تمهيد:
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
ما يتناوله الكاتب:
في «ماذا أفعل هنا؟» يقدم بروس تشاتوين مجموعة متنوعة من القصص والمقالات والبورتريهات الإنسانية التي جمعها خلال سنوات من الترحال، ليحول عنوان الكتاب من سؤال بسيط إلى سؤال وجودي عميق حول معنى الاستقرار والرحيل والانتماء.
أراد تشاتوين أن يجمع في عمل واحد شهادات وتجارب متفرقة عاشها في رحلاته المتعددة حول العالم، ليس بهدف سرد سيرة ذاتية تقليدية، بل لطرح سؤال يشغله شخصياً، لماذا يشعر بعض البشر بأن الاستقرار ليس قدرهم؟ ولماذا ينجذب الإنسان إلى الغرباء والمهمشين وأصحاب الحيوات غير المألوفة؟.
يرى تشاتوين أن السفر ليس زيارة للأماكن أو جمعاً للانطباعات، بل طريقة لرؤية العالم من جديد، فالمسافر بوصفه غريباً عن المكان يستطيع أن يلاحظ ما اعتاد عليه أهله، ويطرح أسئلة حول أشياء أصبحت بالنسبة إليهم بديهية ومسلَّماً بها.
من خلال حكايات متنوعة، مثل تجربته في بنين حين اعتُقل للاشتباه بأنه مرتزق، أو لقائه في بوسطن برجل يعتقد أنه المسيح، لا يتعامل الكاتب مع هذه الشخصيات كموضوعات للفرجة أو الغرابة، بل يبحث عن الإنسان خلف الفكرة أو الاعتقاد، مؤمناً بأن الغريب قد يكشف أحياناً عن طبيعة البشر أكثر مما تكشفه الشخصيات “العادية”.
يحتل مفهوم الترحال مكانة مركزية في الكتاب، إذ كان تشاتوين مفتوناً بالبدو والمجتمعات الرحالة، ويرى فيهم صورة قديمة ومستمرة لطبيعة الإنسان الذي كان كائناً متحركاً قبل أن يبني المدن والحدود، وربما ظل شيء من ذلك الرحيل القديم كامناً في أعماق الإنسان الحديث، حتى وإن استقر خلف الجدران في المدن الكبرى.
الكتاب مجموعة متنوعة من القصص والمقالات والبورتريهات لا رحلة واحدة متصلة.
العنوان “ماذا أفعل هنا؟” يتحول إلى سؤال وجودي عن الانتماء والرحيل.
السفر عند تشاتوين وسيلة لرؤية العالم من زاوية جديدة، لا لجمع الانطباعات.
تجربة الاعتقال في بنين تكشف الجانب العبثي والخطير في حياة الرحالة.
لقاؤه برجل يعتقد أنه المسيح في بوسطن مثال على بحثه عن الإنسان خلف الفكرة الغريبة.
الشخصيات غير المألوفة تُقدَّم في الكتاب باحترام لا بسخرية.
الترحال والبداوة يمثلان عند تشاتوين صورة أصيلة من طبيعة الإنسان.
السفر لا يمنح دائماً إجابات، لكنه يمنح وضوحاً أكبر للأسئلة.
أسلوب الكتاب يمزج الصحافة والأدب والسيرة والتأمل.
الكتاب في جوهره عن البشر الذين لا يستطيعون الاستقرار أكثر مما هو عن الأماكن.
يناسب محبي أدب الرحلات الباحثين عن حكايات إنسانية متفرقة بدلاً من سرد رحلة واحدة، وقراء المقالات الأدبية والبورتريهات الشخصية، وكل من يهتم بأسئلة الهوية والانتماء والترحال.
يتميز الكتاب بتنوع مادته وغنى شخصياته، وبقدرة تشاتوين على استخلاص العمق الإنساني من مواقف قد تبدو عابرة أو غريبة، إضافة إلى أسلوبه الذي يمزج بين الدقة الصحفية والحس الأدبي.
طبيعة الكتاب كمجموعة متفرقة من القصص والمقالات قد تجعله يفتقر إلى وحدة موضوعية متماسكة مقارنة بأعمال تشاتوين الأخرى ذات الخط السردي الواحد، كما أن بعض القصص قد تبدو للقارئ غير المهتم بسياقها التاريخي أقل تأثيراً.
هل انجذاب تشاتوين المستمر إلى الغرباء والمهمشين يعكس رؤية إنسانية عميقة، أم أنه في بعض الأحيان أقرب إلى افتتان أدبي بالغرابة لذاتها؟ وإلى أي حد يمكن تعميم فكرة “الترحال كطبيعة أصيلة للإنسان” على مجتمعات بُنيت أساساً على الاستقرار؟.
عندما تطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية، وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه، وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: What Am I Doing Here? (ماذا أفعل هنا؟)
المؤلف: بروس تشاتوين (Bruce Chatwin)
دار النشر:
Jonathan Cape
بلد النشر: المملكة المتحدة (بريطانيا)
الطبعة: الطبعة الأولى (First Edition)
سنة النشر: 1988عدد الصفحات: 367–384 صفحة
رقم الإيداع: غير مخصص برقم إيداع محلي عربي لعدم توفر ترجمة رسمية معتمدة واسعة الانتشار تحمل رقم إيداع عربي محدد.
ISBN: 978-0224026345 (طبعة جوناثان كيب) / 978-0140115772 (طبعة بنغوين)