دور المشروعات العامة في التنمية الاقتصادية.. 3 عناصر أساسية لنجاح أي مشروع

تمهيد

هذه الصفحات ليست اختصارا للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابا للتأمل أكثر مما تقدم أحكامًا نهائية. هنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

لماذا كُتب هذا الكتاب؟

يطرح الدكتور علي خليفة الكواري قضية محورية في الاقتصاد، وهي دور المشروعات العامة في تحقيق التنمية الاقتصادية، وينطلق من فكرة أن نجاح أي مشروع لا يتوقف على كونه مملوكا للدولة أو للقطاع الخاص، وإنما على كفاءة الإدارة، وحسن استغلال الموارد، وقدرته على تحقيق أهداف التنمية، ومن خلال هذه الرؤية، يسعى الكتاب إلى إعادة تقييم دور الدولة بعيدًا عن الأحكام المسبقة المؤيدة أو المعارضة للقطاع العام.

جاء هذا الكتاب في وقت كانت فيه الدول النامية، ودول الخليج على وجه الخصوص، تبحث عن نموذج اقتصادي قادر على استثمار مواردها في بناء اقتصاد قوي ومستدام، لذلك أراد المؤلف أن يوضح أن القضية ليست في توسيع دور الدولة أو تقليصه، بل في كيفية إدارة المشروعات العامة وجعلها أداة حقيقية للتنمية، والرسالة التي يريد إيصالها للقارئ هي أن التنمية الناجحة تقوم على الكفاءة والتخطيط والإدارة الرشيدة، وليس على طبيعة ملكية المشروع.

يؤكد الكواري أن التنمية الاقتصادية لا تعني زيادة الإنتاج أو ارتفاع الدخل فقط، بل تعني بناء اقتصاد يمتلك القدرة على النمو المستدام وتحسين مستوى معيشة المواطنين. فالاقتصاد القوي هو الذي يستطيع تنويع مصادر دخله، وتطوير قطاعاته الإنتاجية، وخلق فرص عمل، وليس مجرد تحقيق أرقام مرتفعة في الناتج المحلي خلال فترة قصيرة.

يرى الكواري، أن القطاع الخاص لا يستطيع وحده قيادة التنمية، لأنه يتجه غالبا إلى المشروعات الأكثر ربحية والأقل مخاطرة، بينما تحتاج الدول إلى استثمارات ضخمة في قطاعات البنية الأساسية مثل الكهرباء والمياه والطرق والموانئ والصناعات الثقيلة، وهي مشروعات تتطلب رؤوس أموال كبيرة وفترات طويلة لاسترداد تكلفتها، الأمر الذي يجعل الدولة الطرف الأكثر قدرة على تنفيذها.

يتناول الكتاب تجربة دول الخليج بعد الطفرة النفطية في سبعينيات القرن الماضي، حيث توافرت الموارد المالية بينما كانت القاعدة الإنتاجية محدودة، ولم يكن القطاع الخاص قادرا على تنفيذ المشروعات الكبرى، لذلك قادت الدولة عملية الاستثمار، وأنشأت شركات النفط والبتروكيماويات والكهرباء والمياه والموانئ والصناعات الأساسية، بهدف بناء اقتصاد حديث يقلل الاعتماد على النفط ويؤسس لمستقبل أكثر استقرارا.

يرفض الكواري الحكم على المشروعات من خلال ملكيتها، ويؤكد أن المشروع العام قد يكون أكثر نجاحا من المشروع الخاص إذا توفرت له الإدارة الكفؤ والرقابة المستمرة، كما أن المشروع الخاص قد يفشل إذا غابت الإدارة الرشيدة، لذلك يدعو إلى تقييم المشروعات وفق معايير الأداء والإنتاجية والعائد الاقتصادي والاجتماعي، بعيدًا عن الانحياز لأي قطاع.

يشير الكواري إلى أن الدولة تستطيع من خلال المشروعات العامة توجيه الاستثمارات إلى المناطق الأقل نموا، بما يساعد على تقليل الفجوات التنموية بين المحافظات، وتحسين الخدمات الأساسية، ورفع كفاءة البنية التحتية، وتحقيق قدر أكبر من العدالة في توزيع ثمار التنمية.

يرى الكواري أن المشروعات العامة تصبح أكثر أهمية في أوقات الأزمات، إذ تستطيع الدولة الحفاظ على معدلات التشغيل، وتحريك عجلة الاقتصاد عندما تتراجع استثمارات القطاع الخاص، لكنه يشدد على أن نجاح هذا الدور يرتبط بوجود إدارة كفؤ، وتقييم مستمر للأداء، وربط المشروعات بخطط التنمية والأهداف الاقتصادية للدولة.

يلخص هذا الكتاب عدة أمور:

1- التنمية الاقتصادية عملية شاملة وليست مجرد زيادة في الإنتاج.

2- نجاح المشروعات يعتمد على كفاءة الإدارة وليس على طبيعة الملكية.

3- الدولة تؤدي دوراً أساسيا في إنشاء مشروعات البنية التحتية والصناعات الاستراتيجية.

4- تجربة دول الخليج تؤكد أهمية الاستثمار العام في بناء الاقتصاد الحديث.

5- المشروعات العامة تساهم في تحقيق التنمية المتوازنة بين المناطق.

6- للدولة دور مهم في الحفاظ على النشاط الاقتصادي خلال الأزمات.

7- الإدارة الرشيدة والرقابة المستمرة أساس نجاح أي مشروع.

8- يجب ربط المشروعات العامة بخطط التنمية طويلة الأجل.

9- القطاعين العام والخاص يكمل كل منهما الآخر لتحقيق التنمية.

10- معيار النجاح هو الكفاءة وتحقيق التنمية، وليس هوية مالك المشروع.

لمن يناسب هذا الكتاب؟

ويناسب الكتاب، طلاب الاقتصاد والإدارة، والباحثين في قضايا التنمية، وصناع القرار، والمهتمين بالسياسات الاقتصادية، وكل من يرغب في فهم العلاقة بين دور الدولة والاستثمار العام والتنمية الاقتصادية، خاصة في الدول النامية.

و يتميز الكتاب بموضوعيته وابتعاده عن الأحكام الأيديولوجية، كما يعتمد على تحليل اقتصادي عميق وتجارب واقعية، ويقدم رؤية متوازنة للعلاقة بين القطاعين العام والخاص، مع التركيز على الكفاءة باعتبارها معيار النجاح الحقيقي.

مميزات الكتاب:

ويركز الكتاب على الجوانب الاقتصادية والإدارية بصورة أكبر من الجوانب السياسية والمؤسسية التي قد تؤثر أيضًا في نجاح المشروعات العامة، كما أن بعض الأمثلة الواردة تعكس ظروفا اقتصادية تعود إلى فترة صدور الكتاب.

قراءة صحفية:

يريد علي خليفة الكواري أن يلفت انتباه القارئ إلى أن الجدل الدائم حول الأفضلية بين القطاع العام والقطاع الخاص ليس هو القضية الأساسية، فالسؤال الحقيقي الذي يطرحه الكتاب هو: كيف نجعل المشروعات أكثر كفاءة وقدرة على خدمة المجتمع؟ ويؤكد أن الدولة ينبغي أن تتدخل عندما تعجز قوى السوق عن تحقيق التنمية المطلوبة، وأن يكون هذا التدخل قائما على التخطيط السليم والإدارة الكفؤ، بحيث تصبح المشروعات العامة وسيلة لبناء اقتصاد قوي ومتوازن، لا مجرد أدوات تملكها الدولة.

وبالتأكيد تختلف وجهات النظر من شخص إلي آخر ولكن أتفق مع الكاتب في دعمه للمشروعات العامة وكيفيه الاعتماد عليها في دعم الاقتصاد مع تدخل الدولة في الحفاظ علي  تحقيق التنمية وأيضا في ربط القطاع العام والخاص ببعضهما في تحقيق التنمية.

وعندما تطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: دور المشروعات العامة في التنمية الاقتصادية (مدخل إلى دراسة كفاءة أداء المشروعات العامة في أقطار الجزيرة العربية المنتجة للنفط).

المؤلف: د. علي خليفة الكواري.

دار النشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

بلد النشر: دولة الكويت.

الطبعة: الأولى (ضمن سلسلة عالم المعرفة، العدد 42).

سنة النشر: يونيو 1981م (رجب 1401هـ).

عدد الصفحات: 286 صفحة.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *