداد لمواجهة الصراع، وبذلك يعيد الكتاب تعريف القوة داخل المؤسسة: ليست دائماً في الكرسي الذي تجلس عليه، وإنما في الأشياء التي يعتمد الآخرون عليك بسببها.

ويرى المؤلف أن السياسة التنظيمية ليست بالضرورة مؤامرة
حين يسمع البعض كلمة “سياسة” داخل المؤسسة، يتخيل المؤامرات والمكائد والصراعات الخفية، لكن بفيڤر يقدم مفهوماً أوسع وأكثر واقعية.

فالسياسة تبدأ عندما تختلف المصالح ووجهات النظر حول قضية مهمة، ويصبح المطلوب إقناع الآخرين أو التأثير فيهم، فبناء التحالفات، واختيار التوقيت، وتقديم المعلومات بالطريقة المناسبة، وفهم مواقف الأطراف المختلفة، كلها أدوات سياسية يمكن استخدامها لتحقيق أهداف تنظيمية مشروعة.

وتظهر في فهرس الكتاب موضوعات مثل التأثير بين الأشخاص، والتوقيت، وسياسة المعلومات والتحليل، وتغيير الهيكل لتدعيم القوة، والأفعال الرمزية، ثم كيفية فقدان القوة وإدارة الديناميات السياسية بصورة منتجة.

خلاصة الكتاب في نقاط:
. اتخاذ القرار لا يضمن نجاحه؛ التنفيذ يحتاج إلى نفوذ وتأثير.

. القوة جزء أساسي من الحياة التنظيمية وليست مجرد انحراف إداري.

. المنصب الرسمي أحد مصادر القوة، لكنه ليس المصدر الوحيد.

. المعلومات والموارد والعلاقات يمكن أن تتحول إلى مصادر نفوذ.

. فهم الأشخاص ومصالحهم يساعد على بناء التحالفات.

. اختلاف المصالح داخل المؤسسة أمر طبيعي، وليس بالضرورة علامة على فشلها.

. اختيار التوقيت المناسب قد يكون حاسماً في نجاح أي محاولة للتأثير.

. طريقة تقديم المعلومات وتأطير القضية يمكن أن تغير طريقة استقبالها.

. القوة ليست ثابتة؛ يمكن اكتسابها كما يمكن فقدانها.

. المدير الفعال يحتاج إلى الجمع بين المعرفة الإدارية والقدرة على التأثير في البشر.

ويناسب الكتاب المديرين والقيادات التنفيذية ورواد الأعمال، وكذلك العاملين في المؤسسات الكبيرة الذين يريدون فهم ما يحدث خلف القرارات الرسمية والهياكل التنظيمية.

كما يفيد العاملين في الموارد البشرية، والإدارة العامة، والاستشارات، والسياسة المؤسسية، وكل من وجد نفسه يوماً أمام قرار يعرف أنه صحيح، لكنه اكتشف أن المشكلة ليست في القرار وإنما في إقناع الآخرين به.

وتكمن قوة الكتاب في أنه يرفض الصورة المثالية للمؤسسة باعتبارها آلة تعمل بمجرد إصدار الأوامر، إنه يعيد الإنسان إلى قلب الإدارة، بكل ما يحمله من مصالح وطموحات ومخاوف وعلاقات.

كما أن الكتاب يتميز بأنه لا يتحدث عن القوة بوصفها فكرة مجردة، بل يربطها بآليات عملية: الموارد، المعلومات، التحالفات، السمعة، السلطة الرسمية، العلاقات، التوقيت، والقدرة على التأثير. وتؤكد جامعة ستانفورد أن الكتاب يركز تحديداً على كيفية حشد الدعم السياسي والموارد اللازمة لإنجاز الأمور داخل المؤسسات.

ومن نقاط قوته أيضاً اتساع أمثلته، التي تمتد إلى عالم الأعمال والسياسة والقيادة، بما يجعل الفكرة أكثر قابلية للفهم والتطبيق.

أما نقاط الضعف، فيمكن أن تتمثل في أن التركيز الكبير على القوة والسياسة قد يدفع بعض القراء إلى النظر إلى المؤسسة باعتبارها ساحة صراع دائم، بينما توجد في الواقع دوافع أخرى لا تقل أهمية، مثل التعاون والثقة والقيم المشتركة.

كما أن استخدام القوة، حتى عندما يكون فعالاً، يظل بحاجة إلى ضوابط أخلاقية؛ فالقدرة على التأثير في الآخرين لا تعني أن كل وسيلة للتأثير مقبولة.

وهنا يفتح الكتاب باباً مهماً للنقاش: متى تتحول الإدارة بالقوة من أداة لتحقيق أهداف المؤسسة إلى وسيلة لخدمة طموحات المدير الشخصية؟

وهذا السؤال ليس هامشياً، لأن القوة تحمل مفارقة واضحة؛ فهي ضرورية لإنجاز الأشياء، لكنها قد تفسد صاحبها إذا أصبح الحفاظ عليها هدفاً في حد ذاته.

ومن الملاحظات المهمة أيضاً أن القوة داخل المؤسسة لا تعمل منفردة. فالمدير الذي يعتمد على المنصب فقط قد يكتشف أن نفوذه ينتهي عند باب مكتبه، بينما المدير الذي يبني الثقة والخبرة والعلاقات والسمعة يمتلك نفوذاً أكثر استقراراً.

وفي هذا السياق، تبدو إحدى أهم رسائل الكتاب أن القوة ليست امتلاك الآخرين، بل القدرة على تحريك الواقع.
عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية، فقيمة “الإدارة باستخدام القوة” لا تكمن في أنه يعلم المدير كيف يفرض إرادته، وإنما في أنه يجبره على النظر إلى المؤسسة كما هي، لا كما نتمنى أن تكون.

فخلف كل قرار كبير توجد شبكة من المصالح، وخلف كل تغيير مقاومة محتملة، وخلف كل منصب مصادر قوة ومصادر ضعف،
وقد تكون الإدارة الجيدة هي القدرة على قراءة هذه الخريطة قبل التحرك، ومعرفة من يؤيد، ومن يعارض، ومن يستطيع التأثير، وما الذي يحتاجه كل طرف، ومتى يكون الوقت مناسباً لاتخاذ الخطوة.

لكن الكتاب يتركنا أيضاً أمام مسؤولية أخلاقية لا يمكن تجاهلها: أن تعرف كيف تستخدم القوة لا يعني بالضرورة أن تعرف كيف تستخدمها بحق.

وهنا ربما تكمن القيمة الأعمق للكتاب؛ فهو لا يطلب من القارئ أن يصبح لاعباً سياسياً داخل المؤسسة بقدر ما يدعوه إلى فهم اللعبة التي تجري بالفعل، حتى يستطيع أن يتحرك داخلها بوعي، وأن يحول النفوذ من أداة للصراع إلى وسيلة لإنجاز ما يستحق الإنجاز.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

البطاقة التعريفية للكتاب:
العنوان:
Managing with Power: Politics and Influence in Organizations
الإدارة باستخدام القوة: السياسة والتأثير في المؤسسات

المؤلف: جيفري بفيڤر (Jeffrey Pfeffer)

دار النشر: Harvard Business School Press

بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية

سنة النشر: 1992، مع طبعات لاحقة، منها طبعة 1993 وطبعة ورقية عام 1994.

الطبعة: الطبعة الأولى، مع وجود طبعات وإصدارات لاحقة منقحة ومعاد طبعها.

عدد الصفحات: 391 صفحة في الطبعة الأصلية المشار إليها في السجلات الببليوغرافية.

رقم الإيداع: يختلف بحسب الدولة والطبعة.

ISBN:
9780875843148 للطبعة المسجلة بهذا الرقم، وتوجد أرقام ISBN أخرى لطبعات مختلفة، منها 9780875844404.

حقوق النشر:

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه.

وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *