السويد من اغني دول اوروبا

تمهيد:

كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة بعض الكتب تمنحك معلومات وبعضها يمنحك طريقة جديدة للنظر إلى الحياة وهناك كتب قليلة تترك أثرها في أسلوب التفكير قبل أن تتركه في الذاكرة وهذا واحد من تلك الكتب.

ما يتناوله الكاتب:

كل ما حد يتكلم عن السويد هتلاقي اسمها بيتكرر باعتبارها الدليل الأكبر على نجاح الاشتراكية وأن الدولة قدرت توفر لمواطنيها تعليم مجاني ورعاية صحية كاملة ومستوى معيشة مرتفع بفضل تدخل الحكومة في كل تفاصيل الاقتصاد لكن السؤال اللي نادرًا حد بيسأله هو هل السويد بقت غنية لأنها طبقت الاشتراكية ولا طبقت دولة الرفاه بعدما أصبحت بالفعل واحدة من أغنى دول العالم الفرق بين السؤالين بسيط في شكله لكنه بيغير فهم تجربة اقتصادية كاملة لأن السبب الحقيقي للنجاح هو اللي يستحق الدراسة وليس الصورة اللي استقرت في أذهان الناس

يوهان نوربرغ بيبدأ رحلته بهدم الفكرة الأشهر عن السويد لأن تاريخها الاقتصادي بيقول إن سنوات الازدهار الحقيقية بدأت قبل التوسع في الإنفاق الحكومي وقبل ارتفاع الضرائب لعقود طويلة الاقتصاد وقتها كان قائم على حرية التجارة واحترام الملكية الخاصة وتشجيع الاستثمار وفتح الأسواق أمام المنافسة وكانت الشركات السويدية بتولد وتنمو داخل بيئة تسمح لأي صاحب فكرة إنه يحولها إلى مشروع ناجح من غير قيود خانقة ولا بيروقراطية تقتل المبادرة

رحلة النمو دي صنعت شركات أصبحت بعد كده علامات عالمية معروفة زي فولفو وإيكيا وإريكسون وسكانيا وغيرها وكلها خرجت للنور قبل ما تتحول السويد إلى دولة الرفاه بالشكل اللي الناس تعرفه النهارده وده معناه إن الثروة اتكونت الأول وبعدها الدولة بدأت تستخدم جزءًا منها في توسيع الخدمات الاجتماعية وليس العكس كما يظن كثيرون

بداية دولة الرفاه كانت مدفوعة برغبة حقيقية في تحسين جودة الحياة وتقليل الفوارق بين المواطنين وفعليًا حققت نجاحات مهمة في التعليم والصحة والحماية الاجتماعية لكن مع مرور الوقت بدأ الإنفاق الحكومي يكبر بصورة أسرع من قدرة الاقتصاد على توليد ثروة جديدة وارتفعت الضرائب إلى مستويات غير مسبوقة وأصبح أصحاب الأعمال والموظفون يدفعون نسبًا كبيرة من دخولهم وهو ما انعكس تدريجيًا على الاستثمار والإنتاج وروح المبادرة

نوربرغ بيؤكد إن المشكلة لم تكن في فكرة مساعدة المواطن وإنما في حجم تدخل الدولة لما تجاوز الحدود الطبيعية لأن كل جنيه بتصرفه الحكومة لازم يخرج في الأساس من اقتصاد منتج وكل ما تقل الحوافز على الإنتاج يقل معدل النمو وبالتالي تبدأ الموارد اللي بتمول دولة الرفاه نفسها في الانكماش ودي كانت اللحظة اللي بدأت فيها السويد تواجه أسئلة صعبة عن مستقبل نموذجها الاقتصادي بعدما تباطأ النمو وبدأت بعض الشركات تنقل استثماراتها إلى دول أقل ضرائب وأكثر مرونة

سنوات السبعينيات والثمانينيات كانت من أصعب الفترات لأن الاقتصاد فقد جزءًا من قدرته التنافسية وبدأت البطالة ترتفع وظهرت مؤشرات أوضحت إن النموذج محتاج مراجعة حقيقية بدل الاستمرار في التوسع الحكومي بنفس الوتيرة لأن أي نظام اقتصادي مهما كانت نواياه جيدة يظل مرتبطًا بقدرته على إنتاج الثروة قبل توزيعها وبدون إنتاج قوي تتحول الوعود الاجتماعية إلى عبء يصعب الاستمرار في تمويله

أهم ما يميز الكتاب إنه لا يحاول إدانة العدالة الاجتماعية ولا يهاجم فكرة توفير الخدمات للمواطن لكنه بيفرق بين الاقتصاد اللي يصنع الثروة أولًا ثم يوزع جزءًا منها وبين الاقتصاد اللي ينشغل بالتوزيع قبل ما يهتم بالإنتاج لأن الفرق بين الحالتين هو الفرق بين دولة بتبني مستقبلها ودولة بتستهلك نجاحًا تحقق في الماضي دون أن تضيف إليه شيئًا جديدً

استمرارًا للفكرة بدأت السويد خلال التسعينيات تعيد النظر في كثير من السياسات الاقتصادية اللي كانت تعتبر قبل كده خطوطًا لا يمكن الاقتراب منها لأن الواقع أثبت إن استمرار الإنفاق بنفس المعدلات مع الضرائب المرتفعة مش هيقود إلا إلى مزيد من التباطؤ لذلك بدأت الحكومة تخفض بعض الضرائب وتحرر عددًا من القطاعات وتشجع المنافسة وتفتح المجال بصورة أكبر أمام القطاع الخاص وبدأت تظهر إصلاحات في التعليم والصحة والخدمات العامة هدفها رفع الكفاءة بدل الاكتفاء بزيادة الإنفاق وده خلق بيئة اقتصادية أكثر قدرة على الابتكار وجذب الاستثمارات

نتائج الإصلاحات بدأت تظهر بصورة تدريجية لأن الشركات رجعت تستثمر بثقة أكبر وارتفع معدل الإنتاج وتحسن ترتيب السويد في مؤشرات التنافسية العالمية واستعادت قدرتها على جذب رؤوس الأموال ولم يكن النجاح ناتجًا عن التخلي عن العدالة الاجتماعية وإنما عن تحقيق توازن بين حماية المواطن والحفاظ على اقتصاد قادر على تمويل هذه الحماية لأن أي نظام اجتماعي مهما كان ناجحًا يحتاج إلى قطاع خاص قوي يخلق الوظائف ويدفع الضرائب ويولد الثروة التي تعتمد عليها الدولة في تمويل خدماتها

نوربرغ يرفض الفكرة الشائعة التي تصور الصراع بين الرأسمالية والعدالة الاجتماعية باعتباره معركة لا يمكن الجمع فيها بين الطرفين لأنه يرى أن التجربة السويدية نفسها تثبت أن السوق الحرة ليست عدوًا للمجتمع وأن الرفاه الحقيقي يحتاج إلى اقتصاد منتج أكثر مما يحتاج إلى حكومة أكبر وأن الدولة عندما تتجاوز دورها الطبيعي تبدأ دون أن تشعر في إضعاف المصدر الذي تعتمد عليه في الإنفاق وهو النشاط الاقتصادي الحر

رحلة السويد تكشف أيضًا أن الأرقام وحدها لا تحكي الحقيقة كاملة لأن كثيرًا من الدول حاولت تقليد نموذج دولة الرفاه من خلال زيادة الإنفاق الحكومي قبل أن تمتلك اقتصادًا قادرًا على تحمله فانتهت بديون مرتفعة وعجز مالي وتباطؤ في النمو بينما تجاهلت أن السويد نفسها بنت ثروتها خلال عقود من الانفتاح الاقتصادي والعمل والإنتاج قبل أن تبدأ في توسيع شبكات الحماية الاجتماعية وده هو الفارق الذي يراه المؤلف بين نقل النتائج وتقليد الأسباب

فكرة الكتاب الأساسية لا تدور حول الدفاع عن الرأسمالية أو مهاجمة الاشتراكية بقدر ما تدور حول ضرورة فهم التسلسل الصحيح للأحداث لأن بناء الثروة يسبق توزيعها والإنتاج يسبق الإنفاق والاستثمار يسبق الدعم وأي دولة تعكس هذا الترتيب غالبًا ما تجد نفسها بعد سنوات أمام أزمة مالية حتى لو كانت النوايا طيبة والشعارات جذابة لأن الاقتصاد في النهاية تحكمه قوانين لا تتغير بالشعارات ولا بالرغبات

أكثر ما يلفت الانتباه أن السويد لم تعتبر الإصلاح اعترافًا بالفشل لكنها اعتبرته وسيلة للحفاظ على نجاحها لذلك لم تتمسك بالسياسات القديمة لمجرد أنها كانت مشهورة ولم تخف من مراجعة تجربتها عندما اكتشفت أن بعض القرارات أصبحت عبئًا على النمو ودي واحدة من أهم الرسائل التي يقدمها الكتاب لأن الدول الناجحة ليست الدول التي لا تخطئ وإنما الدول التي تمتلك الشجاعة لتصحيح أخطائها قبل أن تتحول إلى أزمات يصعب علاجها

رحلة السويد تؤكد أن الاقتصاد القوي لا يولد داخل مكاتب الحكومات وحدها وإنما يولد في المصانع والشركات والورش والأفكار الجديدة وأن الدولة الذكية هي التي تخلق البيئة التي تسمح لكل ذلك بالنمو ثم تحصد ثماره في صورة وظائف واستثمارات وخدمات أفضل للمواطنين ولذلك تبقى التجربة السويدية مثالًا مهمًا ليس لأنها أثبتت نجاح الاشتراكية كما يعتقد كثيرون وإنما لأنها أثبتت أن الثروة تصنع أولًا ثم تأتي بعدها سياسات الرفاه وأن الحفاظ على النجاح يحتاج دائمًا إلى مراجعة مستمرة وشجاعة في اتخاذ القرار أكثر مما يحتاج إلى تكرار الشعارات

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية

العنوان: سراب الاشتراكية السويدية

العنوان الأصلي: The Mirage of Swedish Socialism: The Economic History of a Welfare State

المؤلف: يوهان نوربرغ

دار النشر: Cato Institute

بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية

الطبعة: الأولى

سنة النشر: 2015

عدد الصفحات: 74 صفحه

ISBN: 9781944424095

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *