من تحت الأرض إلى داخل العقول.. كيف تُصنع ثروة المستقبل؟

تمهيد:

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يكتبها المؤلف ويعيد القارئ اكتشافها من زاويته الخاصة. وهذه القراءة لا تسعى إلى اختصار الكتاب أو الحلول محل صفحاته، وإنما تحاول الاقتراب من أفكاره من منظور صحفي معاصر، يربط بين ما يطرحه المؤلف وبين التحولات التي يعيشها العالم اليوم، حيث لم تعد الثروة تقاس فقط بما تملكه الدول من نفط ومناجم ومصانع، وإنما بما تملكه من عقول قادرة على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى قيمة.

من هنا يفتح المفكر محمد عبد الفتاح الصيرفي في كتابه نافذة واسعة على عالم يتغير بسرعة، عالم لم تعد فيه المعلومة مجرد وسيلة للوصول إلى المعرفة، بل تحولت إلى مورد اقتصادي قادر على صناعة الأسواق، وتحريك الاستثمارات، وتغيير مستقبل الدول.

ففي الوقت الذي كانت فيه الثروة قديمًا مرتبطة بالأرض والمصانع والموارد الطبيعية، أصبح العقل البشري اليوم أحد أهم مصادر القوة الاقتصادية. الدولة التي تستطيع أن تنتج المعرفة، وتحميها، وتوظفها، وتحوّلها إلى ابتكار ومنتجات وخدمات، تمتلك فرصة أكبر في بناء اقتصاد قادر على الاستمرار ومواجهة الأزمات.

عندما يصبح العقل رأس المال الأول

تقودنا الصفحات إلى سؤال أكثر عمقًا: ماذا يحدث عندما تصبح الموارد الطبيعية محدودة، بينما تظل المعرفة قابلة للنمو بلا حدود؟، هنا تظهر الفكرة المركزية التي يدور حولها الكتاب، وهي الانتقال من النموذج الاقتصادي التقليدي إلى نموذج يعتمد على المعرفة والابتكار ورأس المال البشري. فالدول التي تعتمد بصورة شبه كاملة على الموارد الناضبة قد تحقق عوائد ضخمة في فترات الرواج، لكنها تظل معرضة للصدمات عندما تتغير الأسواق أو تتراجع قيمة تلك الموارد.

أما الاقتصاد القائم على المعرفة، فيمتلك قدرة مختلفة على التجدد؛ لأن الإنسان يستطيع أن ينتج فكرة جديدة بعد أخرى، وأن يحول المهارة إلى مشروع، والمعلومة إلى منتج، والبحث العلمي إلى صناعة، لكن امتلاك العقول وحده لا يكفي. فالعقل المبدع يحتاج إلى تعليم جيد، ومؤسسات بحثية، وبنية رقمية، وبيئة تسمح بالتجربة، وتشريعات تحمي الابتكار، وسوق قادرة على استقبال الأفكار الجديدة.

الفكرة التي يمكن أن تغيّر خريطة السوق

قد تبدأ الحكاية بفكرة صغيرة داخل غرفة أو مكتب أو جامعة، لكنها في اقتصاد المعرفة لا تبقى بالضرورة فكرة صغيرة، فابتكار تقني، أو بحث علمي، أو منصة رقمية، أو طريقة جديدة لإدارة الموارد، يمكن أن يتحول إلى مشروع يخلق وظائف، ويجذب استثمارات، ويفتح سوقًا جديدة، وربما يغير قطاعًا اقتصاديًا كاملًا.

وهنا يلفت الكتاب الانتباه إلى العلاقة بين المعرفة والقيمة الاقتصادية. فالمعلومة لا تصبح ثروة بمجرد وجودها، وإنما عندما تتحول إلى معرفة قابلة للاستخدام، ثم إلى ابتكار، ثم إلى منتج أو خدمة قادرة على المنافسة، وهذه الحلقة هي التي تفصل بين مجتمع يستهلك المعرفة ومجتمع ينتجها.

التعليم.. المصنع الحقيقي للثروة

في قلب هذه الرؤية يظهر التعليم باعتباره أكثر من مجرد مرحلة يحصل خلالها الإنسان على شهادة، التعليم، وفق هذا التصور، هو البنية التحتية التي يبدأ منها الاقتصاد الجديد. فالمؤسسة التعليمية التي تكتفي بتلقين المعلومات قد تخرج أعدادًا كبيرة من الخريجين، لكنها لن تكون بالضرورة قادرة على إنتاج جيل يستطيع التفكير النقدي والابتكار وحل المشكلات، لذلك تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا إلى نظام تعليمي يعلّم الإنسان كيف يسأل، وكيف يبحث، وكيف يختبر الأفكار، وكيف يحول المعرفة إلى حلول قابلة للتطبيق.

وعندما تصبح المدرسة والجامعة بيئة للإبداع بدلًا من أن تكون مجرد محطة للحصول على الشهادة، يبدأ الاقتصاد نفسه في التغير.

البحث العلمي بين الرفاهية والضرورة

عادة الدول التي تريد بناء اقتصاد معرفي لا تستطيع التعامل مع البحث العلمي باعتباره ترفًا أو ملفًا ثانويًا، لأن الابتكار الذي يقود الأسواق يبدأ غالبًا من سؤال علمي أو تجربة بحثية أو محاولة لحل مشكلة قائمة.

ومن هنا تظهر مسؤولية مشتركة بين الحكومات والجامعات والقطاع الخاص. فالمؤسسة الأكاديمية تنتج المعرفة، والشركات تستطيع تحويلها إلى منتجات وخدمات، بينما توفر الدولة البيئة التشريعية والتمويلية التي تسمح لهذه المنظومة بالنمو.

وعندما تنفصل هذه الأطراف عن بعضها، تظل المعرفة حبيسة الأوراق، ويظل الاقتصاد بعيدًا عن الاستفادة من قدراته العلمية.

الاستدامة.. الوجه الآخر للثروة

هنا يربط الكتاب بين اقتصاد المعرفة والتنمية المستدامة، مؤكدًا أن النمو الحقيقي لا يقاس فقط بحجم الأرباح الحالية، وإنما بقدرة المجتمع على الحفاظ على موارده وضمان استمرار قدرته على الإنتاج.

فالاقتصاد الذي يستهلك الموارد الطبيعية بلا حساب قد يحقق نموًا سريعًا، لكنه قد يدفع ثمن ذلك مستقبلًا. أما الاقتصاد الذي يستخدم المعرفة لتقليل الهدر، وتطوير الطاقة النظيفة، وتحسين إدارة المياه والزراعة والصناعة، فإنه يقترب من نموذج أكثر قدرة على الاستمرار، وبذلك لا تصبح التكنولوجيا هدفًا في حد ذاتها، وإنما وسيلة لحماية الإنسان والموارد في الوقت نفسه.

من النفط والمعادن إلى العقول

تكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في العالم العربي، حيث ما تزال مجموعة من الاقتصادات تعتمد بدرجات متفاوتة على الموارد الطبيعية.

ولا تكمن المشكلة في امتلاك هذه الموارد، وإنما في الاعتماد عليها باعتبارها المصدر الوحيد أو شبه الوحيد للقوة الاقتصادية. فالموارد يمكن أن تنضب، والأسعار يمكن أن تتغير، والأسواق يمكن أن تتبدل، بينما تظل المعرفة قادرة على إنتاج مصادر جديدة للقيمة.

ولهذا تبدو عملية تنويع الاقتصاد مرتبطة بصورة مباشرة بالاستثمار في الإنسان، وليس فقط بإنشاء قطاعات اقتصادية جديدة.

فالمصنع الحديث يحتاج إلى مهندس، والشركة الرقمية تحتاج إلى مبرمج، ومراكز الأبحاث تحتاج إلى علماء، والاقتصاد الأخضر يحتاج إلى متخصصين، وكل هذه القطاعات تبدأ من الاستثمار في العقل قبل رأس المال.

الابتكار يحتاج إلى بيئة لا تخاف من الخطأ

فالابتكار بطبيعته يقوم على المحاولة، وبعض المحاولات تفشل قبل أن تصل إلى النتيجة المطلوبة. وإذا كانت المؤسسات لا تمنح المبتكر مساحة للتجربة، فإن كثيرًا من الأفكار ستتوقف قبل أن ترى النور.

من هنا تأتي أهمية حماية الملكية الفكرية، وتسهيل تأسيس المشروعات، ودعم ريادة الأعمال، وتوفير التمويل للمبادرات الجديدة، وتقليل التعقيدات التي يمكن أن تحول الفكرة الواعدة إلى مشروع مؤجل.

حين تتعاون الدولة والسوق والجامعة

الدولة تضع القواعد وتوفر البيئة المناسبة، والجامعة تنتج المعرفة والكفاءات، والقطاع الخاص يحول الأفكار إلى منتجات وخدمات، بينما يظل المجتمع هو المستفيد النهائي من هذه المنظومة.

وعندما تتكامل هذه الأدوار، يمكن للمعرفة أن تتحول إلى قيمة اقتصادية واجتماعية حقيقية. أما عندما يعمل كل طرف في جزيرة منفصلة، فإن الفجوة بين البحث العلمي والسوق تظل قائمة، وتبقى كثير من الأفكار بعيدة عن التطبيق.

الفجوة التي لا تُقاس بالمال

تكمن إحدى القضايا الأكثر إلحاحًا في الفارق المعرفي بين الدول. فالفجوة بين اقتصاد متقدم وآخر متأخر لم تعد مرتبطة فقط بحجم الأموال المتاحة، وإنما بقدرة كل مجتمع على الوصول إلى المعرفة وإنتاجها وتوظيفها.

وقد تمتلك دولة موارد ضخمة، لكنها لا تستطيع تحويلها إلى اقتصاد مستدام إذا كانت تعاني من ضعف التعليم، وهجرة العقول، وتراجع البحث العلمي، وضعف البنية الرقمية.

وهنا يصبح الاستثمار في الإنسان أكثر أهمية من الاستثمار في المباني والمعدات وحدها، لأن الأصول الحقيقية للاقتصاد الجديد تتحرك داخل عقول البشر.

هجرة العقول.. الخسارة التي لا تظهر في الحسابات

كلما غادر عالم أو باحث أو مهندس أو مبتكر بلده بحثًا عن بيئة أفضل، لا تخسر الدولة فردًا فقط، وإنما تخسر سنوات من التعليم والخبرة وفرصة كان يمكن أن تتحول إلى مشروع أو اكتشاف أو مؤسسة، لهذا تبدو مواجهة هجرة العقول جزءًا أساسيًا من أي مشروع لبناء اقتصاد معرفي عربي. فالاحتفاظ بالكفاءات يحتاج إلى بيئة علمية ومهنية عادلة، وفرص حقيقية للبحث والتطوير، ومساحات تسمح للمبدعين بتحويل أفكارهم إلى واقع.

المعرفة لم تعد ترفًا

القيمة الأبرز في هذا الطرح أنه ينقل المعرفة من موقعها التقليدي باعتبارها شأنًا أكاديميًا إلى موقع أكثر تأثيرًا باعتبارها أحد أهم عناصر القوة الاقتصادية.

فالاقتصاد الذي لا ينتج المعرفة سيظل في كثير من الأحيان مستهلكًا لها، والدولة التي لا تستثمر في عقولها ستجد نفسها مضطرة إلى شراء التكنولوجيا بدلًا من إنتاجها، واستيراد الحلول بدلًا من ابتكارها، ومن هنا تصبح المعرفة قضية اقتصادية وسياسية واجتماعية في الوقت نفسه.

أسئلة المستقبل تبدأ من هنا

الرؤية لا تخلو من أسئلة صعبة. فهل تستطيع الدول العربية الانتقال فعلًا إلى اقتصاد قائم على المعرفة في ظل التحديات الاقتصادية والسياسية المتلاحقة؟ وهل تكفي زيادة الإنفاق على التعليم والبحث العلمي إذا بقيت البيئة الإدارية والتشريعية غير قادرة على احتضان الابتكار؟.

ثم هناك سؤال أكثر حساسية: كيف يمكن تحويل الأفكار الكبرى إلى سياسات يومية يشعر المواطن بنتائجها في التعليم والعمل والدخل وجودة الحياة؟، ربما لا توجد إجابة واحدة، لكن المؤكد أن الطريق يبدأ من الاعتراف بأن اقتصاد المستقبل لن ينتظر الدول التي تكتفي باستهلاك ما ينتجه الآخرون.

عندما تصبح الفكرة بداية لاقتصاد جديد

عند طي الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تنتقل من الكتاب إلى الواقع، فالمعرفة التي لا تتحول إلى فعل تظل مجرد معلومات، والابتكار الذي لا يجد بيئة تحتضنه يبقى فكرة، والتعليم الذي لا ينتج إنسانًا قادرًا على التفكير لا يستطيع وحده صناعة نهضة.

لهذا تبدو الرسالة الأوسع للكتاب دعوة إلى إعادة النظر في مفهوم الثروة نفسه. فالثروة لم تعد فقط ما يوجد تحت الأرض، وإنما ما يمكن أن يخرج من عقل الإنسان فوقها.

وفي عالم يتغير كل يوم، قد يكون السؤال الحقيقي أمام المجتمعات العربية ليس: ماذا نملك من موارد؟ وإنما: ماذا نستطيع أن نفعل بما نملكه من عقول؟، وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية لاقتصاد المعرفة؛ من فكرة صغيرة، إلى عقل يتعلم، إلى مؤسسة تدعم، إلى ابتكار يجد طريقه إلى السوق، ثم إلى اقتصاد يستطيع أن ينمو دون أن يستهلك مستقبله.

 

​حقوق النشر:

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه.

وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب:

العنوان العربي: اقتصاديات المعرفة والتنمية المستدامة

صياغة عربية أخرى للعنوان: اقتصاد المعرفة ودوره في التنمية المستدامة

العنوان الأصلي: Knowledge Economics and Sustainable Development

عنوان الطبعة: الطبعة الأولى

المؤلف: محمد عبد الفتاح الصيرفي

التصنيف: الاقتصاد والتنمية البشرية

دار النشر الأصلية: دار الفكر الجامعي

بلد النشر الأصلي: مصر

سنة النشر الأصلية: 2021

عدد الصفحات: 342 صفحة

الرقم الدولي للطبع: 978-977-331-522-8

رقم الإيداع: 2021/15480

طبعة محدثة: لا توجد

طبعة حديثة منقحة: الطبعة الأولى الأساسية

دار النشر العربية: دار الفكر الجامعي الإسكندرية

 

 

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *