لا تواجه نفسك وحدك

تمهيد:

كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصارا للكتاب ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها وتربطها بالواقع وتفتح بابا للتأمل أكثر مما تقدم أحكاما نهائية، هنا لا نقرأ الكلمات فقط بل نقرأ ما وراءها.

ينطلق كتاب”ربما عليك أن تكلم أحدا” للكاتبة “لوري غوتليب”من مساحة مختلفة عن معظم الكتب التي تتناول النفس البشرية.

فالكاتبة معالجة نفسية اعتادت أن تجلس أمام أشخاص يروون لها مخاوفهم وخسائرهم وعلاقاتهم وأسرارهم، لكنها تجد نفسها فجأة في أزمة شخصية تدفعها إلى البحث عن معالج نفسي والجلوس أمامه بوصفها مريضة هذه المرة.

ومن هذه المفارقة يبني الكتاب عالمه الأساسي، فالإنسان مهما امتلك من معرفة وخبرة قد يجد نفسه عاجزا عن رؤية حياته بوضوح عندما يكون هو الشخص الموجود داخل الأزمة.

ويصبح العلاج النفسي هنا رحلة لاكتشاف القصص التي يرويها الإنسان لنفسه عن حياته وعن الآخرين وعن أسباب ألمه.

وتحاول المؤلفة أن تفتح الباب المغلق لغرفة العلاج النفسي، وأن تكشف للقارئ ما يحدث فيها دون تقديم العلاج باعتباره مجموعة من النصائح الجاهزة.

فالناس يدخلون هذه الغرفة وهم يعتقدون في كثير من الأحيان أنهم يعرفون المشكلة.

شخص يرى أن مشكلته في شريكه، وآخر يرى أن الحياة ظلمته، وثالث يريد فقط أن يتوقف الألم، لكن مع استمرار الحوار تظهر طبقات أعمق من الحكاية، ويبدأ الإنسان في اكتشاف أن المشكلة التي جاء بها ليست دائما المشكلة الوحيدة التي يحتاج إلى مواجهتها.

والكتاب في جوهره محاولة لفهم الإنسان عندما تسقط منه التفسيرات السهلة ويصبح مضطرا إلى النظر إلى نفسه بصورة أكثر صدقا

كل إنسان يروي قصة عن نفسه:

من الأفكار المركزية أن البشر لا يعيشون الأحداث فقط، بل يصنعون حولها روايات تفسر ما حدث، وقد يظل الإنسان سنوات مقتنعا بأنه الضحية الوحيدة في قصة ما، أو أن شخصا بعينه هو سبب تعاسته أو أنه لا يستطيع التغيير بسبب الماضي.

ولا يعني ذلك أن الألم غير حقيقي، وإنما يعني أن تفسير الألم قد يتحول أحيانا إلى سجن.

ويأتي العلاج ليساعد الإنسان على رؤية القصة من زاوية أخرى واكتشاف الأجزاء التي تجاهلها والدور الذي يستطيع تغييره في الحاضر.

المعالج النفسي إنسان أيضا:

تكسر المؤلفة الصورة التقليدية للمعالج الذي يعرف دائما ماذا يفعل.

فهي تمتلك المعرفة المهنية وتساعد مرضاها على فهم أنفسهم، لكنها عندما تواجه أزمتها الخاصة تشعر بالحيرة والغضب والخوف، وتحتاج إلى شخص آخر يساعدها على رؤية ما لا تستطيع رؤيته، وهنا يقدم الكتاب رسالة إنسانية مهمة.

المعرفة لا تمنح صاحبها حصانة من الألم:

وقدرة الإنسان على مساعدة الآخرين لا تعني أنه لن يحتاج يوما إلى من يساعده.

التغيير له ثمن:

يظهر الكتاب أن بعض الأشخاص يريدون التخلص من الألم لكنهم لا يريدون التخلي عن السلوك أو الاعتقاد الذي يصنع جزءا من هذا الألم.

فالشيء المألوف حتى عندما يكون مؤذيا قد يبدو أكثر أمانا من مستقبل مجهول، ولهذا لا يصبح التغيير مجرد معرفة ما هو صحيح بل استعدادا لتحمل القلق الذي يصاحب الانتقال من حياة اعتادها الإنسان إلى طريقة جديدة في التفكير و العيش.

بعد القراءة التحليلة للكتاب يمكن أن نحدد أهم النقاط التي استندا عليها الكاتب وهي أن:

الإنسان لا يعيش الأحداث فقط، بل يعيش أيضا القصة التي يصنعها حول هذه الأحداث.

طلب المساعدة لا يرتبط بضعف الإنسان فحتى من يساعد الآخرين قد يحتاج إلى من يساعده على رؤية نفسه.

معرفة سبب الألم لا تعني بالضرورة القدرة على التخلص منه.

التغيير يحتاج إلى استعداد للتخلي عن أنماط مألوفة، حتى عندما تمنح الإنسان شعورا مؤقتا بالأمان.

العلاقات تكشف كثيرا من احتياجات الإنسان ومخاوفه وطريقة نظرته إلى نفسه.

الماضي يؤثر في الحاضر، لكنه لا يجب أن يتحول إلى حكم نهائي على المستقبل.

بعض أشكال الغضب قد تخفي وراءها حزنا أو خوفا أو شعورا بالفقد.

العلاج النفسي لا يقدم إجابات جاهزة بقدر ما يساعد الإنسان على اكتشاف إجاباته وفهم اختياراته.

مواجهة الحقيقة قد تكون مؤلمة لكنها تمنح الإنسان مساحة أكبر للتغيير.

الاستماع إلى الآخرين بصدق يكشف أن كثيرا من الصراعات الإنسانية متشابهة رغم اختلاف تفاصيل الحياة.

الفئة التي يستهدفها المؤلف من خلال كتابه:

يناسب الكتاب من يريد الاقتراب من عالم العلاج النفسي بطريقة إنسانية بعيدة عن اللغة الأكاديمية الجافة.

كما يناسب القراء المهتمين بفهم العلاقات والخوف والفقد والحزن والتغيير وطريقة تشكل القصص التي يرويها الإنسان عن نفسه.

ويتميز بأنه لا يخاطب القارئ باعتباره شخصا يحتاج إلى إصلاح بل يضعه أمام تجارب بشرية مختلفة تساعده على رؤية نفسه والآخرين بصورة أوسع.

أما عن نقاط القوة والضعف في الكتاب فقد أشار الكاتب إلي:

أبرز نقاط قوة الكتاب أنه يجمع بين الخبرة المهنية للكاتبة وتجربتها الشخصية دون أن يفصل المعالج النفسي عن إنسانيته.

كما يعتمد على الحكايات والشخصيات في تقديم الأفكار النفسية، وهو ما يجعل القضايا المعقدة أكثر قربا من القارئ.

ويمنح الكتاب مساحة كبيرة لموضوعات يصعب الحديث عنها مثل الموت والفقد والوحدة والندم والخوف من التغيير.

كما ينجح في إظهار أن العلاج النفسي ليس طريقا مستقيما، وأن التقدم قد يحدث ببطء ومن خلال اكتشافات صغيرة.

طبيعة الكتاب السردية قد لا تناسب القارئ الذي يبحث عن دليل عملي سريع أو مجموعة تمارين مباشرة.

كما أن كثرة التفاصيل المرتبطة بالشخصيات وتجاربها تجعل بعض أجزاء الكتاب أقرب إلى السيرة والحكاية منها إلى كتب علم النفس التقليدية.

وقد يجد من يبحث عن دراسة أكاديمية متخصصة أن الكتاب يركز على التجربة الإنسانية والسرد أكثر من تركيزه على الشرح النظري المفصل.

ومن خلال القراءة التحليلية للكتاب هناك بعض المفاهيم التي تحتاج لنقاش:

من أكثر الأفكار التي يفتحها الكتاب للنقاش، العلاقة بين الحقيقة والقصة التي نصنعها حول الحقيقة.

فالإنسان قد لا يستطيع تغيير ما حدث له، لكنه يستطيع مع الوقت إعادة فهم موقع الحدث داخل حياته.

كما يطرح الكتاب معنى الحرية النفسية بوصفها القدرة على إدراك أن الإنسان قد لا يختار كل ظروفه، لكنه يستطيع أن يعمل على الطريقة التي يستجيب بها لها.

وهنا تصبح معرفة النفس ليست غاية مستقلة بل وسيلة لامتلاك مساحة أكبر من الاختيار.

في النهاية عندما تطوى الصفحة الأخيرة لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة، إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر:

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمعد ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلا عنه وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلفة الكتاب وناشره وينصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملا.

 التعريفية للكتاب:

العنوان:”ربما عليك أن تكلم أحدا”

العنوان الأصلي Maybe You Should Talk to Someone

المؤلفة: “لوري غوتليب”

التصنيف علم النفس والسيرة والتجارب الإنسانية

سنة صدور النسخة الأصلية ٢٠١٩

عدد الصفحات 526 صفحة

رقم الكتاب الدولي 9786144721490

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *