كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصارا للكتاب ولا محاولة لاستبدال قراءته وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم فكرته العامة بلغة جديدة وتناقشها في سياقها وتربطها بالواقع وتفتح بابا للتأمل أكثر مما تقدم أحكاما نهائية، هنا لا نقرأ الكلمات فقط بل نقرأ ما وراءها.
ينطلق كتاب”جلسات نفسية”للكاتب”د.محمد إبراهيم” من فكرة أن الإنسان قد يقضي سنوات طويلة وهو يهتم بصحته الجسدية، بينما يهمل صحته النفسية رغم أن كثيرا من القرارات والعلاقات والمشاعر تتأثر بالحالة النفسية أكثر مما نتخيل.
ويحاول المؤلف أن يقرب القارئ من نفسه وأن يشرح أن الاعتراف بالمشاعر ليس ضعفا وأن فهم النفس خطوة أساسية قبل محاولة تغييرها، ولا يقدم الكتاب القارئ باعتباره شخصا يعاني من مشكلة بل باعتباره إنسانا يحتاج أحيانا إلى أن يتوقف قليلا وينظر إلى حياته من زاوية مختلفة.
وجاء هذا الكتاب في وقت أصبح فيه الحديث عن الصحة النفسية أكثر حضورا في المجتمع، لكن ما زالت هناك أفكار خاطئة تجعل كثيرين يخجلون من الاعتراف بالضغط أو القلق أو الحزن.
ولهذا يحاول المؤلف أن يقدم مفاهيم نفسية بلغة بسيطة بعيدة عن التعقيد الأكاديمي، وأن يجعل القارئ يشعر وكأنه يجلس في حوار هادئ يدفعه إلى التفكير في نفسه بدلا من إصدار الأحكام عليها.
ويركز على أن التغيير الحقيقي لا يبدأ من لوم الذات، وإنما من فهمها والتعامل معها بوعي ورحمة.
الاستماع إلى النفس ضرورة وليس رفاهية:
يشير الكتاب إلى أن الإنسان ينشغل طوال الوقت بالاستماع إلى آراء الآخرين، لكنه نادرا ما يمنح نفسه فرصة ليفهم ما يشعر به وعندما تتراكم المشاعر دون فهم قد تتحول إلى ضغط أو غضب أو انسحاب من الحياة، ولهذا تصبح المراجعة الصادقة للنفس وسيلة لاكتشاف الاحتياجات الحقيقية بدلا من الهروب المستمر منها.
تقبل المشاعر لا يعني الاستسلام لها:
يفرق الكتاب بين الاعتراف بالمشاعر وبين السماح لها بالسيطرة على الحياة، فالحزن والخوف والقلق مشاعر إنسانية طبيعية لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول إلى قائد يوجه كل القرارات، ومن هنا يدعو إلى التعامل مع المشاعر بوعي وفهم أسبابها ثم البحث عن طرق صحية للتعامل معها.
العلاقات تبدأ من علاقتك بنفسك:
يطرح الكتاب فكرة أن كثيرا من مشكلات العلاقات لا ترجع فقط إلى الآخرين، وإنما إلى الصورة التي يحملها الإنسان عن نفسه فمن يفتقد التقدير الذاتي قد يبحث عنه بصورة مبالغ فيها من الآخرين، ومن يتصالح مع نفسه يصبح أكثر قدرة على بناء علاقات متوازنة تقوم على الاحترام لا على الاحتياج.
بعد القراءة التحليلة للكتاب يمكن أن نحدد أهم النقاط التي استندا عليها الكاتب وهي أن:
فهم النفس يسبق محاولة تغييرها.
الاعتراف بالمشاعر لا يعني الضعف بل بداية التعافي.
جلد الذات لا يصنع إنسانا أفضل بل يزيد الشعور بالعجز.
العلاقات الصحية تبدأ عندما يعرف الإنسان قيمته بعيدا عن رأي الآخرين.
طلب المساعدة عند الحاجة علامة وعي وليس علامة فشل.
التفكير المستمر في الماضي يحرم الإنسان من الاستمتاع بالحاضر.
وضع حدود واضحة في العلاقات يحمي الصحة النفسية.
العادات اليومية الصغيرة تؤثر في الحالة النفسية أكثر مما نتوقع.
التصالح مع الأخطاء يساعد على النمو بدلا من الوقوف عندها.
الاهتمام بالصحة النفسية جزء أساسي من جودة الحياة وليس رفاهية.
الفئة التي يستهدفها المؤلف من خلال كتابه:
يناسب هذا الكتاب كل من يرغب في فهم نفسه بصورة أعمق والتعامل مع ضغوط الحياة بطريقة أكثر هدوءا.
كما يناسب الشباب الذين يمرون بمرحلة البحث عن الذات أو يعانون من كثرة التفكير أو جلد الذات.
ويستفيد منه أيضا كل من يهتم بعلم النفس المبسط ويرغب في قراءة كتاب يجمع بين الجانب الإنساني والتطبيقي بعيدا عن المصطلحات المعقدة.
أما عن نقاط القوة والضعف في الكتاب فقد أشار الكاتب إلي:
يمتاز الكتاب بأسلوب حواري بسيط يجعل القارئ يشعر وكأنه في جلسة نقاش هادئة وليست محاضرة أكاديمية.
كما ينجح في تبسيط كثير من المفاهيم النفسية وربطها بمواقف يمر بها معظم الناس.
ويشجع القارئ على التفكير في نفسه دون إصدار أحكام قاسية أو تحميلها ما لا تطيق.
ومن نقاط قوته أيضا أنه يجعل الاهتمام بالصحة النفسية أمرا طبيعيا يمكن ممارسته كل يوم من خلال الوعي بالعادات والأفكار والمشاعر.
قد يرى بعض القراء أن بعض الأفكار تحتاج إلى أمثلة عملية أكثر أو إلى تمارين تساعد على تطبيقها بصورة مباشرة.
كما أن طبيعة الكتاب التبسيطية قد لا تشبع القارئ الذي يبحث عن تفسير علمي أو أكاديمي متعمق.
ورغم تنوع الموضوعات فإن بعضها قد يفتح أبوابا للنقاش تحتاج إلى مساحة أكبر مما يسمح به حجم الكتاب.
ومن خلال القراءة التحليلية للكتاب هناك بعض المفاهيم التي تحتاج لنقاش:
يفتح الكتاب بابا مهما للنقاش حول سبب تأخر الاهتمام بالصحة النفسية في مجتمعاتنا مقارنة بالاهتمام بالصحة الجسدية.
كما يثير سؤالا حول مدى تأثير التربية والبيئة ووسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل صورة الإنسان عن نفسه.
وتبقى أهم رسالة يقدمها أن رحلة التغيير لا تبدأ عندما تصبح الحياة مثالية؛ وإنما عندما يتوقف الإنسان عن الهروب من نفسه، ويبدأ في فهمها والتعامل معها بصدق ورحمة.
في النهاية عندما تطوى الصفحة الأخيرة لا تنتهي الرحلة بل تبدأ مرحلة جديدة إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.
وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلا عنه وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره وينصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملا.
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: “جلسات نفسية”
المؤلف: “محمد إبراهيم”
دار النشر عصير الكتب للنشر والتوزيع
بلد النشر مصر
سنة النشر ٢٠٢١
عدد الصفحات ٢٣٢ صفحة
رقم الكتاب الدولي 9789776902190