الدوله الي انتصرت علي المستحيل

تمهيد:

كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة هذه الصفحات ليست اختصارًا للكتاب ولا محاولة لاستبدال قراءته وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة وتناقشها في سياقها وتربطها بالواقع وتفتح بابًا للتأمل أكثر مما تقدم أحكامًا نهائية وهنا لا نقرأ الكلمات فقط بل نقرأ ما وراءها.

ما يتناوله الكاتب:

دولة تمتلك أكثر من سبعة عشر ألف جزيرة ويعيش داخلها مئات الأعراق ويتحدث سكانها مئات اللغات وتنتشر بينهم ديانات وثقافات تكفي لصناعة عشرات الدول المنفصلة ثم يخبرك أحدهم أن كل هؤلاء يعيشون تحت علم واحد ودستور واحد وجيش واحد واقتصاد يتقدم عامًا بعد عام فتظن أن الأمر مجرد مبالغة حتى تكتشف أن اسم هذه الدولة هو إندونيسيا وأن المستحيل الذي نتحدث عنه أصبح حقيقة يدرسها العالم

صورة إندونيسيا تبدو بسيطة لمن ينظر إليها من بعيد لكنها تزداد تعقيدًا كلما اقتربت منها لأن البحر هناك ليس مجرد حدود بين الجزر بل هو جزء من الحياة اليومية وجزء من الاقتصاد وجزء من السياسة أيضًا ولذلك لم يكن التحدي الحقيقي هو بناء الطرق أو الموانئ بل كان بناء شعور يجعل إنسانًا يعيش في أقصى الشرق يشعر أنه ينتمي إلى الوطن نفسه الذي يعيش فيه آخر يبعد عنه آلاف الكيلومترات

رحلة بناء الدولة لم تبدأ بالاقتصاد كما يظن كثيرون بل بدأت بمحاولة جمع هذا التنوع داخل هوية واحدة لأن الشعوب لا يمكن أن تبني مستقبلًا مشتركًا إذا بقيت أسيرة هوياتها الصغيرة ولذلك أصبح الانتماء إلى إندونيسيا فكرة أكبر من القبيلة وأكبر من الجزيرة وأكبر من اللغة وتحول الاختلاف من خطر يهدد الدولة إلى مصدر يمنحها قوة لا تملكها الدول المتشابهة

فساد طويل عاشته البلاد جعل الرشوة تبدو أحيانًا وكأنها جزء طبيعي من الحياة اليومية وأصبح الوصول إلى الحقوق يحتاج إلى علاقات أكثر مما يحتاج إلى قوانين لكن المجتمعات لا تبقى أسيرة أخطائها إلى الأبد لأن الضغط الشعبي والإصلاح السياسي والرقابة والإعلام بدأوا يفرضون واقعًا مختلفًا ولم تختف المشكلات دفعة واحدة لكن الفارق الحقيقي ظهر عندما أصبحت محاربة الفساد هدفًا مستمرًا لا مجرد شعار يرفع في المناسبات

ثروات هائلة كانت كافية لتجعل الدولة تعتمد عليها لعقود طويلة لكن الاعتماد على الموارد وحدها يشبه بناء بيت فوق الرمال لأن أسعار النفط والمعادن تتغير بينما الإنسان المتعلم يبقى أصلًا ثابتًا لا يفقد قيمته لذلك اتجهت الدولة إلى الصناعة والاستثمار والسياحة والتعليم وأصبحت تبحث عن مصادر متعددة للنمو بدلًا من انتظار ارتفاع أسعار المواد الخام

ديمقراطية البلاد لم تولد كاملة ولم تصل في ليلة واحدة لأن المجتمعات التي تعيش سنوات طويلة تحت أنظمة مغلقة تحتاج إلى وقت حتى تتعلم كيف تختلف دون أن تتحول الخلافات إلى صراعات ولذلك كانت كل انتخابات وكل أزمة وكل انتقال سياسي خطوة جديدة في رحلة طويلة عنوانها أن بناء المؤسسات أهم كثيرًا من صناعة الأبطال

رحلات الحياة اليومية تكشف حقائق لا تظهر داخل المكاتب المكيفة لأن الصياد الذي يخرج قبل الفجر يعرف قيمة الاستقرار أكثر من السياسي الذي يكتب خطابًا والمزارع الذي ينتظر طريقًا يصل حقله بالمدينة يفهم التنمية بطريقة لا تكتبها التقارير ورجل الأعمال الذي يخاطر بأمواله يبحث عن قوانين عادلة أكثر من بحثه عن امتيازات خاصة وهؤلاء جميعًا هم الذين يصنعون صورة الوطن الحقيقية

تنوع اللغات والعادات لم يمنع الناس من العمل معًا بل دفعهم إلى اكتشاف أن احترام الاختلاف أقل تكلفة بكثير من محاولة إلغائه لأن القوة لا تعني أن يصبح الجميع نسخة واحدة وإنما تعني أن يجد كل شخص مكانه داخل الدولة دون أن يشعر أنه غريب عنها

بنية تحتية قوية لم تكن رفاهية بل كانت شرطًا للحياة لأن المصنع لا يستطيع الإنتاج دون ميناء والقرية لا تستطيع بيع محاصيلها دون طريق والطالب لا يستطيع الوصول إلى مستقبله دون مدرسة جيدة وكل مشروع جديد كان يربط جزيرة بأخرى ويقرب المسافات بين الناس قبل أن يقربها على الخرائط

اقتصاد اليوم لا يقاس بما تملكه الدول تحت الأرض فقط بل بما تملكه داخل عقول أبنائها ولذلك أصبح الاستثمار في الإنسان هو الرهان الحقيقي لأن الثروات قد تنضب أما المعرفة فتولد ثروات جديدة كل يوم وتمنح أصحابها قدرة على المنافسة مهما تغير العالم حولهم

تجربة إندونيسيا تثبت أن الدول لا تنهض لأنها خالية من المشكلات بل لأنها ترفض الاستسلام لها وأن الطريق نحو النجاح لا يحتاج إلى معجزة بقدر ما يحتاج إلى رؤية وصبر وقدرة على التعلم من الأخطاء لأن الشعوب التي تملك الشجاعة لمراجعة نفسها تستطيع أن تغير مصيرها حتى لو بدأ الجميع رحلتها وهم مقتنعون أن النجاح مستحيل ثم يكتشف العالم بعد سنوات أن أكثر الحكايات إلهامًا كانت تلك التي بدأت بكلمة لا يمكن.

حقوق النشر:

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية:

العنوان
Indonesia Etc Exploring the Improbable Nation

المؤلف
Elizabeth Pisani

دار النشر
W W Norton and Company

بلد النشر
الولايات المتحدة الأمريكية

الطبعة
الأولى

سنة النشر
2014

عدد الصفحات
416 صفحه

ISBN
9780393345031

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *