فن الإصغاء والثقة.. رحلة في أعماق العلاقات الإنسانية مع أرسين جبرائيلوف

تمهيد:

هناك علاقات تولد بكلمة، وأخرى تموت بصمت، وقد يظن الإنسان أن الحب وحده يكفي ليبني أسرة، أو أن الصداقة وحدها قادرة على مقاومة الزمن، لكنه يكتشف متأخرا أن المشاعر، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع وحدها حماية علاقة يجهل أصحابها لغة الفهم والاحتواء، ومن هذه الحقيقة ينطلق أرسين جبرائيلوف، ليقدم كتابا لا يعلمنا كيف نجعل الآخرين يحبوننا، بل كيف نصبح أكثر وعيا بأنفسنا، وأكثر قدرة على فهم من يشاركوننا الطريق.

ما يتناوله الكتاب

يرى المؤلف أن العلاقة الإنسانية لا تبدأ حين يلتقي شخصان، بل تبدأ قبل ذلك بكثير، حين يلتقي الإنسان بنفسه، فمن يحمل داخله الخوف، سيراه في عيون الآخرين. ومن يسكنه الشك، سيقرأ الخيانة في أبسط التصرفات، ولهذا فإن أول خطوة نحو علاقة ناجحة ليست البحث عن الشريك المثالي، بل السعي إلى بناء إنسان أكثر اتزانا من الداخل.

ويؤكد جبرائيلوف أن معظم الخلافات لا تنشأ من اختلاف الطباع، وإنما من اختلاف طرق التعبير عنها فكم من كلمة خرجت بنية طيبة، لكنها وصلت جارحة، وكم من صمت فُسر على أنه تجاهل، بينما كان في حقيقته عجزا عن التعبير، لذلك، فإن العلاقات لا تنهار بسبب غياب الحب، بل بسبب غياب الفهم.

ويتوقف الكاتب عند فن الإصغاء، ويراه المهارة الأكثر ندرة في عصر يتسابق فيه الجميع إلى الكلام، فالإنسان، في نظره، لا يحتاج دائما إلى من يقدم له الحلول، بقدر حاجته إلى من يمنحه شعورا بأنه مسموع ومفهوم، فالإصغاء الحقيقي ليس انتظار دورك في الحديث، بل أن تمنح الآخر مساحة يشعر فيها بأن مشاعره تستحق الاهتمام.

نقاط الكتاب

ويشير إلى أن الكلمات ليست سوى جزء صغير من الرسالة، فالنبرة، ونظرة العين، وتعابير الوجه، ولغة الجسد، كلها تكتب ما تعجز الحروف عن قوله. ولهذا، فإن العلاقات القوية لا تعتمد على جمال العبارات، وإنما على صدق المشاعر التي تحملها.

كما يناقش المؤلف مفهوم الثقة، مؤكدا أنها لا تبنى بالمواقف الكبيرة وحدها، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تتكرر كل يوم، فاحترام الموعد، والوفاء بالوعد، والاعتذار عند الخطأ، والصدق في المواقف البسيطة، هي اللبنات التي تشيد بناء الثقة، بينما يكفي تجاهل صغير أو كذبة عابرة ليظهر أول شرخ في هذا البناء.

ولا يغفل جبرائيلوف الحديث عن الغيرة والغضب والخوف، لكنه لا يراها عيوبا يجب إخفاؤها، بل رسائل تحتاج إلى قراءة، فالغيرة قد تكون صرخة خوف من الفقد، والغضب قد يخفي شعورا بالإهانة، أما الصمت فقد يكون لغة من لا يعرف كيف يبوح بألمه، لذلك، فإن الحكم على السلوك دون فهم أسبابه يشبه معالجة الدخان وترك النار مشتعلة.

ويحذر الكاتب من الرغبة الدائمة في تغيير الآخرين، لأن الإنسان لا يتغير تحت ضغط الأوامر، وإنما يتغير عندما يشعر بالأمان والاحترام، وكل علاقة يحاول أحد طرفيها تشكيل الآخر وفقا لرغباته، تتحول مع الوقت إلى ساحة صراع يفقد فيها الجميع شعورهم بالراحة.

ويشبه العلاقات الإنسانية بالحديقة، فكما تحتاج النباتات إلى الماء والضوء والرعاية، تحتاج العلاقات إلى الاهتمام، والكلمة الطيبة، والامتنان، والاعتذار، والتسامح. وما يهدم العلاقة ليس الخطأ الأول، بل تراكم الأخطاء الصغيرة التي لم تجد من يصلحها في وقتها.

يقدم جبرائيلوف رؤية تقوم على أن نجاح العلاقات ليس موهبة يولد بها الإنسان، وإنما مهارة يمكن اكتسابها بالممارسة والوعي، وهذه الفكرة تمنح الكتاب قيمة عملية، لأنه ينقل علم النفس من دائرة التنظير إلى مساحة الحياة اليومية، فيجعل القارئ يرى نفسه في كل موقف، ويعيد التفكير في طريقته في الحوار، وفي ردود أفعاله، وفي الأسباب الحقيقية للخلافات التي يعيشها.

كما يتميز أسلوبه بالبساطة والابتعاد عن المصطلحات الأكاديمية المعقدة، فيستبدل النظريات الجامدة بأمثلة واقعية، تجعل القارئ يشعر أن الكتاب يخاطبه شخصيا، إلا أن هذا التبسيط، على الرغم من جاذبيته، يأتي أحيانا على حساب العمق العلمي، إذ يفضل الكاتب الخبرة العملية على الإحالات البحثية، ويكتفي بالملاحظة الإنسانية أكثر من استناده إلى الدراسات النفسية الحديثة.

ينجح الكتاب في تصحيح كثير من المفاهيم الخاطئة التي تروج لها بعض كتب التنمية البشرية، فلا يعد القارئ بعلاقات مثالية، ولا يقدم وصفات سريعة لصناعة الحب أو استعادة الثقة، بل يضعه أمام حقيقة بسيطة، وهي أن كل علاقة تحتاج إلى جهد وصبر ونضج نفسي.

ومع ذلك، فإن المؤلف يميل في بعض المواضع إلى التعميم، فيتعامل مع العلاقات الإنسانية وكأنها تخضع لقواعد واحدة، بينما تختلف العلاقة الزوجية عن علاقة الصداقة أو الأبوة أو العمل، ولكل منها تعقيداتها الخاصة، كما أن بعض الحلول التي يقترحها تبدو مناسبة للخلافات اليومية، لكنها لا تكفي وحدها لمواجهة العلاقات التي تعاني من صدمات عميقة أو اضطرابات نفسية، والتي تتطلب في كثير من الأحيان تدخلا علاجيا متخصصا.

ورغم هذه الملاحظات، تبقى الرسالة الأساسية للكتاب متماسكة وواضحة؛ فالإنسان لا يخسر الآخرين لأن قلبه يخلو من الحب، بل لأنه يجهل اللغة التي يفهمون بها هذا الحب.

حقوق النشر

لا يكتب أرسين جبرائيلوف عن العلاقات بوصفها اتفاقا بين شخصين، بل يكتب عنها بوصفها رحلة طويلة لا تنجح إلا إذا تعلم الإنسان أن يرى نفسه بوضوح، وأن يصغي قبل أن يتكلم، وأن يفهم قبل أن يحكم، فالكتاب يذكرنا بأن أجمل العلاقات ليست تلك التي تخلو من الخلاف، بل تلك التي تعرف كيف تحول الخلاف إلى فرصة لفهم أعمق، وكيف تجعل من الاحترام جسرا يعبر عليه الحب كلما تعثرت به الأيام.

البطاقة التعريفية

كتاب “سيكولوجية العلاقات.. دليل الاستخدام”Psychology of Relationships: Instructions for Use

العنوان: Psychology of Relationships: Instructions for Use.

المؤلف: Arsen Dzhabrailov أرسين جبرائيلوف

التصنيف:علم النفس العملي – العلاقات الإنسانية.

ISBN: 978-5-91918-763-9

سنة النشر: 2017

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *