أخطر صراع لا يدور بين الدين والعلم بل داخل عقل الإنسان

تمهيد:

كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة هذه الصفحات ليست اختصارًا للكتاب ولا محاولة لاستبدال قراءته وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة وتناقشها في سياقها وتربطها بالواقع وتفتح بابًا للتأمل أكثر مما تقدم أحكامًا نهائية وهنا لا نقرأ الكلمات فقط بل نقرأ ما وراءها.

ما يتناوله الكاتب:

أصعب المعارك ليست تلك التي تدور بين جيشين ولا تلك التي تنتهي بانتصار طرف على آخر أصعب المعارك تبدأ عندما يكتشف الإنسان أن العالم الذي تربى عليه لا يشبه العالم الذي عاد إليه وأن الحقيقة التي دافع عنها سنوات قد تصبح موضع شك بمجرد أن يرى حقيقة أخرى بعينيه لحظة واحدة قد تجعل العقل يرفض ما آمن به القلب وسنوات طويلة قد تعجز عن إعادة السلام بينهما تلك اللحظة كانت بداية رحلة إسماعيل الذي خرج من حارة مصرية بسيطة يحمل أحلام أسرته وعاد إليها يحمل أفكارًا لم تكن الحارة مستعدة لاستقبالها

طفولة إسماعيل تشكلت وسط الأزقة الضيقة وروائح البخور وضوء قنديل أم هاشم الذي لم يكن مجرد مصباح معلق داخل المسجد بل كان رمزًا للإيمان الشعبي ومصدرًا للبركة والأمل وعلامة يلتقي عندها الناس كلما ضاقت بهم الحياة حتى أصبحت قطرات الزيت التي تنساب من القنديل علاجًا تؤمن به القلوب قبل الأجساد وصارت الثقة فيه أقوى من ثقة كثيرين في الطب نفسه

رحلة الدراسة خارج الوطن صنعت طبيبًا بارعًا يعرف قيمة العلم والتجربة والدليل وعندما عاد ظن أن المعرفة وحدها تكفي لتغيير العالم لكنه اكتشف أن الأفكار لا تدخل العقول بنفس السهولة التي تدخل بها الأدوية إلى الجسد وأن الإنسان لا يتخلى عن معتقد عاش معه عمرًا كاملًا لمجرد أن شخصًا آخر أخبره أنه مخطئ لأن المشاعر كثيرًا ما تكون أقوى من البراهين

صدمة العودة لم تكن بسبب الفقر ولا التخلف بل بسبب الهوة الواسعة بين عالمين كل منهما يعتقد أنه يمتلك الحقيقة الكاملة عالم يرى النجاة في التمسك بالموروث مهما كان قديمًا وعالم يرى أن المستقبل لا يبنى إلا بالعلم وحده وبينهما وقف إسماعيل يحاول أن يهدم جسرًا لم يفكر أصلًا في كيفية إعادة بنائه

غضب الطبيب من المشاهد التي رآها دفعه إلى مواجهة الناس بعنف معتقدًا أن الصدمة ستوقظهم لكن الصدمة صنعت مقاومة أكبر لأن الكرامة الإنسانية ترفض أن تعامل باحتقار حتى لو كان صاحب الحق صادقًا واكتشف بعد سلسلة من الخسائر أن المعركة الحقيقية لم تكن ضد الجهل وإنما ضد الطريقة التي حاول بها مواجهة الجهل

حياة الناس لا تتغير بالأوامر ولا بالسخرية ولا بإثبات أن الآخرين مخطئون بل تتغير عندما يشعرون أن من يحدثهم يفهمهم ويحترم مخاوفهم ويقدر تاريخهم لأن الإنسان لا يتخلى عن قناعاته دفعة واحدة وإنما يتركها خطوة بعد أخرى حين يجد بديلًا يمنحه الطمأنينة نفسها

رحلة إسماعيل تحولت شيئًا فشيئًا من محاولة تغيير الآخرين إلى محاولة فهمهم وأدرك أن العلم لا يفقد قيمته إذا احترم مشاعر الناس كما أن الإيمان لا يفقد قدسيته إذا فتح الباب أمام المعرفة واكتشف أن الصراع الذي عاشه لم يكن بين الدين والعلم وإنما بين التعصب لأي فكرة وبين القدرة على رؤية الصورة كاملة

حارة السيدة زينب لم تكن مجرد مكان تدور فيه الأحداث بل كانت صورة مصغرة لمجتمع كامل يخاف التغيير لأنه لا يعرف إلى أين سيقوده ويتمسك بما اعتاده لأنه يمنحه شعورًا بالأمان ولذلك بدا كل شيء داخلها وكأنه يقاوم القادم من الخارج حتى لو كان يحمل الخير

حكمة الحياة ظهرت عندما فهم إسماعيل أن الطبيب الحقيقي لا يعالج المرض فقط وإنما يعالج الخوف الذي يسكن المريض وأن المصلح الحقيقي لا يبدأ بهدم ما يؤمن به الناس وإنما يبدأ ببناء الثقة بينهم وبينه لأن الثقة هي الدواء الأول الذي يجعل أي علاج آخر ممكنًا

رسالة الرواية تجاوزت حدود زمنها لتصبح سؤالًا يتكرر مع كل جيل لأن المجتمعات ما زالت تعيش الصراع نفسه بين القديم والجديد وبين العاطفة والعقل وبين التمسك بالماضي والسعي نحو المستقبل وكل طرف يظن أن انتصاره يعني هزيمة الآخر بينما الحياة تثبت كل يوم أن التوازن هو الانتصار الوحيد الذي يستحق أن نسعى إليه وأن الحضارة لا تبنى عندما ينتصر العلم على الإيمان ولا عندما ينتصر الإيمان على العلم وإنما عندما يدرك الإنسان أن المعرفة الصادقة لا تهدم القيم الحقيقية وأن الإيمان الواثق لا يخشى نور العقل

 

حقوق النشر:

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلفي الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية

العنوان
قنديل أم هاشم

المؤلف
يحيى حقي

دار النشر
مكتبة مصر

بلد النشر
مصر

الطبعة
توجد طبعات متعددة

سنة النشر
1944

عدد الصفحات
حوالي 160 صفحة حسب الطبعة

رقم الإيداع2016/7549

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *