كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
ولهذا نجد أن كتاب “يفيد بإيه!” للشاعرة أميرة البيلي، يُعد تجربة شعرية بالعامية المصرية والتي تدور حول الحب والفقد والعتاب والحنين، وتبحث في جدوى التعلق بما انتهى، ومحاولة فهم ما تبقى من العلاقات بعد الفراق، إذ صدر هذا الديوان عام 2024 عن دار إبهار للنشر والتوزيع، ويقع في 152 صفحة.
يبدو الديوان محاولة لتحويل التجارب العاطفية المألوفة إلى لغة شعرية قريبة من المتلقي؛ فالفراق والندم والحنين ليست مشاعر استثنائية، وإنما خبرات إنسانية يمر بها كثيرون. ومن خلال السؤال الذي يحمله العنوان.
وتضع الشاعرة القارئ أمام فكرة “الجدوى”، فما فائدة العتاب بعد انتهاء العلاقة؟ وما جدوى الندم عندما يصبح الرجوع مستحيلًا؟ وهل يمكن أن يكون الحب الذي انتهى بلا قيمة لمجرد أن نهايته كانت مؤلمة؟.
أهم الأفكار التي يدور حولها الكتاب
تتمثل أفكار الكتاب في سؤال “يفيد بإيه؟” والبحث عن جدوى العتاب، فالعنوان نفسه يبدو مفتاحًا لقراءة الديوان؛ فهو سؤال لا ينتظر إجابة مباشرة بقدر ما يعبر عن حالة نفسية يصل إليها الإنسان بعد استنفاد محاولات الفهم واللوم.
وتظهر في أجواء الديوان أسئلة مرتبطة بالندم والعتاب والحنين، بما يجعل التجربة أقرب إلى مراجعة ما حدث أكثر من كونها مجرد رثاء لعلاقة انتهت، كما تكشف المواد المنشورة عن الديوان أن فكرة “يفيد بإيه” تتكرر في سياق الندم والعتاب والحنين، لتصبح أشبه بلازمة شعورية للعمل.
كما أن الفراق لا يمحو الذكرى، حيث لا يتعامل الديوان مع الانفصال باعتباره لحظة تنتهي عندها العلاقة وكل ما يرتبط بها، بل يلتفت إلى ما يأتي بعدها: الذكريات والحنين والأسئلة التي تظل معلقة، فالإنسان قد يغادر علاقة، لكنه لا يستطيع بالضرورة مغادرة كل ما تركته داخله في اللحظة نفسها. وهنا تتحول الذكرى إلى مساحة تجمع بين الألم والامتنان والندم.
وفكرة آخرى تتمثل في العامية المصرية كوسيلة للقرب، إذ تعتمد أميرة البيلي على اللغة العامية المصرية، وهو اختيار يمنح النصوص مساحة واسعة من العفوية والحميمية. فاللغة هنا ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل جزء من هوية التجربة؛ إذ تقترب من الطريقة التي يتحدث بها الناس عن مشاعرهم بعيدًا عن اللغة الرسمية.
هل ينتهي الحب بانتهاء العلاقة؟
وتشير البيانات المنشورة عن أعمال البيلي إلى تقديمها الشعر بالعامية المصرية، بينما يضم الديوان الجديد تجربة شعرية مرتبطة بحالات وتجارب إنسانية يعيشها كثيرون.
تؤكد أن الحب لا ينتهي بالضرورة بانتهاء العلاقة، الفراق يترك وراءه أسئلة وذكريات، فضلا عن العتاب قد يصبح بلا جدوى عندما تنتهي فرصة الإصلاح، والحنين قد يستمر رغم إدراك استحالة العودة، أما الندم فهو جزء من مراجعة التجربة العاطفية، والذكريات قد تكون مصدر ألم ومصدر دفء في الوقت نفسه، وكذلك اللغة العامية تجعل التجربة أكثر قربًا من القارئ.
وللعلم فهذا الكتاب يناسب محبي الشعر العامي المصري، خصوصًا القراء الذين يفضلون النصوص الوجدانية القريبة من التجارب اليومية، وكذلك من مروا بتجارب الحب والفقد والخذلان والحنين، أو يبحثون عن نصوص تعبر عن مشاعر يصعب أحيانًا التعبير عنها بالكلام العادي.
وأبرز نقاط قوة الديوان بساطة اللغة وقربها من القارئ، إلى جانب اختيار موضوعات عاطفية شائعة يمكن أن يجد كثيرون أنفسهم داخلها. كما أن عنوان الديوان نفسه جذاب ومفتوح على أكثر من معنى، ويمنح العمل سؤالًا مركزيًا يمكن أن يتكرر في مواقف مختلفة من العلاقات الإنسانية، وقد لفت الديوان الانتباه عند صدوره في معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2024، ونفدت طبعته الأولى خلال الأيام الأولى للمعرض وفق ما نشرته “دار الهلال”.
وقد يرى بعض القراء أن الاعتماد الكبير على التجربة العاطفية واللغة المباشرة يجعل بعض الأفكار متقاربة من حيث الموضوع، خصوصًا لمن يفضلون الشعر الأكثر تجريدًا أو الرمزية. لكن هذه الملاحظة تظل مرتبطة بالذائقة الشعرية، ولا تمثل حكمًا عامًا على العمل.
ولكن هناك بعض الملاحظات التي يمكن مناقشتها، حيث يمكن مناقشة قدرة الديوان على الانتقال من التجربة الشخصية إلى التجربة الإنسانية المشتركة: هل تكفي بساطة اللغة والموضوع القريب من الناس لصناعة تجربة شعرية مؤثرة؟ وهل يتحول تكرار مفردات مثل الحنين والعتاب والفراق إلى عنصر يرسخ الحالة النفسية أم قد يؤدي أحيانًا إلى تشابه النبرة؟ كما يمكن مناقشة السؤال الأهم الذي يطرحه العنوان: هل نحتاج فعلًا إلى معرفة «ما الذي أفاد» من التجربة، أم أن بعض العلاقات تكتسب قيمتها من كونها حدثت، حتى لو انتهت؟.
أما عن نقاط ضعف الكتاب، فهي تتركز في الطابع العاطفي الذي يغلب عليها ما قد يجعل بعض القصائد متقاربة في الأجواء، إلى جانب قلة التنوع في البناء الشعري، الاعتماد على العامية رغم أنها تمنح قرب أكثر للقارئ، ولكنها تقلل من انتشار الرواية لمن يفضلون الشعر الفصيح، كما نجد أن الكتاب يركز على التجربة الشعورية أكثر من طرح الأفكار والقضايا.
وأخيرًا عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.
وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه، وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: يفيد بإيه!
المؤلف: أميرة البيلي
دار النشر: إبهار للنشر والتوزيع
بلد النشر: مصر
سنة النشر: 2024
الطبعة: الأولى، وأعيدت طباعته بعد نفاد الطبعة الأولى وفق ما نُشر وقت صدوره.
عدد الصفحات: 152 صفحة
ISBN-13: 978-9778735314
رقم الإيداع: غير متوفر