«مجتمع بلا قراءة».. كيف يصنع قراراته؟

القراءة ليست مجرد هواية يقضي بها الإنسان وقت فراغه، لكنها وسيلة لفهم الحياة وما يدور فيها، فالكتاب، والدراسة، كلها تساعد الإنسان على تكوين رأي مبني على معرفة، وليس على مجرد انطباعات أو كلام يتردد بين الناس، فأي مجتمع يبتعد عن القراءة، يصبح أكثر عرضة للوقوع في الأخطاء واتخاذ قرارات عشوائية.

عالم القراءة

نجد في واقعنا أنه عندما تقل القراءة، تقل المعرفة، ومع قلة المعرفة يصبح من السهل تصديق أي معلومة دون التأكد من صحتها، وهنا تنتشر الشائعات بسرعة، ويصبح الرأي العام مبنيا على ما يقال في مواقع التواصل الاجتماعي أو في الأحاديث اليومية، وليس على الحقائق، وهذا يؤثر في قرارات الأفراد، سواء في حياتهم الشخصية أو العملية، كما ينعكس على المجتمع كله.

الإنسان الذي يقرأ باستمرار يمتلك حصيلة معرفية مما يؤدي إلى وجود تراكم معرفي وقدرة أكبر على التفكير والمقارنة بين الآراء المختلفة، فهو لا يكتفي بسماع رأي واحد، بل يبحث ويقرأ ويحلل قبل أن يقتنع. أما الشخص الذي لا يقرأ، فقد يعتمد على أول معلومة تصل إليه، حتى لو كانت خاطئة، لأنه لا يملك الخلفية التي تساعده على التمييز بين الصحيح والخطأ.

وتظهر أهمية القراءة أيضا عند اتخاذ القرارات اليومية، فاختيار التخصص الدراسي، أو الوظيفة، أو بدء مشروع جديد، أو حتى تربية الأبناء، كلها أمور تحتاج إلى معرفة وخبرة، والقراءة تمنح الإنسان فرصة للاستفادة من تجارب الآخرين، فيتعلم من نجاحاتهم وأخطائهم، بدلا من أن يبدأ من الصفر أو يكرر أخطاء سبق أن وقع فيها غيره.

كما أن المجتمع الذي يقرأ يكون أكثر قدرة على الحوار واحترام اختلاف الآراء، فالقراءة توسع أفق الإنسان، وتجعله يدرك أن لكل قضية أكثر من وجهة نظر، لذلك يناقش بهدوء، ويستمع للآخر، ويقبل النقد، لأنه يعلم أن الحقيقة لا يحتكرها شخص واحد، أما غياب القراءة، فيؤدي أحيانا إلى التعصب للرأي ورفض أي فكرة مختلفة.

ولا يقتصر أثر القراءة على الثقافة فقط، بل يمتد إلى الاقتصاد والتنمية أيضا، فالدول التي تشجع القراءة والاستمرار في التعلم غالبا ما تمتلك كوادر أكثر كفاءة، وإنتاجا أفضل، وقدرة أكبر على الابتكار. فالعقول التي تقرأ لا تكتفي بما هو موجود، بل تبحث عن حلول جديدة وتفكر في تطوير الواقع وتحسينه.

ومن المؤسف أن كثيرا من الناس اليوم يقضون ساعات طويلة أمام شاشات الهواتف، لكن جزءا كبيرا من هذا الوقت يضيع في متابعة محتوى لا يضيف معرفة حقيقية، ورغم أن الإنترنت يوفر ملايين الكتب والمقالات والدورات التعليمية، فإن الاستفادة منه تعتمد على اختيار المحتوى المفيد، وليس مجرد التصفح العشوائي.

لذلك فإن غرس حب القراءة يبدأ من الأسرة، عندما يرى الطفل والديه يقرآن، أو عندما تهديه الأسرة كتابا يناسب عمره، ثم يأتي دور المدرسة في تشجيع الطلاب على الاطلاع، وليس الاكتفاء بالمناهج الدراسية، كما أن وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية تستطيع أن تلعب دورا مهما في نشر ثقافة القراءة من خلال المبادرات والمعارض والأنشطة التي تجعل الكتاب قريبا من الجميع.

ولا يعني تشجيع القراءة أن يتحول كل إنسان إلى باحث أو كاتب، وإنما المطلوب أن تصبح القراءة عادة مستمرة، ولو لعدة دقائق كل يوم. فمع مرور الوقت تتراكم المعرفة، وتتسع المدارك، ويصبح الإنسان أكثر وعيا بما يحدث حوله، وأكثر قدرة على اتخاذ قرارات سليمة.

على كل حال، علينا أن ندرك أن المجتمع الذي لا يقرأ يترك مصيره للصدفة، أو لمن يوجهه بالمعلومات غير الصحيحة، بينما المجتمع القارئ يمتلك القدرة على التفكير، والمناقشة، واتخاذ القرار على أساس المعرفة.

ولهذا فإن القراءة ليست رفاهية، بل هي استثمار حقيقي في الإنسان، وأحد أهم الأسباب التي تصنع مجتمعا واعيا، قادرا على مواجهة التحديات، وبناء مستقبل أفضل لأبنائه.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *