تمهيد:
كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصارًا للكتاب ولا محاولة لاستبدال قراءته وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة وتناقشها في سياقها.
ما يتناوله الكاتب:
نجاح بعض الأشخاص والشركات يبدو أحيانًا وكأنه سر لا يمكن تفسيره بينما يتعثر آخرون رغم امتلاكهم الإمكانات نفسها وهنا يطرح سيمون سينك سؤالًا بسيطًا يحمل إجابة غير عادية لماذا ينجح البعض في إلهام الناس بينما يعجز آخرون عن ذلك رغم جودة ما يقدمونه ثم يأخذ القارئ في رحلة تكشف أن الفرق الحقيقي لا يبدأ بالمنتج ولا بالخطة ولا بالتقنيات وإنما يبدأ بالغاية التي تدفع الإنسان إلى العمل منذ اللحظة الأولى.
يعرض الكاتب فكرة الدائرة الذهبية التي تقوم على ثلاثة مستويات لماذا وكيف وماذا ويؤكد أن معظم الأفراد والمؤسسات يبدأون بالحديث عما يفعلونه ثم يشرحون كيف يفعلونه بينما القادة المؤثرون يعكسون هذا الترتيب فيبدأون بسبب وجودهم ثم يوضحون الطريقة ثم يقدمون المنتج أو الخدمة ويعتبر أن هذا الاختلاف البسيط يصنع الفارق بين من يبيع سلعة ومن يلهم أتباعًا يؤمنون برسالته .
رحلة الكتاب لا تقتصر على عالم الإدارة وإنما تمتد إلى السياسة وريادة الأعمال والتاريخ لأن الكاتب يرى أن الإنسان يستجيب للمعنى أكثر مما يستجيب للحقائق المجردة لذلك يستشهد بقادة استطاعوا تحويل أفكارهم إلى حركات مؤثرة لأنهم امتلكوا رسالة واضحة قبل امتلاكهم الوسائل ويؤكد أن الناس لا يلتفون حول شخص لأنه يملك أفضل منتج بل لأنه يعبر عن قيم يؤمنون بها ويشعرون أنها تمثلهم .
أبل تمثل النموذج الأشهر في الكتاب لأنها لم تكتف بعرض مواصفات أجهزتها وإنما قدمت نفسها باعتبارها شركة تؤمن بتحدي المألوف وجعلت كل منتج يصدر عنها امتدادًا لهذه الفلسفة لذلك أصبح كثير من العملاء يشعرون أنهم يشترون فكرة قبل أن يشتروا جهازًا بينما يعرض الكاتب أيضًا تجربة مارتن لوثر كينج الذي لم يجمع الناس بخطة تنظيمية فقط وإنما جمعهم بحلم آمنوا به فتحول الإيمان المشترك إلى قوة اجتماعية هائلة .
يناقش الكاتب أيضًا خطورة النجاح عندما يجعل المؤسسات تنسى سبب وجودها فتتحول الرسالة إلى أرقام ويصبح الاهتمام بالنتائج أكبر من الاهتمام بالغاية وهنا يبدأ التراجع لأن الجمهور يستطيع أن يميز بين من يعمل بدافع الإيمان ومن يعمل بدافع المكسب وحده لذلك يرى أن الحفاظ على لماذا أكثر صعوبة من اكتشافها لأنها تحتاج إلى مراجعة مستمرة حتى لا تضيع وسط ضغوط السوق والمنافسة .
لغة الكتاب سهلة وأمثلته كثيرة وأسلوبه يعتمد على بناء الفكرة بالتدريج حتى تصبح جزءًا من طريقة التفكير وليس مجرد معلومة عابرة وقد يتفق القارئ مع جميع استنتاجاته أو يختلف مع بعضها لكنه سيخرج وهو يعيد النظر في طريقة اتخاذ قراراته وفي الأسباب التي تدفعه إلى العمل لأن السؤال الذي يبدأ به الكتاب يتحول تدريجيًا إلى سؤال شخصي يلاحق كل من يقرأه لماذا أفعل ما أفعله.
ولا يقف أثر فكرة “ابدأ بلماذا” عند حدود الشركات الكبرى أو القادة المعروفين، بل يمتد إلى حياة الأفراد في تفاصيلها اليومية، فالطالب الذي يعرف لماذا يدرس يكون أكثر قدرة على تجاوز صعوبة التعلم، والموظف الذي يدرك قيمة ما يقدمه يصبح أكثر التزامًا بعمله، ورائد الأعمال الذي ينطلق من رسالة واضحة يكون أقدر على الصمود أمام الإخفاقات المؤقتة، لذلك لا ينظر سيمون سينك إلى “لماذا” بوصفها شعارًا تحفيزيًا، وإنما باعتبارها بوصلة تمنح القرارات اتجاهًا واضحًا، وتساعد الإنسان على التمييز بين ما يستحق الاستمرار فيه وما يحتاج إلى إعادة النظر.
كما يلفت الكتاب الانتباه إلى أن الرسالة لا تعني الجمود، فالأهداف والوسائل قد تتغير مع مرور الزمن، لكن الفكرة التي تأسس عليها المشروع أو المسار الشخصي ينبغي أن تبقى حاضرة بوصفها المرجع الذي تُقاس عليه القرارات، ومن هنا يدعو القارئ إلى مراجعة دوافعه بين الحين والآخر، لأن الانشغال بالتفاصيل اليومية قد يجعل الإنسان يحقق إنجازات متتالية دون أن يسأل نفسه إن كانت تقوده فعلًا إلى الوجهة التي يريدها.
وربما لهذا السبب يحافظ الكتاب على حضوره بعد سنوات من صدوره، إذ لا يكتفي بالحديث عن القيادة أو التسويق، بل يطرح سؤالًا يتجاوزهما معًا: كيف يمكن للإنسان أن يبني حياة أو مشروعًا يستمد قوته من وضوح غايته قبل أن يستمدها من حجم نجاحه؟.
قيمة الكتاب الحقيقية لا تكمن في تقديم وصفة جاهزة للنجاح وإنما في إعادة ترتيب نقطة البداية لأن كل إنجاز طويل العمر يحتاج إلى معنى يسبقه وكل قيادة مؤثرة تحتاج إلى رسالة تسبق التعليمات وكل مشروع يريد البقاء يحتاج إلى هدف يظل حاضرًا حتى عندما تتغير الوسائل وتتبدل الظروف ويبقى السؤال الذي يطرحه سيمون سينك قادرًا على مرافقة القارئ بعد إغلاق الصفحة الأخيرة لأن الإجابة عنه قد تغير طريقة التفكير قبل أن تغير طريقة العمل.
حقوق النشر:
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه، وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية
العنوان ابدأ بلماذا كيف يلهم القادة العظماء الجميع للعمل
المؤلف Simon Sinek
دار النشر Portfolio باللغة الأصلية والترجمة العربية صدرت عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية
بلد النشر الولايات المتحدة للأصل والإمارات العربية المتحدة للترجمة
الطبعة الأولى
سنة النشر 2009 للأصل و2013 للترجمة العربية
عدد الصفحات 287 للترجمة العربية
رقم الإيداع غير متوفر
ISBN 9789948146711